الرئيسية / مقالات / هل الأحزاب السياسية ضرورة سورية؟

هل الأحزاب السياسية ضرورة سورية؟

هل الأحزاب السياسية ضرورة سورية؟

محمّد الجرف

يُجمع المؤرخون السياسيون على أنّ ظاهرة الأحزاب السياسية هي ظاهرة حديثة، تبلورت بعد فشل أنصار الاتجاه الجماهيري الفوضوي إبان انتفاضة عمّال باريس (أو ما يُعرف بالكمّونة) 1871، فبعد فشل تلك الانتفاضة بسبب الطابع الفوضوي، طالب عدد من القادة الاشتراكيين بإقامة حدّ أدْنى من العلاقات التنظيمية والسياسية لتنسيق وجهات النظر بين الثوار الفرنسيين.

ما يفرض علينا هذه العودة إلى التاريخ هو الواقع السياسيّ السوريّ، وكلمة «السياسيّ» تبدو نافلة هنا، إذْ أنّ السياسة هي الغائب الأكبر عن أعظم حراك سياسيّ شهدته سورية على مرّ تاريخها كله!.

نعزو هذا الغياب في شكل أساسي إلى موجة التنظير لموت الايديولوجية، والتي سبقت الثورة السورية بعقود، منذ أن انهار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية في أوائل التسعينيات.

كارتدادات لانهيار جدار برلين بات الحديث عن ضرورة النظرية والبرنامج والرؤية، وعن العدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، وعن النضال والتحرر والسيادة والوطن القوي «لغة خشبية». وأصبحت السياسة لعبة قذرة، والحزب السياسيّ مجرّد صورة ستالينية، في حين جرى الترويج بكثير من البريق والصخب (لمصطلحات أُريد لها أن تمسح كل ما عداها، وأن يُفهم التاريخ وحركته، والعالم والمجتمع وصراعاته، من خلالها بصورة رئيسة، إن لم تكن حصرية، كالحضارة والحداثة والعصرنة والعولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان الفرد -شُطبت من القائمة حقوق الشعوب والأمم- والازدهار والمجتمع المدنيّ والجمعيات كبديل عن الأحزاب.. وجرى الهجوم الشامل على فكرة الحزب المنظّم، وعلى فكرة الانضباط، وتمت مماهاة كل ذلك بالحزب الستاليني، ولم يكن لكل ذلك الهجوم إلاّ أن يشحن المناضلين ضدّ فكرة الانتظام في حزب، وضدّ فكرة تنظيم القوى وتوجيه فعاليتها) على حدّ تعبير عبد العزيز الخيّر.

وهكذا، عندما أتت الثورة، لم يكن أحد في انتظارها، وتُركت وحيدة!، غابت الأحزاب، وتكونت عوضاً عنها تشكيلات سياسية على هيئة تيارات، وائتلافات، وهيئات، ومجالس، ومنابر، ومنصات..ومنظمات مجتمع مدني. هذه التشكيلات كانت تعتمد بشكل أساسي على شخصيات كاريزمية يُحيط بها عدد من المريدين الذين لا تجمعهم تقريباً أي رؤية نظرية، أوخط سياسي، أوبرنامج. بل عبارة عن كوادر مجمّعة ضمن حدّ أدنى من التوافقات، والأهم: بلا مشروع أو مبادرة حلّ متماسكة لمعالجة القضية السورية، وبدون أي تأثير على/وفي المجتمع.




الكوادر المحترفة والخبيرة، والتي خاضت تجارب نضالية شجاعة ضد نظام الاستبداد الأسدي في الفترة السابقة على الثورة، هربت إلى العمل المدنيّ اعتقاداً منها أنه أسهل وأنظف وأقل خطورة من العمل السياسيّ المنظم في ظلّ الثورة، وكانت النتيجة أن خسرنا في السياسة، ولم نربح في المجالات الأخرى.
في السياسة، كما في مجالات أخرى كثيرة، الغياب يُولد الفراغ، وهذا الفراغ بحاجة لدائمة لمن يملؤه، فكان أن قام الشعبويون بسدّ الفراغ ممّا كان أحد الأسباب الرئيسة لضياع أعظم فرصة سنحت للسوريين لاسترداد الفضاء العام من نظم الديكتاتورية المتتابعة.

يقول تروتسكي عن أحداث الكمونة «إن الحزب لا يخلق الثورة عندما يريد، يتدخل بفاعلية في الأحداث دون الخوف من الإقدام». فلقد ثبت« أن هذه الشهور الستة كانت خسارة لا تعوض، فلو كان الحزب المتمركز للعمل الثوري موجود علي رأس البروليتاريا في فرنسا في سبتمبر 1870 لكان تاريخ فرنسا كلها ومعه تاريخ الإنسانية كلها قد أخذ منعطفاً آخر».

عن خطأ وقصر نظر كبيرين، يعتقد الساسة الغربيون، وكذلك قسم لا بأس به من السوريين!- بعدم وجود بديل شرعي للأسد كما صرّح بذلك الرئيس الفرنسي الشاب. وبرأينا، أنّ جزءاً من هذا التشويش ناتج عن غياب أحزاب وتنظيمات سياسية مقوننة، وذات رؤى وأهداف واضحة، وقادرة كذلك على تقديم حلول سورية حقيقة.

بالعودة إلى سؤال هذا المقال: هل عودة الأحزاب الفاعلة إلى الساحة السياسية السورية ضرورة؟

جوابنا هو «نعم» بالتأكيد!.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *