الرئيسية / مقالات / ظهور “جيش لحد” السوري من ألمانيا

ظهور “جيش لحد” السوري من ألمانيا

ظهور “جيش لحد” السوري من ألمانيا

علي عيد – زمان الوصل :

إذن.. خرجت إلى العلن ما تسمّى “مبادرة سلام الجولان” التي تعترف بـ “دولة إسرائيل على حدود 4 حزيران 1967″، و”الموافقة على استمرار السيطرة العسكريّة والأمنيّة الإسرائيليّة على مرتفعات الجولان”، كما تنص على بندين متناقضين الأول يتحدث عن “فصل قضية الشعب السوري عن القضايا الإقليمية الأخرى” والثاني إعادة البناء “ضمن مؤتمر إقليمي برعاية إسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن.
مبادرة أشبه بحقل ألغام، وفي توقيت شديد الحساسية والدلالات، وأبرز تناقضاتها هي الصياغة الإنكارية للانتماء، دون الأخذ بعين الاعتبار حساسية هذا الملف وتعقيداته وتأثيراته السابقة والحالية والمستقبلية في رسم السياسات وفكّ التشابكات المحليّة والإقليمية والدّولية.
ليس مهمّاً الدخول في التفاصيل الشخصية للمجموعة التي أصدرت بيان المبادرة بعد اجتماع في ألمانيا يومي 23 و24 تموز 2017، لكن ليس من الممكن استبعاد التفكير في خلفياتها وأدائها وظروفها ودوافعها لإطلاق المبادرة، إذ يتبين أن الأشخاص الثلاثة اللذين اختاروا أنفسهم كلجنة تحضيرية لإطلاق المؤتمر المبني على المبادرة يمتلكون تاريخاً من العلاقة والتواصل والزيارات إلى إسرائيل خلال السنوات التي أعقبت اندلاع الثورة عام 2011، ومن المؤكد أنّ في سجل مهندس المبادرة عصام زيتون تسع زيارات إلى إسرائيل، والمؤكد أيضاً أن هذه الزيارات منسقّة على مستوى الصف الثالث في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد).
تشير المعلومات إلى أن الشخصيات الثلاث، عصام زيتون، محمد عناد سليمان، خالد الحسين، والموجودة حالياً في أوروبا بدأت نشاطها وصلاتها بإسرائيل منذ سنوات، وأن من فتح الباب لهذا النشاط هو كمال اللبواني، إذ جرى استخدام هؤلاء الأشخاص لتشكيل طيف سياسي يقبل بفكرة التعامل مع إسرائيل، انتقالاً إلى فتح خطوط تعاون وتجنيد عملاء من الضبّاط وقيادات الفصائل المقاتلة في المنطقة الجنوبية، أضف إلى بعض الشخصيات الناشطة في وسط المعارضة، وبعد وصولهم إلى أوروبا واضب أصحاب المبادرة على عقد لقاءات، ومحاولة جذب أكبر عدد ممكن إلى سياق القبول بإسرائيل، بل وتشكيل قناعة بأن إسرائيل ليست عدوّا تاريخياً، لتنتهي بعض الطروحات إلى اعتبار إسرائيل شريكاً، وهي مقاربة صعبة ومستهجنة، إلا أن طبيعتها مفهومة بالاستناد إلى تاريخ إسرائيل في المنطقة، والتجارب السابقة معها سواء في لبنان أو فلسطين.




يبدو واضحاً أن عملية الضغط لتسريع فرض اتفاق الهدنة في الجنوب ولدت شعورا لدى إسرائيل بضرورة استخدام أولي لبعض الأوراق التي حضّرتها أجهزة استخباراتها في السنوات القليلة الماضية، ومنها الكشف عن تقديم معونات غذائية وعلاجية للآلاف من سكان قرى الجولان، وتأتي مبادرة “سلام الجولان” في نفس السياق، لكنّ المجال الحيوي للهدنة أوسع من تلك الأوراق فهو يطال ثلاث محافظات بينها درعا التي لم تنجح فيها مبادرة في بدايات آذار ـ مارس، سميت “وثيقة عهد حوران” لأنها أثارت هواجس الفيدرالية والتقسيم، وأعطى هذا الفشل شعوراً لدى القوى الدولية والإقليمية بأن السوريين يمتلكون وعياً عميقاً في القضايا الحسّاسة، وهو وعي يعطّل سيطرة أي مشروع على قناعات البيئة المحلية رغم الضّغط الاقتصادي المتعمّد وتغذية التّصارع، وإفلات آلة النظام العسكرية على المدنيين لمنع إعادة تجميع عقائدي، وتفكيك بنية المجتمع وتأمين قبوله بأي المشاريع مقابل وقف حالة الدّمار والقتل والانكسار المعنوي.
 “مبادرة سلام الجولان” جاءت بعد نحو أسبوعين من دخول اتفاق هدنة الجنوب حيز التنفيذ، وهي تتحرك في طيف وظروف هذه الهدنة، وهذا مؤشر على أبعادها وأهدافها، فقد دخلت الهدنة المعلن عنها في قمة العشرين بألمانيا حيز التنفيذ في التاسع من الشهر الجاري، وكان واضحاً أن الحديث عن وجود ثلاثة أطراف فقط في هذه الاتفاقية ليس صحيحاً، فإسرائيل هي الطرف الأهم، ولعل ما تم رصده في التصريحات السياسية والتحركات على الأرض يشير إلى الدور الإسرائيلي دون شكّ، فالروس تحدثوا عن وضع مصالح الإسرائيليين كأولوية، فيما تحدث خبراء إسرائيليون عن أن الاتفاق سيسمح لهم بتشكيل جيش يشبه “جيش لحد” في الجنوب السوري، وهي تجربة ظهرت في منتصف سبعينيات القرن الماضي وانتهت بأنطوان لحد وسعد حداد كعميلين تتم إدارتهما من قبل إسرائيل.
على الأرض يبدو أن الأمور أكثر دلالة، فالإسرائيليون يمهّدون لقبولهم شريكاً معلناً في الشأن السوري، وما أخر الإعلان عن هذا الهدف هو التنافس بين نظام الأسد القادر عملياً على تنفيذ اتفاق سياسي استراتيجي مع إسرائيل وهو ما يسعى إليه على أن يقبض ثمنه في البقاء، لكنه غير قادر على تقديم ضمانات في منطقة تحكمها فصائل مسلحة تنتمي للمعارضة، وبين طرف آخر هو تلك الفصائل القادرة على تقديم ضمانات على الأرض لكنها لا تملك تمثيلاً سياسياً مقنعاً على المستوى الدّولي، ومن هنا يمكن فهم ضرورات تركيب مجموعة تقدم نفسها كممثل سياسي عن أبناء منطقة القنيطرة، كما أنها تدّعي تمثيلها لفصائل عسكرية في الجيش الحرّ.
حقيقة الأمر أن مجموعة “مبادرة سلام الجولان” حاولت تأمين اعتراف محلّي إلا أنها فشلت لعدة اعتبارات، منها وجود عقيدة راسخة لدى أبناء الجولان والقنيطرة والجنوب بأن إسرائيل هي عدوّ تاريخي، أضف إلى أن تلك المجموعة ليست مؤهلة على المستوى السياسي، في وقت لا تبدو فيه المعارضة الأساسية ممثلة بالائتلاف قادرة على تقديم مشروع متكامل في هذا الملف لأسباب موضوعية، منها حالة التشتت والاختراق، وتشكّل قناعات بعدم قدرتها على أن تكون بديلاً موثوقاً، وكذلك نشوء ظروف دولية سببها ظاهرة الجماعات الإرهابية التي اشتغل عليها النظام لتعكس صورة مشوّهة للبندقية التي تقاتل على الأرض، فتعززت فكرة المعارضة المسلّحة المختلطة مع وجود فصائل إسلامية “معتدلة” وأخرى متشددة مثل النصرة وتنظيم الدولة، وعززت هذه الظروف لدى الدوائر الغربية فكرة صعوبة الفصل والتمييز بين أجندات الفصائل المعارضة.
بيان مجموعة “مبادرة سلام الجولان” من ألمانيا في أعقاب بيان اتفاق الهدنة الروسي الأمريكي الأردني من قمة العشرين في ألمانيا أيضاً، هو محاكاة غير ناضجة، ومحاولة لركوب قطار التسوية من الذّيل، أملاً في سوق السوريين إلى حظيرة إسرائيل، دون وعي وبمستوى متدنٍّ من التخطيط والطرح والتوقيت، فملف العلاقة مع إسرائيل شائك ومعقّد، وربما يذهب بعض التحليل إلى اعتبار ما تقوم به تلك المجموعة نوعاً من “المراهقة السياسية”، لكن ـ في حقيقة الأمر ـ لا يمكن وصف مجموعة تدعو إلى مؤتمر إقليمي يعترف بسيطرة إسرائيل الأمنية على الجولان إلا بصفة “عملاء”، وفي جميع الحالات فإن إسرائيل قادرة على تعويم تلك المجموعة كما فعلت سابقا وشكّلت “جيش لحد” في الجنوب اللبناني، لكن النتائج لن تكون أكثر من صناعة “جيش إسرائيل السوري”.
في الخلاصة.. يمكن رمي كلّ ما سبق جانباً، والتفكير في أن الفترة الحالية تشهد حركة كثيفة في لإطلاق “بالونات” الاختبار، ومجموعة “مبادرة سلام الجولان” لا تملك من الأهمية أكثر من كونها أحد تلك “البالونات”.. يجب التفكير أكثر فيما يدور في إسرائيل، وبين الأميركيين والروس، والإيرانيين ودول الخليج، كما يجب التنبّه إلى عقدة المنشار لتلك الأطراف، وهي التمنّع الاجتماعي الواعي في الجنوب السوري.
هناك مرحلة جديدة يجري اختبارها بأدوات بسيطة، وهناك إعادة ترميز على مستوى دولي لها انعكاساتها الإقليمية، وتثبيت تلك العملية يتطلب التجريب وإعادة تدوير الزوايا وصولاً صيغة مقبولة، وأي من الملفات الكبرى كملف الصراع العربي الإسرائيلي هو موضوع استثمار سياسي مرتبط بتحوّلات كبرى، وهو في الغالب لا يراعي مصالح الشعوب وتطلّعاتها، لكن ـ في العمق ـ تبقى الشعوب دليل تلك التحولات، والرقم الأصعب القادر على وضع أي ملف على الطاولة في أي لحظة، كما أنها ـ الشعوب ـ تستطيع عندما تخلو الطاولة من ملفّ يعنيها أن تقلب تلك الطاولة، وفي القدس والأقصى دلالة قريبة وواضحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *