الرئيسية / أخبار سوريا / السياسات التركية بعد عام من الانقلاب

السياسات التركية بعد عام من الانقلاب

السياسات التركية بعد عام من الانقلابالسياسات التركية بعد عام من الانقلاب

مركز أسبار للدراسات والبحوث

لم يؤثر انقلاب 15 يوليو 2016 في تركيا على المشهد السياسي الداخلي وحسب، بل ستبرز السياسات الخارجية بوصفها سبباً ونتيجة في هذا الانقلاب. كانت أحد دوافع الانقلابيين، كما أعلن عنها بيانهم رقم واحد، هو اعتراضات على النهج السياسي التركي الرسمي في التعامل مع الملفات الخارجية. وقد شهد المشهد الداخلي تغيرات جذرية، طالت عدداً من المؤسسات العسكرية والأمنية، لا سيما شخصيات أنيطت بها ملفات خارجية حساسة، الأمر الذي انعس على هذه الملفات.

في الأسابيع الأولى، ما بعد الانقلاب، انكفأت السياسة الخارجية تحت ضغط المسار الداخلي، تصفية الانقلابيين، وضبط الأمن، وإعادة هيكلة المؤسسات كانت أولوية. عمليات التوقيف على ذمة التحقيق بالانقلاب، والعدد الكبير من الموقوفين عن أعمالهم في مختلف المؤسسات التركية، وقد قوبلت تلك الإجراءات من قبل شخصيات ومؤسسات أوروبية بقلق واحتجاج، أما التلويح من قبل قيادات سياسية تركية بإمكانية إعادة حكم الإعدام، تجاوباً مع المطالب الشعبية، فجوبه بتهديدات أوروبية بإغلاق ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. وقد قوبلت هذه المواقف الأوروبية بتصريحات تركية حادة، من قبيل التهديد باللجوء إلى استفتاء شعبي للعدول عن مسار دخول الاتحاد الأوروبي، أو عدم تطبيق الجزء المتعلق بتركيا من اتفاق الإعادة الخاص باللاجئين إن لم يحرر الاتحاد فيزا شينغن.

ووجه الأتراك أصابع الاتهام إلى أمريكا بدعم الانقلاب، بينما أبدى المسؤولون الأمريكان انزعاجهم من إقصاء عدد كبير من العسكريين من الرتب العليا عن المؤسسة العسكرية، خشية من تأثر العمليات التركية – الأمريكية المشتركة ضد “داعش”، ووصل بعض التصريحات حد التهديد بإخراج تركيا من حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن تقارير أشارت إلى قلق واشنطن على الرؤوس النووية الموجودة في قاعدة “أنجرليك” العسكرية بعيد الانقلاب.




عدا ذلك، وضعت تركيا سياستها الخارجية إقليمياً تحت عنوان التهدئة وتخفيف حدة التوتر مع الجوار، فعلاوة على انكفائها عن ملفات لعبت فيها في السابق دوراً فاعلاً، لا سيما في فلسطين ومصر واليمن، اتجهت إلى دعم مسار المصالحات في كل من سوريا والعراق، ترافق ذل مع الابتعاد عموما عن سقف المطالب العالية، والخطاب الحاد، فخفضت سقف شروطها فيما يتعلق بالأزمة السورية (بما يتوافق مع متطلبات التقارب مع روسيا وإيران)، وصل حد القبول الضمني ببقاء الأسد على رأس السلطة لفترة قادمة.

في مقابل الموقف الغربي غير المرضي لتركيا، لعب موقف روسيا الرفض للانقلاب دوراً في تسريع مصالحة روسية تركية، وأثمرت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استئناف العلاقات الاقتصادية، التنسيق مع الروس تعدى الاقتصاد إلى تشكيل لجنة لدراسة التعاون بين موسكو وأنقرة حول سورية، وبعد القمة الروسية التركية في سان بطرسبرغ انطلقت عملية “درع الفرات” التي تدخلت فيها تركيا في منطقة جرابلس، بغية تأمين الحدود التركية بطرد “داعش” والحيلولة دون تمدد كردي، ودعم طيف من المعارضة السورية.

لكسب النفوذ على حساب واشنطن، رحب الأتراك بالمشاركة الروسية – الإيرانية، وحتى في ظل عدم وجود اتفاق معلن حول مستقبل بشار الأسد، كان بالإمكان تحقيق مصالح مشترة، لعبت إيران دور الوساطة بين أنقرة ودمشق، وهناك تسريبات صحفية أن مسؤولين رفيعي المستوى في المخابرات التركية زاروا الأسد مؤخرا، سعت الحكومة الروسية لاستغلال التوترات بين الولايات المتحدة حلفائها الغربيين وبين تركيا، لسحب الأخيرة بعيداً عن المعسكر المناهض للأسد.

يبقى التقارب الروسي التركي محكوماً بالسقف الروسي في احتواء تركيا بعيداً عن “الناتو”، ناهيك عن الموقف الأمريكي من هذا التقارب، وبين هذا وذاك تبقى خيارات السياسة التركي في رسم أهدافها الاستراتيجية. هذا التقارب لا يرقى حتى الآن إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، إذ ان قرارا تركيا بهذا الشأن يؤدي إلى تغيرات جذرية في السياسة التركية، على حساب أمريكا والغرب، يبدو مكلفاً، لا سيما إذا أخذنا بالحسبان عمق العلاقات التركية الغربية، ومصالح “الناتو” في تركيا. كما تدرك تركيا أنه إن كان التحالف مع روسيا وإيران في المدى القريب ممكنا فإن هناك كم من المصالح المتعارضة في كثير من الملفات، لذا لا يعدو التحالف مع روسيا وإيران أكثرم نأوراق للضغط على الحلفاء الغربيين.

حدة الاستقطاب الروسي الأمريكي في المنطقة يحول دون تشكيل محاور خارج دائرة هذا الاستقطاب، كما أنه لم يعد من الممكن الحديث عن بلورة محور بضم تركيا وقطر والسعودية ومصر، بعد الأزمة الخليجية الأخيرة، خصوصاً مع محاولة تركيا استثمار الأزمة الراهنة ووقوفها إلى جانب قطر، واستمرار دعمها للإسلام السياسي، وفي مقدمته الإخوان المسلمين، كما تظهر بشكل أوضح محاولات أنقرة في تعميق الأزمة الراهنة، حيث تشير الكثير من المعطيات إلى محاولة تركيا إحداث شرخ في المحور السعودي.

وبالنظر إلى الخلفية التاريخية لعلاقات تركيا الغربية واستحقاقات تموضعها داخل المنظومة الغربية، على الأقل من خلال حلف “الناتو”، إضافة إلى واقع الملفات الخلافية مع المحور الروسي – الإيراني، فلا يبدو أن السياسة الخارجية التركية مقبلة على تحول استراتيجي، ليبقى جوهر السياسات التركية في المدى القريب والمتوسط هو تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع هذا المحور، قدر الإمكان، مع دعم مسارات التسوية السياسية في سورية، عبر تفاهمات تكتيكية تبعد شبح كيان كردي قرب الحدود، واستثمار ذلك ضغطاً يحسن موقعها في المنظومة الغربية على المدى البعيد من ناحية أخرى، لتبقى السياسة التركية، بما يخص قضايا الإقليم لفترة قادمة، جزءا من التصور العام للسياسة الخارجية التركية، وتبعاً لمسارات التهدئة والتقارب مع روسيا.

لقراءة التقرير في المصدر يرجى زيارة الرابط: السياسات التركية بعد عام من الانقلاب – مركز أسبار

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *