الرئيسية / مقالات / الأكراد.. أعداء تركيا في سوريا وأصدقاؤها في العراق

الأكراد.. أعداء تركيا في سوريا وأصدقاؤها في العراق

الأكراد.. أعداء تركيا في سوريا وأصدقاؤها في العراق

  • العرب

شكلت التحولات السياسية والأمنية التي تعيشها دول الشرق الأوسط اليوم منعطفا جديدا لواقع الأكراد في المنطقة على أكثر من صعيد. وأتاحت المتغيرات الميدانية في كل من العراق وسوريا الفرصة لهذا التيار ليبرز كلاعب مركزي على الساحة الملتهبة اليوم، بل ويتحول إلى ما يشبه الورقة الرابحة التي تراهن عليها مختلف القوى الكبرى المنظمة للأحداث. ولكن يبدو أن هذا الواقع الجديد الذي أمسى عليه الأكراد لا يحظى بالرضا والقبول من الجانب التركي الذي طرح سياسة مزدوجة في التعامل مع الملف الكردي، تتراوح بين التعاون والاتفاق بالنسبة إلى إقليم كردستان العراق الذي يتزعمه مسعود البارزاني، فيما تتسم بالصراحة بالنسبة إلى تعاطيها مع أكراد الداخل وأكراد سوريا.

جدد رجب طيب أردوغان الرئيس التركي عزم بلاده على مواصلة ضرباتها ضد المقاتلين الأكراد السوريين، مؤكدا أنه لن يقبل بقيام معقل كردي على الحدود مع سوريا. وحملت تركيا المتمردين الأكراد على أراضيها وأبرز فصيل كردي سوري مسؤولية تفجير السيارة المفخخة الذي استهدف قافلة عسكرية وأوقع 28 قتيلا في أنقرة.

وكان التفجير القوي قد استهدف خمس حافلات تنقل عسكريين أثناء توقفها عند إشارة المرور في وسط العاصمة، مساء الأربعاء الماضي، وهو من أكثر الهجمات دموية في السنوات الماضية ضد جيش تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي. وقتل ستة جنود أتراك على الأقل، الخميس، في هجوم على قافلتهم في جنوب شرق تركيا، نسبته مصادر أمنية إلى المتمردين الأكراد كذلك.

ويقول المتابعون إن هذه الأحداث التي تشهدها تركيا لن تكون المحدد الأول لسياسة البلاد تجاه الأكراد، نظرا للمسار الذي سارت عليه أنقرة منذ فترة في التعاطي مع هذا الملف سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الخارجي لا سيما في سوريا والعراق، والذي ساهمت في بلورته جملة من المعطيات والمتغيرات الإقليمية والدولية التي زجت بالأكراد في واجهة الأحداث.

أكراد سوريا وتركيا

فيما تسعى تركيا إلى إضعاف الأكراد وقتل مشاريعهم السياسية والأمنية الناشئة في الداخل وعلى مشارف حدودها السورية، يدعم النظام السوري وروسيا جهود الأكراد في سوريا وعملياتهم العسكرية، كما لا تخفي واشنطن تعاطفها مع هذا الفصيل وترفض تصنيفه كتيار إرهابي.

انتصر الخيار العسكري في مسلسل الصراع بين الحكومة التركية وأكراد الداخل، عبر العمليات المتواصلة التي تشنها القوات الكردية ضد أهداف تابعة لحزب العمل الكردستاني والحصار المفتوح على جملة من المناطق الكردية الذي بدأ يثير قلق المنظمات الدولية. فضلا عن التضييق السياسي الذي تمارسه السلطات التركية مؤخرا ضد كل من ينتمي إلى الأكراد أو يتعاطف معهم، ظهر حسب تقارير صحافية في إغلاق بعض المواقع الإلكترونية والصحف واعتقال جملة من الأكاديميين والمثقفين ممن وقعوا على عريضة تضامنا مع المدنيين المتضررين بشدة من هذا الصراع. ويصب ذلك في خانة المخاوف من مطالبة الأكراد بتشكيل دولة مستقلة، وإن كان الكثيرون يرون أن السلطات التركية تضخم هذه المخاوف لا سيما منذ الانتخابات الأخيرة، والتي تبعتها سلسلة من الإجراءات الأمنية المشددة الموجهة أساسا ضد أهداف كردية.

وفي سوريا أثار ما حققه المقاتلون الأكراد من تقدم سريع في شمال البلاد مستفيدين من غارات القصف الجوي الروسي للسيطرة على مناطق قرب الحدود التركية، غضب أنقرة التي تشن ضربات ضد أهداف كردية في سوريا منذ انخراطها مع قوات التحالف الدولي ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. وكثفت عملياتها في الآونة الأخيرة صوب المواقع التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي في منطقة حلب للحيلولة دون التقدم إلى محيط أعزاز.

كما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 500 مقاتل سوري معارض عبروا الحدود التركية إلى أعزاز، المدينة السورية الواقعة في شمال محافظة حلب والمهددة بالسقوط في أيدي قوات كردية موالية لنظام الرئيس بشار الأسد، مؤكدا أن عبور المقاتلين جرى بإشراف من السلطات التركية.

ويرى المتابعون أن تركيا ستكثف من حملاتها ضد الأكراد في سوريا لعدة اعتبارات أهمها أن المناطق الكردية في سوريا تقع على الحدود الطويلة مع تركيا والبالغة 900 كيلومتر، وأي متغير قد يطرأ على هذه المجموعة سيلقي بظلاله المباشرة على أكراد الداخل التركي لا سيما وأن الأكراد في البلدين يؤمنون بأنهم مجتمع واحد.

ولهذا تعتبر أنقرة أن أكراد سوريا جزء هام من سياستها الكردية العامة، وتنظر بعين الريبة إلى حزب الوحدة الديمقراطي في سوريا، وتحاول بكل السبل أن تقنع القوى الكبرى بأنه يشكل تهديدا خطيرا لوحدة أراضيها.

هذا إلى جانب يأس الأخيرة من مواقف الولايات المتحدة الأميركية التي خيبت الآمال التركية، عندما امتنعت عن الموافقة على وضع حزب الاتحاد على لائحة الإرهاب. حيث ترى واشنطن في حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب أفضل طرف يمكن أن تعتمد عليه في معركتها مع تنظيم الدولة في سوريا، متغاضية عن التنسيق الجاري بين هذه العناصر والقوات الروسية والداعمة للنظام السوري.

وقد عبر رجب طيب أردوغان عن امتعاضه من الموقف الأميركي مؤخرا قائلا إنه “من الصعب فهم لماذا لا تصف أميركا وحدات حماية الشعب الكردية السورية بالمنظمة الإرهابية”، معتبرا أن “تجاهل الصلة بين الأكراد السوريين وحزب العمال الكردستاني المحظور هو عمل عدائي”. إلا أن هذا التصريح لم يثر حفيظة واشنطن التي سبق أن دعت الطرفين إلى تركيز الاهتمام نحو خطر الدولة الإسلامية، وحثت تركيا على وقف إطلاق نيران المدفعية عبر الحدود، ودعت وحدات حماية الشعب الكردية إلى عدم انتزاع السيطرة على أراض جديدة من جماعات تدعمها تركيا.

أما روسيا التي دخلت في مواجهة مفتوحة مع تركيا بعد إسقاط الأخيرة للطائرة الروسية فقد اتجهت لدعم الأكراد لهدفين، الأول أن موسكو تعي جيدا حجم الحساسية التي يشكلها الأكراد بالنسبة إلى غريمتها، ولهذا اتجهت نحو كسب ود الأكراد في الداخل، عبر استضافة صلاح الدين ديميرطاش زعيم “حزب الشعوب الديمقراطي” التركي في يناير الماضي، والترحيب بفتح مكتب لـلحزب في موسكو، وكثفت التنسيق مع العناصر الكردية في الداخل السوري ودعم عملياته العسكرية المتمركزة على الحدود التركية عبر توفير غطاء جوي. وثانيا تلتقي روسيا مع الأكراد في عدة نقاط وأهمها أنهم لا يعادون نظام بشار الأسد الذي تدعمه موسكو بقوة.

وفي ظل هذا الواقع يبدو أن الأكراد لا سيما السوريين سيكونون الورقة الرابحة في هذه الجولة، في ظل الدعم الكبير الذي تقدمه روسيا لهذه العناصر خاصة في ظل ثبوت نجاعة عملياتها العسكرية التي باتت على وشك سحب البساط من تحت أقدام عناصر داعش في المناطق الحدودية التركية، وسكوت الولايات المتحدة الأميركية وعدم تحريكها ساكنا تجاه ما يحدث على الميدان.

كردستان العراق استثناء

يبدو أن إقليم كردستان العراق خارج حسابات الصراع التركية مع الأكراد، حيث تجمع الطرفان علاقات قوية تجاوزت مستوى الخطاب لتصل إلى الجانب الاقتصادي والتجاري.

وتقول دراسة لمركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية إنه في إطار عملية مقايضة من أجل الحصول على قدر أكبر من حرية التصرف على صعيد شن غارات تركية على المسلحين الأكراد في كردستان العراق، أطلق أردوغان مبادرة تشجيع الاستثمارات التركية في المنطقة الكردية، كما سمح لصادرات قطاع الطاقة الكردية بالتدفق من خلال الأراضي التركية في إطار عملية تصديرها إلى الخارج.

وخلقت هذه العلاقة الجديدة فرص استثمار لشركات البناء والطاقة التركية في شمال العراق. ولكن رغم استفادة الجانبين من العلاقات الوثيقة بينهما، إلا أنها ما تزال هشة. فلدى تركيا مصلحة في تعزيز قوة سلطة أربيل، ولكن فقط إلى أن تصل الحد الذي يمكنها من سحب أربيل من قبضة بغداد وتبعية إيران، ولا تزال أنقرة تشعر بالقلق حيال فكرة قيام دولة كردية مستقلة وذلك بسبب وجــود أقليـة كردية ضمن فئات شعبها.

ويعتمد رئيس إقليم كردستان العراق إلى حد كبير على السكان الأكراد لترسيخ سلطته، ويقوم بفعل ذلك بطريقة مختلفة جدا عن نظيره التركي، وذلك من خلال الدعوة إلى إجراء استفتاء على الاستقلال الكردي. إلا أنه وسط تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في كردستان العراق، فإن بارزاني يواجه خطرا متزايدا على شرعيته كحاكم في المنطقة. ذلك أن بارزاني شغل الرئاسة لأكثر من عقد من الزمان ولكنه الآن لديه تبريرات قانونية أقل لشرعية منصبه. حيث انتخب في عام 2009، إلى أجل كان من المقرر أن ينتهي في عام 2013، إلا أنه حالت المخاوف الأمنية في حكومة إقليم كردستان دون إجراء انتخابات ذلك العام ، مما أدى إلى تمديد ولايته لمدة سنتين التي كان من المفترض لها أن تنتهي في أغسطس، لكن بارزاني رفض من حينها التنحي عن منصبه.

وتعد إشكالية استعداد الرئيس للتخلي عن منصبه واحدة من أكبر العقبات التي تحول دون حل الخلاف السياسي الذي طال أمده في حكومة إقليم كردستان. حيث استجاب كوران لهذه الاستجابة عن طريق حشد أنصاره ضد الحزب الكردستاني الحاكم في أكتوبر 2015 وقد اتخذت المظاهرات منحى عنيفا عندما تم حرق بعض مكاتب الحزب الحاكم، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص. فقام الحزب الحاكم في المقابل بطرد أربعة من وزراء كوران ومُنع متحدث كوران البرلماني من دخول أربيل.

وقد حاول بارزاني معالجة الانشقاق من خلال اقتراح العديد من جولات المحادثات السياسية، ولكن قامت المعارضة، بما في ذلك كوران، بمقاطعة هذه المحادثات باستمرار. كما أدت المشاكل المالية في حكومة إقليم كردستان إلى تفاقم مشاكلها السياسية. فقد أجبر انخفاض أسعار النفط الحكومة على خفض الرواتب بنسبة تصل إلى 75 في المئة، كما تأخر صرف رواتب العديد من الموظفين. أدى ذلك كله إلى ظهور احتجاجات، ليس فقط في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة ولكن أيضا في قواعد الحزب الحاكم السياسية التقليدية التابعة لحكم بارزاني، ويعد الاستفتاء على الاستقلال واحدا من الوسائل القليلة التي تخلى عنها الرئيس لكسب التأييد وتخفيف الانقسامات السياسية، بما في ذلك أربيل كونها المنطقة التي تنمو بشكل متزايد على نحو مخيب للظنون.