الرئيسية / مقالات / وقف النار في سوريا… ومصير «جفش»

وقف النار في سوريا… ومصير «جفش»

وقف النار في سوريا… ومصير «جفش»

  • الاتحاد – عبد الوهاب بدرخان

يبدو أن اتفاق روسيا وتركيا والفصائل المقاتلة السورية على وقف إطلاق النار، وإنْ استثنى «جبهة فتح الشام» («النصرة» سابقاً) باعتبارها مصنفة إرهابية دولياً، فتح أيضاً أمام هذه الجبهة فرصة أن تبرهن فعلاً وليس فقط قولاً على فكّ ارتباطها كليّاً بتنظيم «القاعدة». ولا يعني ذلك مهادنتها، فاستهداف عناصرها في محافظة أدلب، معقلها الأخير في شمالي سوريا، مستمرّ بوتيرة يومية سواء بعمليات أميركية أو أخيراً بغارات مركّزة بدأ الروس ينفّذونها بإسناد استخباري لم يكونوا يملكونه سابقاً. ومن الواضح أن الهزيمة والانسحاب من حلب وضعا فصائل المعارضة «المعتدلة» ورفاقها في القتال من «فتح الشام» أمام حتمية القبول بالواقع الجديد، إذ خسرت أهمّ الجبهات في القتال ضد النظام وأصبحت في مواجهة مباشرة مع روسيا لا تقوى على تحمّلها.

لا شك أن المحكّ المطروح على «جبهة فتح الشام» (جفش) صعب وغير مسبوق في تجارب «القاعدة»، بل يتطلّب الكثير من التنازلات التي تنهي تمايز «جفش» وتضعف قدرتها على الاستقطاب وتؤدي إلى تراجع قتاليتها، والأهم في هذه التنازلات الاستغناء سريعاً عن المقاتلين الأجانب الذين لم يكونوا كثراً في الأصل. ومع أن «النصرة» تأسست عام 2012 معتمدة على مقاتلين سوريين انضمّوا إليها بدافع ظروفهم المحلّية وليس إعجاباً بـ«القاعدة» وفكرها وزعيمها، إلّا أن مبايعة زعيمها «أبو محمد الجولاني» علناً لزعيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، ووجود الأجانب في صفوفها، حسم ولاءها «القاعدي» وهويتها الإرهابية، رغم أن نشاطها الرئيسي انحصر في محاربة النظام السوري وظلّ بعيداً عن سلوك التنظيم الأمّ وجهاديته العالمية الموجّهة ضد الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً.

وإذا كان المنحى الإرهابي ظهر في بعض الوقائع، مثل خطف جنود لبنانيين في المنطقة الحدودية وقتل عدد منهم والمساومة على إطلاق سراح الآخرين، أو خطف راهبات دير معلولا لمقايضتهن بالإفراج عن سجناء لدى النظام، أو قتل عشرين شخصاً من دروز بلدة قلب لوزة في ريف ادلب بحجّة الاشتباه بوجود عملاء للنظام في البلدة.. إلا أن سياق الصراع في سوريا تضمّن مجازر موثّقة وعمليات اعتقال وخطف جماعية قامت بها قوات تابعة للنظام، غلّبت منطق الحرب وخلطت الأوراق. فكما أن مقاتلي الميليشيات الشيعية تداخلت مع قوات النظام في عمليات مشتركة، كذلك راحت مواقع «الجيش الحرّ» والفصائل الإسلامية تتداخل مع مواقع «النصرة». وقد شكّل وجود أجانب من بلدان القوقاز تعتبرهم موسكو مصدر خطر إرهابي في حديقتها الخلفية، أحد دوافع روسيا المعلنة للتدخّل في سوريا، ورغم أن هذا التدخّل ركّز خصوصاً على إنقاذ النظام السوري وغيّر المعادلة الميدانية جذرياً، فإن القضاء على أجانب «جفش» لم يغب أبداً عن أهداف موسكو. ومع أن الجانبين الأميركي والروسي اختلفا طويلاً حول التمييز بين المعتدلين والمتشدّدين في فصائل المعارضة، فإنهما اتفقا باكراً على ضرورة التخلّص من «النصرة -جفش» أياً تكن مآلات الصراع في سوريا.

لكن الحدث الأبرز الذي حشر «جفش» في الزاوية كان الاتفاق على وقف إطلاق النار وموافقة الفصائل على مفاوضات مع النظام في استانا، فالاتفاق استثناها وهي رفضته. لكن رفضها لا يعني أنها قادرة وحدها على فتح جبهة جديدة لمواصلة القتال، ثم إن تعريضها ادلب لمصير حلب يعني أنها عازمة على القضاء كليّاً على المعارضة. لا يعني ذلك فقط انكشاف حقيقة «جفش» واستراتيجيتها «القاعدية» القائمة على رفض وقف القتال وعدم التفاوض، بل يعني ما هو أخطر، أي أن تستدرج قتالاً داخلياً في ادلب وحيثما توجد مواقع لها إلى جانب الفصائل الأخرى.

لذلك تبدي «جبهة فتح الشام» حالياً نوعاً من التكيّف مع الوقائع دون أن تكون قد حدّدت خيارها النهائي. إذ تُظهر على مضض تفهماً لتوجّهات الفصائل، وتجد صعوبة في السكوت على استهدافها دون أن تتمكّن من الرد. ولعل شعور الظواهري بأن «جفش» بصدد الإفلات من «القاعدة» للانخراط في المشهد السياسي في سوريا، هو ما دفعه إلى بثّ رسالته الصوتية التي يقترح فيها «حواراً مع أهل الجهاد حول أصحّ المناهج وأرشد الأساليب لنصرة الدين»، ما أطلق في المقابل حملة تأثيم وشماتة شنّها «داعش» ضد زعيم «القاعدة» الذي سبق أن ساند «الجولاني» في تمرّده على «البغدادي». قد يكون الظواهري و«الجولاني» بصدد البحث عن إبقاء «جفش» بأي صيغة متاحة ليكون لها دور وكلمة في مراحل لاحقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *