الرئيسية / ثقافة وفن / مبتسماً في وجه الحرب

مبتسماً في وجه الحرب

وافي بيرممبتسماً في وجه الحرب

  • وافي بيرم

لبس وجهه المبتسم أمام المرآة، عدل من وضعية شفتيه لتكون الابتسامة أكثر جاذبية، ثم وضع عطراً خفيفاً وتأكد من لمعان حذاءه وأشعل سيجارته وخرج من باب منزله.

التقى بجاره في الحي، أيضاً كان مبتسماً وتفوح منه رائحة صابون ونظافة، سلم عليه بحرارة، وتحدثوا أحاديث فارغة لا معنى لها، وأكمل طريقه إلى المقهى.

كان المقهى ممتلئاً على غير العادة، الجميع يتحادثون أحاديث جانبية فارغة، لا نقاشات ولا جدالات ولا صراخ، أغلب الأحاديث كانت حول حلم في الليلة الماضية أصاب الجميع وكأنه لعنة.

كان راديو المقهى يصدح بأغنية لأم كلثوم على غير عادته، ففي أغلب الأحيان يكون المقهى شبه فارغ، وإن التقى اثنان على طاولة واحدة سيكون حديثهما عن الحرب فقط، وصراخهما يطغى على نشرات الأخبار التي تنقل أخبار الموت لا غير.

السماء اليوم كانت خفيفة الغبار كزجاج مسحه عامل نظافة بعناية شديدة، الشيء الوحيد الذي تبقى هو القصف وأصوات الرصاص وأعمدة الدخان التي تعكر المشهد، ولكن الحالة المختلفة أن لا أحد يتكلم عن الحرب، يتجاهلونها كزوجة تتجاهل زوجها الخائن، لا أحد يتكلم عن انتصار أو حصار أو قصف أو شهداء أو أموات أو فعس أو دعس أو ذبح أو اعتقال.

طلب فنجان قهوة وارتشفها بلذة جديدة، كان طعم القهوة يحمله فوق كل بشاعة الحرب، حتى جلس بجانبه أحد الجنود، أسند سلاحه إلى الطاولة، وسأله: ألا تريد أن تقدم لي شيئاً؟ …

بالتأكيد أجابه وطلب له فنجان قهوة، فسأجله الجندي مرة أخرى مستدرجاً إياه للحديث عن الحرب والقصف في الحي الخلفي، فأجابه بابتسامة، نعم أنا اليوم سعيد لا أعرف لماذا، ماذا سنأكل اليوم على الغداء؟ أعتقد أن وجبة من الطماطم وزيت الزيتون وبصل أخضر وقليل من الملح ستكون ألذ وجبة نأكلها.

اغتاظ الجندي وضرب بقبضته على الطاولة وصرخ في وجهه، أكلمك عن الحرب وترد علي عن غدائك؟؟ ألا تشعر بالعار من نفسك؟؟ توجهت كل العيون باتجاه الجندي مستغربة غضبه ومبتسمين في نفس الوقت، أحس بأنه غريب بين هؤلاء المجانين فتركهم وخرج.

ضجت الأخبار المتناقلة بين الجنود وقاداتهم عما يحدث، حتى أخبار التلفاز لم تعد تبثّ أي خبر عن الحرب، رجال المخابرات والطاغية دخلوا بسرعة شبكة الانترنت وبدأوا بنشر بعض الأخبار والفيديوهات المحرضة والتي تشعل الصدور غضباً، وانتظروا كثيراً إلا أنه لم يحصلوا على إعجاب واحد، ثم دخلوا من حساباتهم الوهمية وعلقوا تعليقات تحض الآخرين وتشجعهم للدخول والشتم وتفريغ الغضب، إلا أنها بقيت تعليقات وحيدة ولم يهتم بها أحد.

أحد القادة الكبار أمر بقطع بعض الرؤوس وبثها على الهواء مباشرة، وفعلاً تم الأمر ولكنها ذهبت أدراج الهواء وبقيت فيديوهات هائمة في الفراغ الاكتروني لا غير.

زادت حملات القصف والاعتقال، اعتقلوا كل من يلبس على وجهه ابتسامة، ولكن عند مننتصف النهار أفرجوا عنهم فالسجون لم تعد تستوعب العدد، الجميع يخرج بابتسامة أنيقة ويتجاهل أي كلمة عن الحرب.

جميع القنوات التلفزيونية والاإخبارية لم تعلن عن أي حركة من مجريات المعارك، كل ما هنالك أغان كلاسيكية، وبعض أخبار الفنانين، وطرق جديدة لصنع المجدرة!

في صباح اليوم الثاني كان جميع القادة مجتمعين في المقهى مع أعدائهم، يجلسون وكل يده تحت خده يعلو وجوههم الكرب والاكتئاب، يستمعون لأغنية من أغان فيروز الصباحية، عندما مرّ من أمامهم بابتسامته السابقة ورائحة عطره الخفيفة، وسألهم مستهزئاً بدون أن يجلس: ما أخبار الحرب؟

هجم عليه أحدهم وقطع رأسه، تدحرج الرأس وهو يقهقه، وضع الجميع أيديهم على آذانهم، من أثر صوت القهقهة المزعج.

حتى اليوم ما زال صوت الرصاص يختلط بضحكات مزعجة .