الرئيسية / مقالات / من أكاذيب الإسلامية السياسية.. “أردوغان إسلامي، وبشار علماني”

من أكاذيب الإسلامية السياسية.. “أردوغان إسلامي، وبشار علماني”

علاء الدين الخطيبمن أكاذيب الإسلامية السياسية

“أردوغان إسلامي، وبشار علماني”

الاتحاد برس – علاء الدين الخطيب

اعتادت الإسلامية السياسية بالقرن العشرين، مثل القومية العربية السياسية، على استغلال مشاعر الشارع الدينية والقومية والوطنية، ورفع الشعارات الطنانة الحماسية التي ما زالت تكذب على الناس وتقول: سيأتي يوم لو يبلغ الفطام لنا صبي ستخر له الجبابر ساجدينا. تقولها الإسلامية السياسية مثل القومية العربية السياسية، تصدقها وتجعل الناس يصدقونها، وتبرر سين الاستقبال في أفعال تلك المقولة بحكايات المؤامرات الكونية، فلا أحد يخرّ حاليا ساجدا لهذه الشعوب بكل أمراء جهادها وشيوخهم، تسننوا أم تشيّعوا، ولا لقادات ممانعاتها المناضلين.   

من أكاذيب الإسلامية السياسية، ويشاركها بها العديدون من تيارات ليبرالية وعلمانية، هي المتناقضة التالية: “أردوغان إسلامي، وبشار علماني”، بمعنى أن النظام التركي نظام إسلامي مع أردوغان، والنظام السوري نظام علماني مع بشار؛ وهي رغم وضوح تناقضها يصدقها الملايين بسبب ما تمتلكه المؤسسة الإسلامية السياسية من دعم مالي وإعلامي هائل. 

تناقض هذه الكذبة بيّن واضح، لكن القدرة العجيبة للإعلام والعواطف الدينية على تجميد عقل الجماهير، قدرة مذهلة حقا. فلننظر كيف أن هذه المقولة واضحة البطلان: 

قال أردوغان بحرِّ لسانه في مصر في العام 2011 أن تركيا دولة علمانية، ودافع عن العلمانية ودعا المصريين لتبنيها. وفي 2016 في 26 نيسان/أبريل رفض أردوغان نفسه دعوة رئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان لتعديل الدستور التركي لإلغاء الإشارة إلى العلمانية. 

إذا الدستور التركي يقرّ أن تركيا دولة علمانية، وأردوغان يفتخر ويقول إنه مقتنع بعلمانية دولته، ويرفض تعديل دستورها ضمن هذا السياق، ويؤكد أن الدولة تقف على نفس المسافة من كل الأديان؛ فلا الدستور ولا القانون يشير مجرد إشارة لدين الرئيس او المسؤولين الكبار في الدولة التركية. 

عدا عن ذلك، لا يوجد في تركيا قانون أحوال شخصية إسلامي أو حتى يستند للشريعة الإسلامية، هذا لا يعني أن القانون يناقض الإسلام، لكنه مثلا لا يسمح بتعدد الزوجات، ولا تقبل الدولة تسجيل سوى الزواج المدني، للناس حرية أن يتزوجوا دينيا، لكن الدولة ستسجلهم وفق عقد زواج مدني فقط. 

والقانون التركي تم تنظيفه من بقايا القوانين العثمانية منذ عشرينات القرن الماضي، فلا وجود لمراسيم سلطانية في القانون التركي. هذا عدا عن أن نظام الدولة الإداري والاقتصادي هو نظام رأسمالي ليبرالي غربي بشكل كامل، ولا وجود لما يسمى اقتصاد إسلامي في الدولة، اللهم إلا بعض البنوك التي تسمى إسلامية. 

أما بشار الأسد وأبيه ونظامهما، فأول ما نراه أن دستوريهما يقولان: إن الفقه الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريع في الدولة، وأن دين رئيس الدولة يجب أن يكون الإسلام. كما أن قوانين الأحوال الشخصية تتبع الديانة وأحيانا الطائفة، فقوانين الزواج والطلاق ومتعلقاتهما تتبع الدين في القانون السوري. والقانون السوري يعطي الأشرفية أو المكانة الأعلى للدين الإسلامي، فمثلا يستطيع غير المسلم أن يعدّل دينه لدى الدولة ويحوله إلى الإسلام، أما المسلم فممنوع من ذلك. صحيح لا يوجد عقوبة مباشرة، لكن أيضا لا يوجد ما يسمح له بالتغيير رسميا؛ طبعا لا يوجد زواج مدني في سورية، والزواج المتعدد مسموح. 

بل حتى أن القانون السوري قد انتهك سن الزواج، ومنح من خلاله الأديان، وبالأصح طبقة رجال الدين، ميزات تنتهك حقوق الطفل وجوهر الأديان، فنقلا عن مقال للأستاذ ميشيل شماس: ” فعلى الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية العام في سوريا  قد اشترط أساساً في أهلية الزواج العقل والبلوغ (المادة 15)،  وحدد في المادة 16منه أهلية الزواج للفتى بتمام الثامنة عشرة، وللفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر، إلا أنه  عاد ووضع استثناء خطيراً في المادة 18 منه  حيث أجازت تلك المادة  للقاضي  تزويج الفتى في الخامسة عشرة والفتاة في الثالثة عشرة من عمريهما إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما : ((أنه إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكمال الخامسة عشر أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشر وطلبا الزواج بإذن القاضي، إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما).” ونفس الاستثناء يتكرر للطوائف المسيحية وكل على حدة. 

طبعا يمكن للمسلم أن يتزوج حسب القانوني السوري أي امرأة “كتابية”، فإن كانت غير “كتابية” اشترط عليها الإسلام. أما المسلمة فلا حق لها سوى بالزواج من مسلم؛ وبحال تغيير الدين الإسلامي فلا زواج يقبل في الدولة، والزواج المعقود قبل تغيير الدين يصبح باطلا. 

وقد لا يعرف البعض أن العديد من قوانين الاحتلال العثماني ما زالت سارية في القانون السوري، منها المادة /129/ من كتاب الأحكام الشرعية لقدري باشا، الذي يعود لبداية القرن الماضي، وهذا ما طبقته المحكمة الشرعية الرابعة بدمشق، القرار رقم 1379 عام 2007، في قضية خلاف حول دين الأولاد: “يحكم بإسلام الأطفال تبعاً لإسلام والديهم أي يحكم على الولد بالتبعية لأشرف الوالدين ديناً”. 

من ناحية ثانية، متى أفرد التلفزيون أو الإذاعة السورية الرسمية منذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970 ووصوله للحكم، ساعة من برامجهم لنشر مفاهيم العلمانية أو الديمقراطية؟ وهل حاول خلال 40 سنة مضت، أو على الأقل منذ التسعينات ومنذ تنامي المد الإسلامي الأصولي في المنطقة وظهور القاعدة وغيرها، هل حاول نقد أو نفي ادعاءات الإسلامية السياسية حول الدولة الإسلامية؟ بالواقع لم يفعل، لم يحاول أبدا نشر ثقافة العلمانية والديمقراطية بل منعها، ولم يحاول أبدا الدخول في أي نقد ومواجهة فكرية مع الإسلامية السياسية. طبعا ما مارسه مع الإخوان بعد تمردهم المسلح في الثمانينات، كان حربا دعائية ضد أحد أهم مؤسسي الإسلامية السياسية، لكن من باب المزايدة حول الوطنية والخيانة، الشرف والعمالة، وما إلى ذلك من قاموس الحكم الأسدي، وليس من باب نقض فكرهم السياسي. 

بل حتى بعد العام 2011 ورغم أنه النظام الأسدي رفع حجة مقارعة الإسلامية السياسية، لم يتوجه أبدا لنقاش فكري ناقد ضد الإيدلوجية الإسلامية السياسية، بل اكتفى بالتخويف من نماذج داعش المرعبة بذقونهم وخناجرهم وظلاميتهم، لكنه لم يحاول حتى طرح موضوع العلمانية والإسلامية السياسية إعلاميا، على الأقل ليتسق مع ما يعلنه للإعلام والسياسيين الغربيين.  

متى قال أحد الطاغيتين حافظ أو بشار الأسد بخطاب مع السوريين أن سورية دولة علمانية؟ لم يقلها حافظ الأسد أبدا، وبشار قالها في لقاءاته الخاصة مع الديبلوماسيين الغربيين بالذات، وبعض القنوات الإعلامية الغربية بعد العام 2011، لأن أداة حربه الأساسية للاحتفاظ بعرش أبيه هو استخدام ورقة التخويف من البعبع الإسلامي.   

إذن أين يقف النظامان؟ 

النظام التركي دولة وقانونا ودستورا ليس إسلاميا بالمعنى المتداول عن الإسلامية السياسية، ولا بأي من تنظيراتهم، بل هو نظام علماني أقرب للعلمانية الفرنسية منه للألمانية، وهو أيضا بالمقارنة النسبية في الشرق الأوسط نظام ديمقراطي. يعاني من الكثير من المشاكل، خاصة من ناحية الديمقراطية وحرية الإعلام والفكر، مقارنة بالدول الأوروبية الغربية، لكنه يبقى أفضل حالا بكثير من كل دول المنطقة. 

النظام السوري الأسدي ليس علمانيا ولا يمت للعلمانية بصلة، بل حتى أدبيات حزب البعث لم تنص يوما على اعتماد العلمانية. هو نظام حكم ديكتاتوري فاسد ظالم وعنيف، يستخدم كل الأوراق المتاحة بين يديه للبقاء في السلطة، وأول هذه الأوراق هي ورقة الدين والطوائف.  

ختاما 

لماذا يرى الإسلاميون السياسيون، المعارضون لبشار، أنه علماني، ولماذا يرون أردوغان إسلامي؟ حسبما نعلم فإن قادات وصناع الرأي في هذا التيار يملكون من الذكاء والمعرفة ما يكفي ليدركوا أن ذلك كذب بيّن، لكن لماذا يشجعون الكذب؟ لربما يأتي حسب فهمهم لإسلامهم ضمن باب المعاريض، فقد فتح بعض الفقهاء باب المعاريض بشكل غير محدود؛ ولمن لا يعرف المعاريض يمكنه أن يقرأ عنها على مواقع الإنترنت، هي بشكل مختصر “الكذب المباح”. 

وكي لا نقع في الظلم، لربما كان السبب أنهم اعتقدوا أن حجاب السيدة الأولى التركية زوجة أردوغان، هو معيار النظام الإسلامي، وعدم ارتداء زوجة بشار للحجاب هو معيار الدولة العلمانية.  

 

 

 

للمزيد حول العلمانية، أرجو الرجوع لمقالي في العلمانية وفق هذا الرابط: 

http://wp.me/P2RRDZ-w8 

تعليق واحد

  1. سلام.خواستم بابت وبسایت خوبتون
    ازتون تشکر کنم و امیدوارم باعث ایجاد انگیزه براتون بشه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *