الرئيسية / مقالات / ثورة عادلة ومعارضة فاشلة

ثورة عادلة ومعارضة فاشلة

ثورة عادلة ومعارضة فاشلةثورة عادلة ومعارضة فاشلة

الاتحاد برس – زاكروس عثمان

بدأ العديد من الكتاب وبعض السياسيين السوريين ينظرون إلى الثورة السورية نظرة عقلانية او أقلها نظرة واقعية، واخذوا يقيسون الامور بموضوعية اكثر بعيدا عن النوازع الذاتية.

ويمكن تسمية التوجه الجديد ب” نقد الثورة ” و الأصح نقد المعارضة ، فقد احجم الكثيرون تعاطفا مع الثورة في السنوات الماضية عن نقد الحراك السلمي، والفصائل المسلحة، ومختلف إطر المعارضة.

وكان ذلك خداعا للذات وقلة امانة حيال الشعب السوري، الى أن كشفت معركة حلب الغطاء دفعة واحدة عن مقدار ما تعرض له الشعب السوري من زيف وخداع، ليس على يد الأجنبي فحسب بل كذلك من لدن سوريين ادعوا انهم روح الثورة.

لقد شاهد كل ذي ضميري حي من السوريين الجزء الخفي من جبل الجليد في الأحياء الشرقية من حلب، فقرروا العودة الى جادة الصواب ونطق الحقيقة، وتسمية الأشياء بأسمائها.

ومن اوائل هذه التسميات الاعتراف بما جرى في حلب بأنه هزيمة قاضية للمعارضة المسلحة والسياسية.

وفي هذا الصدد قدمت الكاتبة الكوردية السورية فدوى درويش قراءة نقدية ، تقف فيها على الأسباب التي قادت إلى فشل الثورة.

فذكرت أنه” هزمت الثورة منذ أعلنت المعارضة السورية المسلحة التوجه إلى المدن بهدف تحريرها من النظام وتمركزت في الأحياء السكنية بين المدنيين مستثنية مركز تواجد النظام في دمشق” فقد راهنت المعارضة على وعود دولية وعلى جهات لم تقدم غير أسلحة خفيفة، و سرعان ما تراجعت عن مواقفها، مقدمة مصالح دولها على دماء السوريين، وسقطت مراهنات الجهلة بالسياسة والعسكرة و تجار القضية ممن لا زالوا يبيعون الأوهام دون حياء، ويقبضون ثمن دماء السوريين.

وسألت الكاتبة”لماذا يصعب علينا أن نواجه الحقيقة المرّة ونعترف بأن الثورة هزمت حين سلّمها السوريون للفصائل الإسلامية وحين صارت جبهة النصرة حامل لواء الثورة وجعلت المدن قواعد عسكرية ولم يعد إسقاط النظام هو هدفها بقدر السعي إلى السيطرة على قرية أو بلدة أو مدينة أو حتى مزرعة ومن ثم إقامة أشكال من السلطة مستوردة من فكر الداعمين لها، سلطة لا تشبه أحلام السوريين بشيء”.

حيث أقامت المعارضة في مناطق سيطرتها سلطات ديكتاتورية أسوأ من تلك التي تمردت عليها، لا مكان فيها ” للحرية” الموعودة، بل هي أقرب لمناطق منكوبة يحاصرها الفقر والمرض والجهل وضياع أجيال، محاصرة بكل ما للكلمة من معنى، رهينة لأهواء كتائب إسلامية متناحرة. تحرر وتنسحب بأوامر (السبونسر) الذي يرعاها. بهتاناً، سميت مناطق محررة. سكان هذه المناطق أناس لا حول لهم ولا قوة تعايشوا مع الموت والدمار الذي لا يتوانى النظام بإرساله عبر براميل مغلفة بأحقاد تكفي لانهاء الأخضر واليابس.

وتحولت البلاد إلى خراب بين محرر ومحتل، بين تطهير وسقوط ، مصطلحات مضللة يهلل لها مؤيدو كلا الطرفين في غفلة من عقلهم وتغيّب حسهم الإنساني بأن بين التحرير والسقوط يهلك وطن، يباد شعب، وتفرغ البلاد إلا من ركام وحجارة، يشرّد السوريون في مخيمات لا كرامة لهم فيها، يذلّون على حدود الدول. تتحول صور ذلّهم إلى مادة لتجار السياسة والحروب، يتحول موتهم إلى مادة لمنظمات حقوق الانسان (عدادات الموت).

هل عاشت المعارضة وهمَ السيطرة على مدينة كحلب ولم تتوقع كل هذا الرد المدمر من طيران النظام؟ وهل فكرت المعارضة بأولئك المحاصرين في الأحياء الشرقية وأي مصير ينتظرهم ، الآلاف وبعد أربع سنوات من الحصار فروا من بيوتهم إلى مناطق النظام كالمستجير من الرمضاء بالنار.

وتكتب درويش: ولى عهد الرومانسيات الثورية، فإرادة الشعوب ما عساها أن تفعل أمام هذا التحالف الغريب لكل قوى الخير والشر لتدميرها”.

وتطرح الكاتبة اشكالية وتقول” السؤال المطروح هو من يمثل إرادة السوريين؟ من يمثل صوت الثورة التي كبرت في ضمائر الأحرار قبل أن يعلنوا عن أول صرخة حرية في وجه الاستبداد”.

فأي فصيل سياسي او عسكري يحرس أحلام السوريين ؟ يقال ان عمر الثورات طويل، أما بالنسبة للسوريين فأن الوقت كفيل فقط بإنهاء ما تبقى من الحجر والبشر. في ظل المتغيرات الدولية والتحولات السياسية لمواقف معظم الدول “الصديقة”.

لقد نال السوريون ما نالوا خلال الأعوام الستة من دعم من سمّوا أنفسهم أصدقاء سوريا. فما عساهم أن ينالوا بعد أن تملّص الجميع من التزاماتهم الأخلاقية، لابل صادق معظمهم النظام متذرعين أن الأولوية لمحاربة الإرهاب! يا لتعاسة السوريين على هكذا أصدقاء. ويا لخيبة السوريين بهكذا معارضة لم تستطع حتى الاحتفاظ بأصدقاء الأمس. فأي انتصار هذا الذي يدفع ثمنه الفقراء ممن صمد في أحياء وبيوت لا تشبه البيوت من جراء القذائف والرصاص الذي ينهال عليها كل يوم.

المعارضة تدرك تماماً أن هذه الانتصارات الآنية لن تنهي النظام ولو استمرت الحرب لمئة عام مادامت روسيا وإيران دخلتا الحرب بما تملكان من أسلحة فتاكة. ولعل توقيع اتفاق الهدنة لوقف إطلاق النار الشامل على جميع الآراضي السورية ، كان أفضل ما قامت به المعارضة حقناً لمزيد من الدم السوري. سيكون المستفيد الأكبر من هذه الهدنة هم أولئك السوريون القابعون تحت رحمة النار والدمار.

مهما يكن، الانتصارات العسكرية ليست سوى هزائم إن لم تستثمر سياسياً وبالاتجاه الصحيح. فالمحامي الفاشل يخسر قضية عادلة. ولا شك أن قضية السوريين هي قضية عادلة.




telead

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *