الرئيسية / مقالات / من غيّب الضباط المنشقين … وما حقيقة المجلس العسكري الجديد؟؟؟

من غيّب الضباط المنشقين … وما حقيقة المجلس العسكري الجديد؟؟؟

العميد أحمد رحالمن غيّب الضباط المنشقين … وما حقيقة المجلس العسكري الجديد؟؟؟

العميد أحمد رحال

حفلت صفحات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية على كتابات ومنشورات تبحث عن غياب الضباط عن مفاصل الثورة السورية، منهم من كتب بخبث، ومنهم من كتب بقلوب صافية تبحث عن حلول لما آلت إليه الثورة في ظل غيابهم، ومنهم من كتب ليزيد خنجراً جديداً بظهر هؤلاء الذين تركوا كل شيء للالتحاق بالثورة، واعتبروا انشقاقهم عربون اعتذار منهم لشعبهم عن سنوات خدمتهم في صفوف جيش “الأسد” الذي لم يكن سوى مؤسسة ومكان لقبض الراتب، وكأي موظف مدني في مؤسسة مدنية، باعتبار أن الثلاثين عاماً الماضية لم يكن هناك لا حرب ولا صراع داخلي بعد جريمة “حماة” التي ارتكبها نظام “الأسد” الأب.




تشكيل الجيش الحر ودخول الضباط في مفاصل الثورة بدأ مع نهاية عام 2011 وبداية 2012، وأنا من كنت شاهداً على تلك المرحلة (حيث عملت كقائداً للمجلس العسكري بجبهة الساحل)، حيث كانت الانتصارات وكان التوسع بجغرافية الثورة وتحت راية الجيش الحر ولا راية غيرها، وأصبح نظام “الأسد” قاب قوسين أو أدنى من السقوط وبدأ يترنح، وفجأة دخلت علينا الأجندات السياسية مما يسمى “معارضة سورية” وفرضت منع فتح جبهة الساحل وقيدت الإمدادات ومن ثم بدأت تشكل ميليشيات تابعة لها بالداخل. اعترض معظم القادة وقالوا يجب أن يبقى الجيش الحر وحدة وراية متكاملة لكل الفصائل، وأن التموضعات السياسية مع مترافقات عسكرية ستشتت الصفوف وتفرق المجمع وتسمح بتدخلات غير منضبطة بالثورة، لكن إرادة المال السياسي وأصحاب النفوس الضعيفة غلبت المنطق والعقل وكان لهم ما أرادوا، ومعها بدأت تظهر الرايات السوداء وظاهرة أمراء الحرب التي ما لبثت أن أصبحت القوة الأكبر والمسيطرة وبمساندة ودعم من رئاسة الأركان الخاضعة لسيطرة المال السياسي في الائتلاف الوطني.

بدأ مسلسل تصفية الحسابات، وأول من دفع فاتورة تلك التصفيات كان الضباط الذين وٌضعوا أمام أحد الخيارات: إما المبايعة لأمراء الحرب وأمراء الرايات السوداء، أو الخروج خارج الحدود، أو الموت، فقرر معظمهم المغادرة لخارج الحدود على أن يبقى ويكون مطية وخنجراً بيد سماسرة الحروب وتجار الدم، ومن أصر على البقاء دفع حياته كالعميد الشهيد “يحيى زهرة” قائد المجلس العسكري بالقلمون الذي ذبحته الرايات السوداء، والعميد الشهيد “أحمد مشيعل” الذي قتله إبن أحد أمراء الحرب في جبل الزاوية، وبعض الضباط تم اعتقالهم ووضعهم في سجن التوبة في الغوطة الشرقية، وغيرهم كثر ممن دفع حياته ثمناً لمواقفه الرافضة للخروج.

بالطبع أنا لست أقوم هنا بإفراد المادة للدفاع عن الضباط إنما جعلت هذا الكلام مقدمة لحالة أصبحت ضرورية الآن وتتطلب عودة الضباط لمواقعهم بعد الحالة التي آلت إليها الثورة السورية.

أصبح من الواضح للجميع أن إبعاد الضباط وقتل الجيش الحر كان سبباً في تفكيك بنية الثورة، وإعطاء ممن لا يملك لمن لا يستحق، وتولية بعض السذج لمقاليد الثورة (مع تأكيدنا على وجود أناس شرفاء نحترمهم ونقدر ثباتهم على الحق حتى الآن وهؤلاء ليسوا القصد)، ونتج عن تفكيك بنية الثورة المساهمة بضرب البنية التحتية وتدمير المقدرات السورية بعد خلق حالة من الفوضى وضياع البوصلة وتفشي حالات السرقة وضياع الحقوق وانعدام حالة الأمن حتى في المناطق المحررة، وعدنا لأوضاع تفوق قسوة ما كان يعانيه الشعب من قسوة وإجرام شبيحة “الأسد”، وأصبحت الحواجز ومن يتواجد عليها أكثر ممن يتواجدون على جبهات القتال. رغم أني أذكر، والشيء بالشيء يٌذكر، أن كل جبهة الساحل (جبل الأكراد وجبل التركمان والتي تضم أكثر من 120 قرية وبلدة) في فترة الجيش الحر وحتى نهاية عام 2012 لم يكن بها حاجز واحد إلا على جبهات القتال.

إن معظم الزعامات العسكرية والسياسية التي سيطرت على مفاصل الثورة هي شخصيات باحثة عن سلطة وعن مواقع وبعيدة كل البعد عن أهداف وتطلعات الشعب السوري الحر.

تلك الحالة حاولت جر الثورة للتخندق ضمن أجندات لا تتوافق ولا تتماشى مع مطالب الشعب السوري ولا أهدافه ولا الأسباب التي دفعته للخروج بالثورة، وساهمت الأحداث اللاحقة بأدلجة أجزاء كبيرة من الثورة، مما أوجد مبرراً للغرب للقول: نحن لا ندعم ثورة تحوي إرهاباً. رغم أن المجتمع الدولي لم يكن ينتظر سبباً لوقف دعمه للشعب السوري أبداً، وتلك حالة أسهمت وبشكل جلي بإطالة أمد الصراع وبزيادة عمر نظام “الأسد” بعد أن كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد الجيش الحر في نهاية عام 2012، وأصبح من الواضح للجميع أن معظم الزعامات العسكرية والسياسية التي سيطرت على مفاصل الثورة هي شخصيات باحثة عن سلطة وعن مواقع وبعيدة كل البعد عن أهداف وتطلعات الشعب السوري الحر.

لكن من الضرورة بمكان القول أن كل ما حصل في الداخل السوري لم يكن بدفع داخلي ومحلي فقط، بل ساهمت فيه بعض الأجندات الإقليمية والدولية وبشكل قوي لإبراز تلك القوى الجديدة وتعويم تلك الشخصيات السياسية وبعض الأحزاب التي لا تملك رصيداً شعبياً لدى مكونات الشعب السوري، لكن دفع المجتمع الدولي لتلك القوى (السياسية والعسكرية) كانت غايته إظهار طبقة فاسدة لا تختلف كثيراً عن فساد نظام “الأسد” كي لا تكون الفروقات كبيرة.

أصبح من الواضح أن العبث بمسار الثورة تم بأجندات خارجية وبمساندة من بعض الفاسدين بالداخل، وأصبح واضحاً أيضاً أن إبعاد الضباط كان أحد التفاصيل والمراحل المهمة للوصول بالثورة إلى هذا الواقع الذي نعيشه الآن، والدفع نحو فرض حلول مجتزأة لا تحقق ما خرج السوريون من أجله.

إن إبعاد الضباط كان أحد التفاصيل والمراحل المهمة للوصول بالثورة إلى هذا الواقع الذي نعيشه الآن، والدفع نحو فرض حلول مجتزأة لا تحقق ما خرج السوريون من أجله.

ما الحل؟؟

لا نجافي الحقيقة إن قلنا أنه لا يوجد اليوم طبقة ولا جهة ولا فئة ولا أي مكون سياسي أو عسكري أو ثوري قادر على فرض أي من الحلول التي يتحدث عنها المجتمع الدولي أو يتبناها الثوار سواءً كانت تستجيب سلباً أم إيجاباً لأهداف الثورة، وبالتالي نحن أمام حلقة مفرغة يدور داخلها الشعب السوري دون أي أفق أو مخرج يمكن أن يضع حلاً لحالة الموت الذي يزحف على كل مفاصل الحياة السورية، وبالتأكيد تلك الحالة هي الحالة المثالية لنظام “الأسد” وحلفائه من أجل استمرار ديمومة القتل وبقاء حالة اللاحل التي تتوافق مع أجنداتهم.

هذا الواقع يفرض ضرورة البحث عن ضامن جديد يعطي الداخل والخارج الثقة بتطبيق الحلول الإيجابية التي يمكن أن تفرضها الثورة والحلفاء الصادقون للشعب السوري، وهذا الضامن لا يخرج عن عودة الضباط وفرضهم على الداخل بقوة الشعب وبقوة حاجة الشعب للتخلص من هذا الوضع المأساوي الذي عصف بمكونات الثورة، لتشكل حالة عسكرية_ ثورية يمتلكها الضباط وهم خبراء الحرب وخبراء السلم الأهلي الذي يحقق تطلعات وأهداف الثورة، ويشكل عاملا من الثقة بين كل من يبحث عن واقع جديد يخرجنا من هذا النفق المظلم.

الأمر الآخر والأهم، أن غياب الضباط وغياب المجلس العسكري الناظم لعمل المنظومة العسكرية_الثورية سيشكل فجوة في جسم الثورة أمام أي من الحلول القادمة، كون نظام “الأسد” أصبح متغلغلاً في مفاصل الدولة وبشكل عميق ومن خلال العقود السابقة، وبالتالي فإن إبعاد النسق الأول وحتى الثاني من مسؤولي النظام لن يٌغير من الأمر بشيء وسيعود ليظهر علينا أركانه بقناع مختلف ويُعاد السيناريو المصري ومأساة الشعب المصري التي أربكت ثورته وأعادت تكريس النظام السابق.

إن غياب الضباط وغياب المجلس العسكري الناظم لعمل المنظومة العسكرية-الثورية سيشكل فجوة في جسم الثورة أمام أي من الحلول القادمة.

المجتمع الدولي يتحرك الآن في إطار البحث عن حلول لقضية الشعب السوري، وتقزيم الحراك المسلح بالمجموعة العسكرية التي أفرزها اجتماع “الرياض” مؤخراً ليس بالأمر المجدي ولا بالمحقق لإمكانيات السوريين، وخصوصاً أن بعض أركان تلك المجموعة أثبتت الوقائع أنه يتبع لأجندات لا تمت لقضية الشعب السوري بصلة نهائياً، وما حصل في معركة البوكمال (الأخيرة) خير دليل على ما نقصده بهذا الكلام.

الزمن لا يرحم، وطمر الرأس بالتراب كالنعامة لن يجدي نفعاً، ومواجهة الوقائع واستباقها بتحضير ما يلزم هو ما يجب أن يكون احتراماً لدماء السوريين التي أٌريقت على طريق الحرية.

فهل نكون على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا ونستبق الغرب الباحث عن مجلس عسكري يخدم أجنداته؟؟ أم نبقى في إطار ما تقوله السفارات؟؟

الشعب السوري لن يسامح … والتاريخ لن يرحم.