الرئيسية / أخبار سوريا / هل أدركتم الآن لماذا كان طبيب المشفى الميداني المتواضع يبكي حرقةً

هل أدركتم الآن لماذا كان طبيب المشفى الميداني المتواضع يبكي حرقةً

هل أدركتم الآن لماذا كان طبيب المشفى الميداني المتواضع يبكي حرقةًهل أدركتم الآن لماذا كان طبيب المشفى الميداني المتواضع يبكي حرقةً

Samer Aljunedi “فيسبوك”

من عام 1981 لغاية عام 1983 و هي فترة عملي كطبيب مقيم في مشفى الأطفال التابع للهلال الأحمر بحلب استقبلتُ عشرات حالات التسمم بمادة الفوسفور العضوي و التي تستخدم كمبيدات حشرية في الريف الحلبي .. تعالج هذه الحالة بالأتروبين الوريدي .. هي ( كلمة بالفم ) لا يدرك معناها سوى من يمارسها ..فالأتروبين مادة خطرة فإذا كنتَ غير متسمّم و حقنتك نصف أمبولة 1مل منه ستصاب بالخفقان و يصبح وجهك كالشوندرة و تتسع حدقتاك و يجف حلقك ..أما إذا كنتَ متسمّماً بالفوسفور العضوي فقد لا تكفي مئات الأمبولات .

في نهاية عام 1983 كنت مناوباً في المشفى و الساعة الرابعة صباحاً حين استدعيت إلى الطابق الثالث لفحص طفلة متسممة بعمر ال3 سنوات .. بعد تشخيصي للحالة استدعيت ممرضات المشفى جميعهنّ .. فقامت ليلى بتحميم الطفلة و حلق شعرها و سلمى بفتح الوريد و أرسلتُ مرفت لتأتي بال 60 أمبولة أتروبين المتواجدة في غرفة العمليّات بينما كانت دينيز تقوم بسحب المفرزات الغزيرة من الفم والأنف والبلعوم و هايكو بفتح جفني المريضة لمراقبة حدقتيها ..بعد أن جاءت مرفت بالأمبولات أخذت سميرة بفتحها الواحدة بعد الأخرى ليتسنى لمرفت تعبئتها بسيرنغ 10 مل لأقوم أما بدفش الدواء في الوريد وسمّاعتي تراقب قلب الطفلة وعيناي تراقبان حدقتيها .. كان عليَّ أن أستمر بالدفش سيرنغاً وراء الآخر و ببطء شديد إلى أن تبدأ الحدقتان بالتوسّع .. كتبتُ وصفة بال60 أمبولة للأب لجلبها من الصيدليّة المناوبة لتعويض الاستهلاك لأننا لا نستطيع ترك غرفة العمليات بدون أتروبين … بعد ساعة كانت ال60 أمبولة قد أسـتُنفدت فكتبتُ وصفة أخرى ب 60 أمبولة أخرى ليجلبها الأب … وعندما عاد بعد ساعة كنتُ قد استهلكتُ ال60 الثانية فبدأتُ بالثالثة.. ولم تتوسّع حدقتا الطفلة ( اللعينتان ) إلا بعد أن استهلكت ما مجموعه 180 أمبولة .. كانت الساعة قد أصبحت الثامنة صباحاً عندما عاد الوعي إلى الطفلة و بدأت تبكي .. وكانت إحدى أسعد اللحظات في حياتي و حياة الممرّضات المناوبات .

لقد احتجتُ و معي طاقم تمريضي كامل إلى أربع ساعات لإنقاذ طفلة … هل أدركتم الآن لماذا كان طبيب المشفى الميداني المتواضع يبكي حرقةً واختناقاً و هو يشكو من العدد الهائل من المتسممين في ليلة واحدة ؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *