الرئيسية / أخبار سوريا / من قصص الموت في سجون الأسد (1)

من قصص الموت في سجون الأسد (1)

من قصص الموت في سجون الأسد (1)من قصص الموت في سجون الأسد (1)

نادر جبلي

قلنا له لا تفعل، لا تشتكي على ذلك السجان، فهو سينتقم، ولن تجد من يحميك، لكنه فعلها، وكان الثمن حياته.
والقصة أنه كان من المفترض، كما أفهمونا عند وصولنا السجن، أن نشرب الماء عندما نخرج لقضاء الحاجة (ثلاث مرات كل يوم)، فبعد المرحاض نذهب إلى المغاسل، ونغسل أيدينا ثم نشرب ونعود إلى مهجعنا بنفس الطريقة الذليلة التي خرجنا بها…
لكن كان يحدث أن لا يسمح لنا بعض السجانين بالغسيل والشرب، فنعود إلى مهجعنا نكابد العطش حتى خروجنا التالي… وباعتبار أن الحرمان من الشرب قد يحدث مرات متتالية، فقد صرنا نتدبر أمرنا ونشرب من الحنفية داخل المرحاض دون معرفة السجان…
أحد السجانين كان يمنعنا دائما من الشرب أثناء مناوبته، وغالبا ما يرفس الباب علينا ونحن داخل المرحاض، كما كان يحرص على إعمال عصاه على رؤوسنا وظهورنا فردا فردا عند مرورنا إلى جانبه… وبعد فترة على هذه الحال، قرر أحد المعتقلين أن يشتكي هذا السجان إلى مسؤول الوردية، باعتباره ابن بلدته أولا، وباعتباره يبدو أقل لؤما وشراسة من الآخرين ثانيا…
حاولنا، أنا وآخرون ثنيه عن الأمر، فقد كانت النتيجة واضحة لنا، وإن كنا لم نتوقع أن يصل الأمر إلى الموت… أوضحنا له أن المساعد، حتى لو تجاوب في مسألة الشرب، فهو لن يحميه من بطش وانتقام سجان على هذا المستوى من الحقارة واللؤم، وقد يكون السجان في موقع أقوى من رئيسه بحكم الطائفة التي ينتمي إليها… ومسألة الشرب بالنتيجة أصبحت محلولة بتلك الطريقة المذلة، وهل باقي الأمور أقل إذلالاً؟؟
بدا لنا أن صاحبنا اقتنع على مضض، لكن حدث أن استدعاه المساعد يوما إلى الطاقة الموجودة بباب المهجع، وربما سأله عن عائلته وأقربائه باعتبارهما من نفس البلد.. فاستأنس الشاب إلى هذه اللحظات النادرة، وقدم شكواه عن السجان، وعاد إلينا مزهوا فخورا بأنه حل لنا مشكلة الشرب.
في اليوم التالي فُتح باب المهجع فجأة وظهر المساعد والسجان بحالة توتر وغضب، وتم استدعاء المشتكي إلى الخارج، وأُغلق الباب، لكننا استطعنا سماع ما دار من حديث، فعلى ما يبدو أن السجان أنكر أنه يمنعنا من الشرب فاضطر المساعد (الغبي حقيقة) إلى مواجهته مع المشتكي، فأكد السجين أقواله رغم زمجرة السجان التي كانت ترعبنا ونحن في الداخل، وتنبؤنا بما ينتظر صاحبنا…
أصبح زميلنا المسكين الشغل الشاغل لذلك السجان، وتسليته الدائمة أثناء مناوبته، وكان يعود إلى المهجع كالذبيحة بعد كل جلسة تعذيب، وبالكاد نستطيع مساعدته على استعادة أنفاسه..
بعد بضعة أيام، استيقظنا صباحا على صياح السجانين لتناول الإفطار كالعادة، لكن صاحبنا لم يستيقظ.. لقد فارق الحياة في وقت ما من الليل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *