الرئيسية / لقاءات وحوارات / جهاد مقدسي: نعم كنت جزءاً من ماكينة النظام الإعلامية، لقد اعترفت واعتذرت

جهاد مقدسي: نعم كنت جزءاً من ماكينة النظام الإعلامية، لقد اعترفت واعتذرت

جهاد مقدسي copy

  • المصدر: السوري الجديد

لعله من الشخصيات المثيرة للجدل في المعارضة السورية، في بداية الثورة كان من ضمن الماكينة الاعلامية التي تروّج لخطاب النظام السوري، وقدم النظام بصورة مختلفة وعصرية كشاب وسيم وذو تأهيل عالٍ و يتقن لغات أجنبية ويحسن التعامل مع الاعلام الدولي

سرعان ما خرج من سورية وقدّم نفسه كمعارض معتذراً للسوريين دون أن يعلن انشقاقه عن النظام.

طرح نفسه كمعارض، لكنه اتخذ منحى سياسياً خاصاً و بقي خارج تشكيلات المعارضة التقليدية، دون أن  يقطع حبل الودّ معها.

على المقلب الآخر زار روسيا عدة مرات واحتفظ بعلاقات معها، لكنه رفض أن تسميه ضمن صفوف المعارضة التي تطمح إليها كبديل عن المعارضة السورية التقليدية.

يقدم نفسه كباحث عن حل سياسي دون أن يغوص بعمق الأزمة وتداعياتها، وقدم عدة مبادرات على هذا الصعيد.

يقبله كثير من جمهور النظام والمعارضة على حد سواء، وهذه معادلة لم يحققها إلا قلّة

كل ما سبق جعله شخصية غامضة وغير مفهومة لكثيرين.

السوري الجديد التقت د.جهاد مقدسي وكان لها معه هذا الحوار.

السوري الجديد – خاص

لنبدأ من مرحلة تواجدك الداخل، حدثنا عن تاريخك و تسلسلك الوظيفي في وزارة الخارجية، ولماذا تم اختيارككناطق رسمي باسمها مع بداية الثورة السورية؟

أنا مواطن سوري من عائلة دمشقية لا يوجد فيها أحد امتهن السياسة أو العمل الحكومي.  دخلت السلك الدبلوماسي بموجب مسابقة رسمية عام 1998،  و هي الوظيفة التي لطالما حلمت بها لأنها تعطيك شرف تمثيل بلادك و قضاياها بالخارج بأقل غربة ممكنة دون ان تدخل بقضايا الداخل السوري الشائكة.  تنقلت ما بين الدراسة الاكاديمية كدبلوماسي و العمل بسلك  الخارجية  بين العواصم التالية ( باريس-واشنطن-بروكسل- لندن ).

بالطبع ما بين البعثات -وفقاً للقوانين الناظمة لعملالدبلوماسي-  كان عليّ أن أعود لدمشق للعمل في الادارة المركزية بوزارة الخارجية، و آخر موقع شغلته كان مدير إدارة الإعلام الخارجي في وزارة الخارجية و الناطق الرسمي باسم الوزارة (و هو منصب تم استحداثه عام ٢٠١١). أما اختياريكناطق  فاعتقد أن مبعث ذلك كان الحاجة الماسة لخلقواستحداث هذا المنصب الجديد في خضّم الاحداث بغيةالابتعاد عن الخطاب الخشبي التقليدي  من نمط : ( صرح مصدر مسؤول رفض الكشف عن اسمه).

كان البحث جارياً عن شخصية لتقوم بهذا الدور، وأعتقد أن سبب وقوع الاختيار علي أولاً  القدرة التي أبديتها في التعامل مع الإعلام الأجنبي و العربي خلال أزمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وثانياً التأهيل والكفاءة العلمية بحكم أنني أحمل شهادات عليا من جامعتين عالميتين، كما أنني أتقن لغتين أجنبيتين، و الأهم من ذلك أنني بحكم الخبرة الطويلة بالعمل الدبلوماسي أفهم حدود الممكن و المتاح في خطاب المؤسسة الرسمية السورية.

أنا هنا لا أدعي أن الدولة السورية كانت تبحث دوماً عن الكفاءات في التوظيف،  فنحن أبناء البلد ونعلم مايحدث، لكن المرحلة كانت حساسة،وكانت السلطة بحاجة لوجه مختلف ليقدّم روايتها للإعلام الدولي الذي كان يراقب ما يحدث في سورية باهتمام، و لم تكن تلك المرحلة هي لتعيين المدللين بموقع يتطلب كفاءة قبل أي شيء، و لذلك كان التعيين بعيون البعض خطوة إصلاحية.

خلال عملك كناطق رسمي باسم الخارجية السورية، سمعك السوريون ورأوك وأنت تنكر الحراك الثوري السلمي. كيف تنظر إلى تلك المرحلة التي مررت بها خلال عملك، و هل كنت مقتنعاً فعلاً أنه لا يوجد حراكسلمي في بداية الثورة، وهل أنت راض عن أدائك في تلك المرحلة وكيف تبرره وتقيّمه.

بخصوص تصريحاتي خلال فترة عملي كناطق فهي نظرة إلى الوراء و مضى عليها سنوات وأعتبر نفسي قد تجاوزتها، لكن بالعودة إلى تلك الفترة أودّ هنا أن أذكّر بالسياق الزمني للأحداث حينها، فمن الخطأ محاكمة الأمور دون أخذ ذلك بالاعتبار؛  تسلمت منصبي بعد ٩ أشهر من اندلاع الحراك الشعبي، حينها كان الحراك السلمي -الذي لا يمكن إنكاره بطبيعة الحال- كان قد اختفى، ودخلنا بمرحلة الانشقاقات العسكرية و العسكرة التامة للحراك، هنا أيضاً علينا التمييز  بين التصريحات الصادرة عن إعلاميين أو معلقين سياسيين يعبرون عن مواقفهم السياسية كأفراد ويذهبون بها أينما يشاؤون،  و بين ما يصدر عن ناطق رسمي يعكس وجهة نظر مؤسسته ولا يستطيع أن يحيد عنها، كما في حالتي، لكنني أتفهم بالطبع أن كثيرين لا يدركون طبيعة العلاقةبين موظف ومؤسسته، وارتباطها بجملة مقيّدة من المحددات الوظيفية الرسمية تنفي عنه صفة الفردية.

بجميع الأحوال، خلال فترة عملي تلك لم أنكر يوماً في أي حديث أو تصريح وجود حراك سياسي مطلبي في سورية، لكنني أعترف أن تركيزي كان منصباً على تجسيد موقف المؤسسة او السلطة مما يحدث، وهو عسكرة الحراك و تحوله لإرهاب و ضرورة مواجهته دون ذكر المسببات الجذرية . رواية السلطة هذه أصبحت حتى المعارضة لاحقاً تعترف بجزء كبير منها، لكن طبعاً الفارق الأساسي هو أن المعارضة تشير إلى أن العسكرة هي نتيجة لاحقة و ليست أولية للاستعصاء السياسي و الحل الأمني الصرف (و هكذا بدأت الاحداث)، بينما السلطة تقول ان العسكرة كابدأت منذ اليوم الأول .

أما عن قناعاتي الشخصية بهذا الشأن و بعيداً عن الموقف الرسمي:

أعتقد أن الحراك السلمي كان حقيقياً بلا أدنى شك في البداية، و كان هو المهيمن على المشهد، و قد وثق الإعلام الجديد (وسائل التواصل و الأفراد) معظم المظاهرات والتحركات السلمية بحيث لا يستطيع أحد إنكارها، هذا بالاضافة للحوارات ووفود الاهالي التي استقبلتها السلطة رسمياً، وكانت جميعها تتمحور حول مطالب شرعية سلمية، و لو كان ما حدث فقط إرهاب فما كان هناك من داعٍ لأن تقيم السلطة مؤتمر صحارى للحوار مثلاً .!

لكن الحراك السلمي لم يدم طويلاً للأسف، فقد كانت هناك قناعات مختلفة لدى قطاعات كبيرة من السوريين المنتفضين، بأن حالة الربيع العربي هي ذاتها بكل الاماكن و ربما المواجهة المسلحة هي الخيار الأفضل لتحدي عناد السلطة و مواجهة القبضة الامنية و العسكرية تجاه المظاهرات، ترافق ذلك مع الدعم  الدولي الكبير المتوفر بكثرة إعلامياً و عسكرياً.  كل هذه العوامل مع بعضها هي التي جرفت الحراك السلمي بنهاية المطاف إلى حيث وصلنا اليوم، و هو حالة النزاع المسلح المفتوح بين سلطة قاسية ومعارضة مسلحة، و ضاعت للأسف في خضم الصراع المطالب المحقة و المشروعة للناس، و وقع المدنيون ضحية هذه المواجهة في ظل تفوق السلطة عسكرياً .

هل تعتقد أن النظام كانت سيتصرف بشكل آخر لو استمرت ثورة سلميّة؟

دعني أعترف أنني ظننت في البداية أن هناك جدية -أو على الاقل احتمالية- لدى السلطة لحل المسألة بشكلآخر، وقد دعم قناعتي تلك حينها أمران:

أولهما أن هناك جهات وأجنحة مؤثرة في قلب السلطة كانت تريد بالفعل حلّ المسألة بشكل سلمي وتوافقي دون إراقة دماء و هذه حقيقة اعلمها بالممارسة و عن قرب.

وثانيهما أمر شخصي، حيث اعتقدت أن مجرد  تسمية شخص مثلي في هكذا موقع هو بداية و ليس نهاية، رغم أنني لست من صلب السلطة بالمعنى المتعارف عليه في تسليم المناصب، ذلك كان يعني لي احتمالية أن هناك قابلية للتغيير المنشود، لألخص لك الأمر ببساطة وبصراحة: لقد رغبت أن أكون جزءاً من هذا التغيير و تمنيت لو قادت السلطة نفسها هذا الحراك .

لكن كنتيجة وصلت لها لاحقاً مع تطورالأحداث وقصّ الجناح التصالحي (الحمائم) لصالح جناح الصقور، أقول  بصراحة شديدة ووضوح تام:  السلطة لم تكن أبداً بوارد تقديم اي تنازل جوهري، ذلك أنها تعتقد أن مجرد تقديم تنازل واحد يعني أن ذلك سيكون بداية نهاية المنظومة كلها، و التي لا تتحمل بنيتها و تركيبتها أي إصلاح جذري شامل و سريع، و هذا تشخيص صحيح بالمناسبة، فحالة التردد بالإصلاح السياسي على مدى عقد كامل أفرغت المنظومة من أية ديناميكية ممكنة لمواجهة ما يحصل والتعامل معه خلال وقت قصير. فأصبح شراء الوقت تكتيك لا ينفع لاستيعاب انتفاضة الشارع .

بالمحصلة رأيت أنني لا أفيد و لا انتمي لهذا التوجه، و ليس لدي القدرة على التأثير بالعمل في محيط صعب للغاية قوامه (ليس كله) المزاودة و النكران، وعليه مارست حقي بالاستقالة كأي موظف مدني بالشكل الذي يشبهني و الذي لا يتناقض مع احترامي لذاتي و لمهنتي، و للناس الذين احترمهم و احترموني.

الاستقالة هي بحد ذاتها موقف لموظف بموقعي، وهي ثمن شخصي يعني لي الكثير جداً في مكان شكّل محور حياتي وطموحاتي، لك  هذا الثمن بالطبع لا يقارن بمعاناة من فقد أولاده و أحبابه، ولهذا لم يسبق لي أن تحدثت بالأمر لولا أنك تسألني هنا.

على أية حال هذا الموضوع تجاوز الثلاث سنوات و أصبح من الماضي، و الأحداث أكبر من أي فرد .

كيف كانت تتم عملية الترويج للنظام السوري والدفاع دولياً عنه داخل أروقة وزارة الخارجية، أقصد لناحية التوجيهات والاملاءات الأمنية والتعاميم والقرارات وما إلى هنالك،نحن متأكدون أن لديك كنزاً من المعلومات حول ذلك هلا كشفت بعضه.

للأمانة لم أخضع لأي إملاءات أو توجيهات أمنية فأنا لم يكن هناك حاجز بيني و بين صانع القرار .

 كان يتم التعامل مع مجريات الأمور بشكل شبه يومي، و كان خط الدولة هو التركيز على جزئية أن ما يحصل تجييش اعلامي و تحريض اقليمي، و بالتالي تحوُّل الحراك للعسكرة و الأصولية  وأنه يجب مواجهته بالقوة، مع تسريب وعود بتحقيق مطالب أو اصلاحات لا تمس جوهر أزمة الحكم.

أما حول كنز المعلومات الذي تظن أنني أمتلكه، فأنا أؤكد لك أنه ليس لدي أية معلومات أكثر مما يسمعه أو يشاهده أي سوري في الاعلام، لست من تلك الحلقة المتاح لها أن تعرف ماذا يدور داخل أروقة السلطة الأساسية التي تحكم البلاد.

غادرت سورية في كانون الأول ٢٠١٢ بشكل نظامي عبر لبنان حيث كانت تسكن عائلتك، ثم توجهت إلى الإمارات،  ولم تظهر في الاعلام إلا بعد قرابة سنة على ذلك في تصريح على الـ BBC قلت من خلاله أنك غادرت سوريا لتكون مع الحل السلمي، لم تصرح أبداً بأنك انشققت عن النظام، البعض ما زال يعتقد أنك لم تنشقّ، وأنك ما تزال تتلقى راتبك من الخارجية السورية، آخرون يعتقدون أنك قفزت من المركب الغارق، لكنك تركت طقم نجاه للعودة للمركب في حال لم يغرق، هلا حسمت الجدل حول شخصيتك ؟.

نعم أنا لم أستخدم أبداً كلمة انشقاق عن النظام و حتى اللحظة لم استخدمها، ببساطة أنا واقعي جداً بوصفما فعلته، فقد كنت موظفاً مدنياً في الدولة السورية، ولم أكن جنرالاً عسكرياً، وأنا فعلاً قدمت استقالتي منوظيفتي بعد مغادرتي لسورية و تم قبول الاستقالة لاحقاً، و كنت قد قررت حينها أن لا أتعاطى الشان العام، فالإستقالة كانت هي التعبير الدقيق عما فعلته . بالأصل ترددت كثيراً بعد الاستقالة في موضوع العودةللشان السياسي، لكنني أصدرت لاحقاً بياناً رسمياً بعد مغادرتي (نشرته عدة صحف مثل الحياة و الشرقالأوسط و قناة العربية و عدة مواقع أخرى)  قلت فيه أنني قدمت استقالتي، وأهم ما في البيان أنني اختتمتكلامي بـ “اعتذار صريح” من أم كل شهيد اعتقدت انني بموقعي الوظيفي السابق و تصريحاتي السابقة قدتجاوزت معاناتهم الشخصية بما فقدوه، و هذا حق الناس علي لكي يستطيعوا سماع صوتي الحقيقي بعد ذلكداخل هذا المجتمع المدني الذي انتمي إليه.

أما بخصوص المركب الغارق، وعبارات القفز من مكان لمكان …هذه تُقال غالباً لمن يقبض ثمن موقفه حتى و إن اختبئ خلف شعارات ثورية، وأنت تعلم أن كثيرين لم تكن مواقفهم بدون مقابل.

بالنسبة لي لم أقفز أبداً من مركب لمركب، فمازلت مستقلاً سياسياً، أنا ببساطة نزلت من مركب السلطة بكل تأكيد، ولكنني قفزت على أرض الواقع، و لم أقدم اوراق اعتمادي سوى لضميري و لمجتمعي السوري، وأكرر ما قلته في مقابلة قديمة مع نيويورك تايمز: لو كنت أعلم أن استقالتي قد تمرّ بدون مشاكل أو مخاطر لما تركت بلدي أبداً و لبقيت هناك، لكنك تعلم طبيعة السلطة القاسية وأن الموضوع بالنسبة لها ليس بهذه البساطة أبداً، فمشكلتك ليست دائماً مع الدولة بل مع من يحسب نفسه الدولة.

أما بخصوص التواصل السياسي، فأنا أقول اتواصل مع جميع الأطياف دون استثناء، و بالمناسبة المستقل ليس ذاته الحيادي كما يخلط البعض، أنا لست حيادياً بل لي رأي و انتمي لفريق سياسي له أوراقه السياسية المعلنة .

اشرح لنا أكثر موقفك السياسي الآن كمعارض، وهل أنت راضٍ عن أدائك؟

من حيث التبعية أنا مستقل، ولكنني في نفس الوقت عضو اللجنة السياسية لمؤتمر القاهرة والتي لا تمثل حزباً أو تياراً بقدر ما هي تجمع للمستقلين. أحافظ على خط سياسي متوازن يخاطب شريحة الغالبية الصامتة من الطرفين في بلادنا، على أساس إيجاد حل قابل للحياة لا يتخلى عن مطالب الناس، وأركز على المخارج و الحلول أكثر من الدخول بمظاهر وعوارض الأزمة لأن الناس تعلم علم اليقين جوهر و أسباب ما يحصل، فمعركتنا كسوريين كما أراها هي معركة حقوق و مواطنة.

نعم كثيرون لا يعجبهم هذا اللون أو الطريقة ويعتبرونها بلا لون أو رائحة، و يُفضلون الطريقة الاستعراضية التقليدية، القائمة على بيع أوهام للجماهير والتصريح بمواقف حديّة غير واقعية، لكنني من الصنف الذي يؤمن أن التحدي يكمن في  تقديم النموذج الأفضل للحل، مع الابتعاد عن شخصنة المواجهة .

بخصوص الرضى عن أدائي، وبعد أن قدمت الاستقالة من وظيفتي، و بعد الاعتذار للسوريين، أنا مرتاح جداً ومتصالح مع نفسي لحقيقة موقفي وخطي السياسي، و لست بوارد مجاملة أحد هنا،  فأنا لم أعد موظفاً بل انسان حر، و لي قناعاتي و خطي السياسي الذي ارتضيه لنفسي وليس لإرضاء الآخرين. سأكون صريحاً و مباشراً:

من حق الناس علي أن أكون إلى جانب مطالبهم المشروعة و هذا ما فعلته، لكن ليس من حق أحد أن يحدد طريقة عملي و خطي السياسي لتحقيق هذه المطالب، في السياسة نلتقي حيث نلتقي، و نفترق باحترام حيث نختلف،  لكن هدفنا واحد و هو الانتقال السياسي الجذري غير التجميلي في بلادنا، ناهيك عن أنه لم يعد هناك أية أسرار نخفيها أو نجامل بها أحداً، فاللعب بات على المكشوف، و لا أحد ينتظر ماذا بجعبة فلان او فلان.

كيف تجد أداء المعارضة السورية التقليدية ممثلاً بالمجلس الوطني ثم الائتلاف ثم الهيئة العليا للتفاوض، ولماذا لم تنضمّ لهذه التشكيلات، وفضّلت العمل مع (منصّة القاهرة) التي يعتبرها البعض خروجاً عن الاجماع، و تياراً ثالثاً تائهاً بين النظام والمعارضة؟

من حيث المبدأ،  أمراض السلطة انتقلت لبعض أفراد المعارضة و بات “البعض” القليل يمارس “الحصرية السياسية” أو “الشخصنة”  أو حتى “التخوين” بغية حماية مصالح  أو مكتسبات شخصية حصل عليها،  فحصل نوع من الانكفاء لدى عديدين .

من ناحيتي على مدى السنوات الماضية تواصلت تقريباً مع الجميع، و قناعتي هي أن الموضوع ليس إنضماماً و اندماجاً، قد نؤمن بذات الهدف لكن طرقنا ليست متطابقة، وتوحيد مكونات المعارضة بجسم واحد أمر مستحيل لأننا ببساطة مجتمع متعدد و متنوع، و جمهورنا أيضاً مختلف و هذه من أهم النقاط و هنا نقطة الخصوصية التي لا يلتفت لها الكثيرون.

لذلك انا من أنصار توحيد “رؤى” المعارضة و ليس “مكوناتها”، و هذه برأيي أنجح استراتيجية، لأنك بذلك تضع رؤية مشتركة و تدعو الناس إليها، عوضاً عن وضع أسماء اشخاص و دعوة الناس لهم .

كما قلت لك، منصة القاهرة ليست حزباً سياسياً، بل هي تجمع لمستقلين و قوى سياسية (١٩٠ شخصية) وضعوا معاً رؤية مشتركة للحل السياسي في سورية، و أعتقد أننا قريباً يجب أن ندرس وضع هذه المنصة، و ربما إمكانية تحويلها لمكوّن سياسي ذي هيكلية في ضوء التطورات الاخيرة أو إسدال الستار عليها.

منصة القاهرة للمعارضة السورية ليست تياراً ثالثاً، بل هي تطرح “مقاربة مختلفة” للحل السياسي دون العسكري، وقد  قدمنا “خارطة طريق سياسية” هي أول وثيقة تناولت كيفية تطبيق بيان جنيف بخطوات سياسية واضحة المعالم. كما أننا لا نهدف للخروج عن الاجماع، فأغلبنا على علاقة جيدة مع باقي المكونات، و في نهاية المطاف أحب دوماً أن أكرر مقولة أن “لا أحد يمثل كامل الشعب السوري اليوم”، بل نحن نعبر عن تطلعات “قسم كبير” من الناس، فيما التمثيل الحقيقي يكون وفقاً لآليات ديمقراطية داخل بلدنا يوماً ما بعد إنجاز الحل السياسي .

برأيك أين أخطأت المعارضة السورية، وما الفرص التي أضاعتها؟

اذا كنا سنتحدث عن اضاعة الفرص فأنا أقول أن من يضيع الفرصة هو السلطة، لأنه من المفترض أن مسؤولياتها كدولة لها مؤسساتها أكبر بكثير من مسؤولية المعارضة، فالمعارضة في نهاية المطاف “داخلياً” هي نتاج معقّد لغياب أو تدجين تام للحياة السياسية في بلادنا، أما “خارجياً” فهي تعاني من مشكلة التدويل و تعدد أجندات الدول الداعمة لمكوناتها. ربما هناك أيضاً موروث ثقافي عام أيضاً لم يساعدنا كسوريين و هو مشكلة الـ “أنا” و غياب القراءة الواقعية للمشهد السوري دولياً.

برأيي إن الواقعية السياسية ليست ضعفاً و لا تعيب أحداً، و اعتقد أن على المعارضة ان تكون أكثر واقعية، و أن تعلم أن المجتمع الدولي اليوم ليس بوارد قلب الانظمة عسكرياً، وكل ما هو متاح دولياً هو طريقة “الربح بالنقاط” عوضاً عن الضربة القاضية، لذلك اعتقد أن الحل السياسي التفاوضي على أسس واضحة و معلنة (بيان جنيف و القرار ٢٢٥٤) هو أفضل سبيل للانخراط، و هذا مشوار طويل وأعلم أنه  متعب جداً، لكن أن تمشي على طريق صحيح معروف أن نهايته هي الانتقال السياسي رغم كل العوائق، أفضل من الوقوف بذات المكان أو ربما التراجع، و بالنهاية العبرة هي بقبول او رفض ما يعرض عليك.

ماهي طبيعة علاقتك مع روسيا، ولماذا تطرح موسكو اسمك حين تتحدث عن المعارضة المعتدلة التي يجب أن تمثل السوريين؟ وقد كان قرار رفضك لوجود اسمك ضمن (قائمة موسكو) لمحادثات جنيف مفاجئاً، حدثنا عن ذلك؟

علاقتي مع روسيا علاقة طبيعية، و أنا اتواصل دبلوماسياً مع الجميع سواء الروس أو الامريكيين أو الأوروبيين للترويج لقناعاتي السياسي و أوراق المنصة التي انتمي لها، و قد تمت دعوتي لموسكو سابقاً كما تمت دعوتي أيضاً لمؤتمر الرياض وأماكن اخرى، فالتواصل أساسي مع الجميع، هل سمعت بسياسي لا يتواصل إلا مع نفسه.؟!

لا تحتاج موسكو لأن تطرح اسمي لأنني ببساطة على علاقة طبيعية و مباشرة و صريحة مع جميع أطياف المعارضة السياسية دون استثناء، و بالمناسبة هناك من يتم “طرح” اسمائهم من قبل بعض الدول الأخرى وهذا أمر طبيعي،  أما غير الطبيعي و المستهجن فهو من يتم “فرض” اسمه من قبل بعض الدول، و الحمد الله أنني لست منهم.

قد يكون تموضعي السياسي كمستقل يجعلني مقبولاً للبعض، و بحكم أنني وسطي و غير صدامي قد أكون جسراً فيما بين الأطراف و هذا دور يشرفني، بأية حال العبرة تبقى بما أقبل به أنا، و ليس بما يقترحه الآخرون.

وبخصوص اعتذاري عن حضور المحادثات، يسعدني أن الناس فهموا معنى الاعتذار الأخير عن حضور الجولة الأولى للمحادثات في جنيف، والحقيقة أنني  لم أعلم بطرح اسمي إلا قبل يوم  واحد و بشكل غير رسمي وعن طريق صديق،  صحيح أنني دبلوماسي بطبعي، لكنني لا أجامل أبداً بقناعاتي السياسية، فعندما اعتذرت عن حضور محادثات جنيف كان لدي وجهة نظر واضحة بأن تركيبة الطاولات هي مصدر إضافي للتشرذم،  هناك طاولة لمؤتمر الرياض (الذي أرى أنه خطوة بالاتجاه الصحيح لكنها تحتاج لتحديث)، و طاولة أخرى اصطلح على تسميتها بطاولة القائمة الروسية. وأنا لا أريد  أن أكون سبباً باضعاف طرف على حسابآخر، ثم إنني لست بوارد ان أكون على طاولة ينظر إليها الناس  و ُيروّج لها أنها روسية (بغض النظر عن صحة هذه النظرة من عدمها لان الروس مهتمين بقسم منها فقط ) إلا انه الانطباع الذي ساد على اية حال.

بالمحصلة أطمح للقيام بدور ايجابي و ليس فقط بدور من أجل الدور، أو لأجل إزعاج الآخرين.

في الانتقال إلى محور النظام من جديد، لماذا نجح النظام السوري بتسويق نفسه كحامي للأقليات، ولماذا أغلب الأقليات وقفت فطرياً معه، أو على الأقل خافت من الثورة، وهل تخشى على مصير المسيحيين في سورية ؟

لا يوجد في سورية مشكلة أقليات بالمعنى الحقيقي …بلادنا كانت الملاذ الآمن للمضطهدين من كل الأديان عبر التاريخ، وقد تسلم مسيحيٌ وزارة أوقاف في سورية في مرحلة تاريخية ما، حتى السلطة مازال فيها حتى اليوم مكونات “أقلوية” وأيضاً ” أكثرية واضحة جداً” و هذا دليل أن الاصطفاف بين السوريين سياسي و مصلحي و ليس دينياً.

المشكلة الحقيقية اليوم هي خوف السوريين جميعهم على مستقبلهم سواء كنت مسيحياً أم مسلماً… بدون أية مجاملة أقول لك بصراحة أنا عربي سوري أولاً و فخور بمسيحيتي لأبعد الحدود، لكنني أرى أننا جميعاً في طائرة واحدة، لا يجوز أن يكون المسيحي راكب درجة اولى بينما المكون الأخر يركب الدرجة الاقتصادية، إما أن تهبط بسلام على أرضية حل سوري أساسه المواطنة والمساواة بالحقوق، أو  تتحطم الطائرة بنا جميعنا وتطيح بآمالنا و نخسر بلدنا لا سمح الله .

بخصوص ما قلته حول نجاح السلطة في كسب الأقليات لجانبها، أعتقد أنها نجحت في شيء واحد فقط،  هو البقاء في السلطة. فبعد مبادرة حوار صحارى انتهت المبادرات الداخلية عملياً، و بالتالي الخوف المسيحي هو خوف مشروع،  لكن هذا الخوف ليس من المعارضة السياسية بل هو من الفوضى وارتفاع موجة التيار التكفيري و الأصولي، و هذا أمر اعتقد أنه متوقع و منطقي (لا أقول أنه طبيعي) بضوء المعطيات، فالسوريون جميهم غير مرتاحين و خائفون من الفوضى و التيارات الأصولية، يبقى المدخل السياسي هو الكفيل بإعادة الحياة لطبيعتها لاي مكون .

بالمجمل المسيحيون هم من صناع استقلال سورية و ليسوا ضيوفاً بل شركاء أساسيين لباقي المكونات، و أنا اعتقد أن السوريين المسيحيين هم رواد المصالحة و هم الصمغ الذي سيرمم بمرحلة ما هذا الشرخ الاجتماعي العميق في مجتمعنا .

ما هو عمق التواجد الايراني والروسي على الارض السورية، وهل صحيح أن كامل القرار السيادي في البلاد هوبأيديهم لا أيدي الأسد؟

لا اعتقد أن”كامل” القرار السيادي بيد الايرانيين و الروس، فقط في المجال العسكري لهم حرية حركة كبيرة جداً و مفتوحة تماماً بحكم الاحداث الميدانية و تواجدهم العسكري المباشر و قتالهم على الأرض، لكن سياسياً أعتقد السلطة مازال لها حرية حركة نسبية لكنها غير مرئية بعيون الآخرين، لأنه لا يوجد تناقض و اختلاف بالتوجه بينها و بين ايران وروسيا، بل هناك تطابق و تناغم بالاجندة، فالموضوع أصبح بمثابة مجلس إدارة و لا يوجد تناقض علني حتى اليوم  .

للاسف أصبح التدويل “على الجانبين” حقيقة صارخة و معلنة، لذلك أرى ان مدخل الحل هو بالتوافق الاقليمي و الدولي، و اذكر هنا بأنه لم تتم استشارة أي طرف سوري عندما تمت صياغة بيان جنيف.

هلا تقيّم لنا المشهد السياسي كاملاً بعد انطلاق مفاوضات جنيف ثم تعثرها، من النواحي التالية

– أداء المعارضة (الهيئة العليا للتفاوض)​

  • – أداء ديمستورا والأمم المتحدة

– تصعيد القصف والعنف على الارض من قبل النظام السوري والروس

طالما ان التوافق الاقليمي غائب حول الملف السوري فمسيرة جنيف هي  مسيرة تجميلية لا يريدها الطرفان بل يذهبان إليها رغماً عنهما ارضاءاً لرأي عام دولي ضاغط .

الروسي برأيي يحمل توكيلاً أميركياً “مؤقت” ينتهي مع رحيل الادارة الاميركية الحالية ليجد حلاً ما، بما أنه صدر نفسه كالداعم الاول للسلطة في سورية. اتمنى أن تسعى روسيا لحل سياسي واضح المعالم و غير تجميلي (قابل للحياة)، هذا ما نطلبه من روسيا في كل لقاء بأن تعلن رؤيتها السياسية على الملأ .

أما السيد دي ميستورا فهو وسيط، و أنا شخصياً لا ألومه مباشرة لأنه-كأي مبعوث- يجسد حالة اللاتوازن الدولية القائمة، ربما مشكلته انه يودّ  أن يرضي الجميع ليجلبهم للطاولة، و هذه هي مهمته، لم يقل يوماً بأنه سيحقق اتفاقاً سياسياً فورياً، بل يعمل على إطلاق مسيرة سياسية طويلة ذات مرجعية واضحة، و أنا أقدّر ما يفعله ضمن ما هو متاح له .

نهايةً إلى اين تتجه الأمور برأيك، وما هو أفق حل الأزمة السورية، هل من نور في نهاية النفق، وهل تعتقد ان المجتمع الدولي جاد بحل الأزمة السورية.

نعم هناك نور في نهاية النفق لكن هذا النفق طويل، ولا يمكن إعادة إنتاج النظام السياسي الحالي لآن منظومة الطاعة داخل المجتمع السوري قد انهارت، و نحن بحاجة لعقد اجتماعي- سياسي جديد.

اعتقد أنه رغم المآسي إلا أننا كسوريين أدركنا حقيقة عظيمة لا جدل فيها بأنه ليس لنا سوى بعضنا بعضاً في هذا العالم الذي يتلاطم بنا، و علاقاتنا القادمة ستكون على أسس أصلب و بدون حفلات تنكرية، لا أؤمن بوجود حل عسكري أبداً، بل مجرد انجازات عسكرية هنا و هناك مثل المد و الجذر، هي حرب ارادات دولية، و عندما يتحقق التوافق الاقليمي سينجح الحل التفاوضي.

كما اعتقد بأن المجتمع الدولي جاد في ايجاد حل لكنه أيضاً مشرذم، لذلك نحن اليوم في مأزق تاريخي كبير كسوريين،لكن لا عودة للوراء، سورية التي في خاطرنا قد تغيرت، فإما أن نبني سورية دولة المواطنة و الحقوق و تكون علاقاتنا على اساس الاحترام و الصراحة و الاعتراف ببعضنا  تحت سقف المواطنة،  أو أن نذوب جميعاً في أمكنة مختلفة في هذا العالم.

———————————-

تعريف بالضيف:

  • جهاد جوزيف مقدسي
  • من مواليد مدينة دمشق، ٤١ عاماً  
  • متزوج و أب لولدين

التحصيل العلمي

  • خريج جامعة دمشق- إجازة في الأداب و العلوم الانسانية قسم اللغة الفرنسية .
  • دبلوم ترجمة فورية من جامعة ليون لوميير الثانية
  • دبلوم دراسات عليا بالعلاقات الدولية من المدرسة الوطنية للادارة بفرنسا (المعهد الدولي للادارة العامة)
  • ماجستير بالدبلوماسية و العلاقات الدولية من جامعة ويستمينستر في لندن – الاكاديمية الدبلوماسية
  • دكتوراه من الجامعة الاميركية في لندن بالاعلام ( أطروحة : دور الاعلام في تشكيل الرأي العام ).

العمل السابق:

 دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية بين الأعوام  (١٩٩٨- ٢٠١٢)

العمل الحالي:

  • استاذ جامعي يدرس مادتي الدبلوماسية و الاعلام في جامعة أبو ظبي
  • يدير مكتب استشارات اعلامية خاص في دبي

 ​

مقيم في دولة الامارات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *