الرئيسية / مقالات / سورية التي يفشل فيها الجميع

سورية التي يفشل فيها الجميع

رستم محمودسورية التي يفشل فيها الجميع

  • الحياة – رستم محمود

خلال أقل من شهرين، فشلت خمسة مشاريع في المسألة السورية، كان كُل واحد منها يبدو كاستراتيجيات مركزية للقائمين عليها، لكنها ما لبثت أن فشلت تماماً أثناء التنفيذ.

فشل النظام السوري، ومعه كل القوى العسكرية واللوجستية لحلفائه الدوليين والإقليميين، ومعهم عشرات الميليشيات الطائفية المُتمرسة على الحروب في حسم معركة حلب. هذه المعركة التي كان النظام وحُلفاؤه يوحون بأنها جوهر استراتيجيتهم العسكرية منذ بدء الحملة الروسية المُساندة لهذه القوى قبل أكثر من عام. فبعد أقل من أسبوع من تمكنهم من فرض الحصار، وحيث بذلوا قُرابة ألف ضحية في سبيل ذلك، تمكّن مُقاتلو المُعارضة من إعادة فك الحصار عبر معركة واحدة قادوها من أقصى جنوب محافظة إدلب وحتى الأحياء الشرقية من مدينة حلب.

لكن القوى المعارضة لم تستطع أن تصمد أكثر من أسبوعين، فعادت وخسرت المواقع الاستراتيجية للكليات العسكرية الاستراتيجية التي كسبتها في جنوب شرق المدينة، وتحولت معركتها الاستراتيجية إلى مُجرد حرب استنزاف بينها وبين قوات النظام والميليشيات الحليفة له. ولم يكن ذلك الفشل إلا واحداً من سلسلة أشكال فشل المعارضة السورية المُتتالية خلال الشهرين الأخيرين. فهذه المُعارضة لم تستطع أن تتوصل إلى صيغة ما مع تنظيم «جبهة النصرة» (سابقاً)، خلا إقناعه بتغيير اسمه الظاهر، وتكرّس الفشل في خلق مظلة قبولٍ دولية بهذا التنظيم الأكثر فاعلية في مواجهة نظام الأسد. الأمر نفسه كان ينطبق على الجبهة السياسية للمُعارضة، من امتناع البعض عن مُتابعة تمثيله في وفود واجتماعات الهيئة العُليا للمفاوضات، إلى استقالة كبيري المفاوضين محمد علوش والعقيد أسعد الزعبي، ومن ثُم تقديم مشروعٍ ورؤية غير مُتفق عليهما من الكثير من الحساسيات السورية – الأكراد والسريان بالذات- في لقاءات لندن لمجموعة حلفاء الشعب السوري. حدث هذا بالإضافة إلى أشكال الفشل الأخرى، كعدم إيجاد صيغ متوافق عليها لإدارة المناطق المُحررة من سُلطة النظام السوري واستمرار المعارك الصغيرة فيها، في إدلب وحوران والغوطة الشرقية، وليس انتهاء بكل أشكال التفتت والتنابذ التي تلف جميع التشكيلات السياسية التي تدعي تمثيلها الطيف المعارض سياسياً.

قوات سورية الديموقراطية وتيار حزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي لم تحقق شيئاً مما كانت تأمل بأن يتحول «انتصار»ها في معركة منبج فُرصة لأن تُهاجم «داعش» في مدينة جرابلس الحدودية وريفها الجنوبي، مستفيدة من أن قوات التنظيم مُحاصرة هُناك، وتحت وطأة الضغط النفسي للهزيمة التي ستلحق بهم في منبج. وهو ما سيشكل إحراجاً مُضاعفاً لتُركيا، لأنها سوف تُقلّل المسافة الفاصلة بين إقليمي «الجزيرة» و «عفرين» الكُرديين، المُسيطر عليهما من قوات سورية الديموقراطية من قبل، وتفصل بينهما فقط المسافة الفاصلة بين مدينتي جرابلس وإعزاز الحدوديتين مع تُركيا. وفي حال حصل ذلك، فإن قوات سورية الديموقراطية ستكون قد سيطرت على كامل الشمال السوري.

لم يحدث شيء من ذلك، ودخلت تُركيا على الخط مُباشرة، وحالت دون تحقيق هذه الاستراتيجية، بل جاء الطلب الأميركي الذي أجبر هذه القوات على أن تنسحب إلى شرق نهر الفُرات، وأن تذهب أرواح مئات الضحايا في معركة منبج دون أي طائل. فوق ذلك، فإن هذا التيار السياسي فشل في نيل الاعتـــراف به كطرف سياسي، وليس فقط مُجـــرد قوة عسكرية مُحاربة للإرهاب، وبالتــالي الشراكة في المفاوضات الســـورية المُستقبلية، وأن يكون أحد الأطراف الضامنة لمرور الحل السياسي المُستقبلي. بل تأسست الخطوط الحمر التُركية تجاه هذا الحزب في شــكلٍ عسكري موضوعي على الأرض. وهـــو ما دفع قوى المعارضة السورية للمـــــزيد من عدم القبول بحزب الاتحاد الديموقراطي الكُردي، واعتباره جزءاً مــــن النظام السوري، وأن العلاقة بينه وبـــين النظام السوري إنما هي فقط لمواجهة المعارضة السورية.

لكن، ما فاق كل أشكال الفشل تلك، هو فشل المهمة والاستراتيجية العسكرية – الأمنية التُركية في الأراضي السورية مُنذ بدايتها. فبعد خمس سنوات من التحذير من تدخُّلها العسكري المُباشر، أتت الحملة التُركية فــــي شكلٍ باهت للغاية، فهي لم تحد من شـــكل العلاقة الأميركية – الكُردية إلا فـــي شكلٍ نسبي للغاية، ولم تستطع أن تُقـــنع روسيا أو الولايات المُتحدة بضــرورة مُحاربة هذا التنظيم الكُـــردي وتحويله إلى لائحة التنظيمات المُتطرفة التي يجب مُحاربتها. كما أن القـــوى التي تدخلت تُركيا لتؤازرها لم تظهر كقوى مُغرية ومُختلفـــة تماماً عن غيرها من تنظيمات المُعارضة السورية التي يحذر «العالم» في التــعاون معها؛ فبعد أقل من ساعات من إرسال الولايات المُتحدة وحدة عسكرية صغيرة لمؤازرة هذه القوات التُركية، اعترضت القوى السورية المعـــارضة الحليفة لتُركيا على هذا الفعل، وهددت بالانسحاب من المعارك لو استمر التعاون التُركي- الأميركي.

كل التجارب الفاشلة تلك، والتي لم يحقق أي منها أي تحول استراتيجي على مُستوى العمليات والتوازنات الفعلية على الأرض، أدت إلى أن تفشل كل التوافقات الأميركية الروسية، وأن تغدو استراتيجيات هذه القوى مُجرد مداخل ذات تأثير بالغ النسبية، وأن تعني بأنها آليات فاشلة موازية ومُطابقة لكل آليات باقي الفاعلين السوريين.

لم ينتج تركيب الفشل السوري هذا من غياب الاستراتيجية الأميركية فحسب، حيث بعد أكثر من خمس سنوات ونصف السنة من اندلاع هذه «الأزمة الاستراتيجية» فإن رئيس جهاز الاستخبارات الأميركية صرح بأن مؤسسته لا تملك أي رؤية وتصور لما يُمكن أن تؤول إليه الأحوال في سورية في الراهن المنظور. لكن هذا التموضع نتج بالإضافة إلى ذلك من مدى عُمق و«عفونة» المسألة السورية، التي هي بالمُحصلة نتيجة لما كان يجرى في سورية لقُرابة نصف قرن، الشيء الذي كان مُتاحاً لأن سورية كيان وتشكيل سياسي بالغ التركيب مُنذ نشأته. وفوق كل ذلك، لأن هذا التموضع السوري هو النتيجة الأفضل لوصول كل أشكال التوازنات الإقليمية في المنطقة إلى مآلها الأخير، فكل الحساسيات باتت تفتقد أية طاقة لأن تزيح إحداها الأخرى أو أن تتعايش مع بعضها البعض، وهذه هي التراجيديا التي يدفع السوريون ثمنها أكثر من كل الآخرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *