الرئيسية / مقالات / قبول إسرائيل وبقاء الأسد

قبول إسرائيل وبقاء الأسد

قبول إسرائيل وبقاء الأسد
(Photo LOUAI BESHARA/AFP/Getty Images)

قبول إسرائيل وبقاء الأسد

ماجد الشيخ

المقاربة الاستشراقية في موسم التسويات السياسية والمراهنات الإقليمية والدولية على بقاء المصالح الخاصة بكل طرف الحاكم الفعلي للتحولات والتطورات القائمة والمحتملة، تبدو المقاربة الراهنة في سورية تتجه لبقاء الأسد «سيدا» ولو من دون «سيادة» للسلطة التي يجري إحلالها محل الدولة، بدعم مزدوج من روسيا وإيران والميليشيات الطائفية المختلفة.

هذا هو «طريق التسوية» السورية الذي خططت له دوائر استراتيجيات النفوذ الذي فازت به روسيا ونجحت في رسم مآلاته النهائية، منذ بدء دخولها على خط الأزمة السورية، بالترافق مع العمل على استعادة النفوذ الروسي في منطقة اعتبرت تقليدياً أبرز «مغانم» هيمنتها منذ أيام الحرب الباردة، وصراعاتها على النفوذ الإقليمي والدولي، وها هي تؤكد في سورية، ما لم تستطع أن تؤكده في الصراع العربي مع إسرائيل، حيث بقيت تمسك بالعصا من الوسط، من دون انحيازها المعلن لدعم الطرف الفلسطيني، ما أبقى التسوية على الجبهة الفلسطينية– الإسرائيلية مجردة من عناصر أي قوة تصطف إلى جانب الحق الفلسطيني، لا عربية ولا إقليمية ولا دولية، الأمر الذي قاد الوضع الفلسطيني إلى مزيد من التفتيت والإضعاف، وبالتالي الإجحاف بحق نفسه وبحق قضايا المفاوضات المتروكة على قارعة تسوية لم تتم ولن تتم في هكذا شروط، عمادها التفكيك والتفتيت، وحتى التشكيك في ما بين أطراف الصف الوطني المختلفة.

في المقابل، يبدو أن المقاربة الكولونيالية، لا تختلف في رؤيتها لمصالحها الاستعمارية إزاء إسرائيل ودورها الوظيفي في هذه المنطقة، بخاصة في ظل وجود إدارة أميركية ترى في وجود إسرائيل «ظلها العالي» الذي لا تقبل بأي تأثيرات تعمل لحجبه من أجندات ووقائع السلوك الاستعماري، وهو يتجه نحو شعبوية عنصرية باتت تؤكد عبر مسلكياتها الفاشية، وكأنها تخوض حربها «الهارمجدونية» وفق خرافات التدين الخلاصي الأكثر اسطورية وكولونيالية في عصرنا الحديث.

في ظل هذه الأجواء واضطرابها السياسي والأمني، واتفاق جميع الأطراف المعنية بأزمات المنطقة، لم تعد دول الغرب في صدد التأكيد على رحيل بشار الأسد عن السلطة، وهي تشهد تحولات في مواقفها الرسمية وخضوعها لمنطق ابتزاز النظم الاستبدادية التي عملت وبإجهاد على تصوير ذاتها وكأنها تواجه الإرهاب إلى جانب القوى التي تحاربه فيما هي من صنائعه، وفي هذا السياق لفتت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها إلى أن الجو السياسي العام السائد في الدول الغربية المعنيّة بالأزمة السورية، يؤشر إلى «التخلي عن موقفها ومطلبها الدائم بتنحي بشار الأسد»، وتحولها إلى موقف «يقبل حتى بترشح الأسد في أي انتخابات رئاسية مستقبلاً». وكما عبر مصدر دبلوماسي غربي، فإن هذه التحولات في الموقف «تعكس رؤية براغماتية واقعية، إذ إن مسألة بقاء الأسد في السلطة، لم تعد مقدمة لأي محادثات».

فهل تعب الغربيون قبل أن يتعب وينهك نظام الأسد، بفعل الدعم الروسي والإيراني؟ ومن يحاسب هذا النظام على جرائمه التي ارتكبت على الأقل منذ عام 2011، أم أن عالم العولمة الراهن والأنظمة الشعبوية العدمية، وهي تقبل «التساهل» مع جرائم الحرب، و «التسامح» مع أنظمة الاستبداد، لم تعد أكثر مسؤولية وجدّة في ما يترتب عليها من مسؤوليات البحث عن العدالة والمساواة، والانتصار لقيم الحقوق الطبيعية والمكتسبة، ومعاقبة إرهاب الاستبداد السياسي الحاكم، إلى جانب تصفية عصابات الارهاب الإجرامية كداعش والنصرة القاعدية وإضرابهما، سواء بسواء؟

وإذا كان هناك من ضرورة لتسوية سياسية، باتت تقتضيها الأزمة السورية، فهذا بالتأكيد ما لا يبرر على الإطلاق، عودة إطلاق يد النظام الأمني، في ظل تغييب السياسة واستبعادها عن كامل أجندات التسوية، وإعادة فرض سلطة نظام، لا تمت بأدنى صلة للدولة ومنطقها، فالهم الروسي للحفاظ على الدولة، لا يبرره ابتلاعها سياسياً وعسكرياً من قبلهم، كما ومن قبل النظام الإيراني وميليشياته، فالسيادة الوطنية لا تقوم على القبول الخارجي من دون القبول الداخلي ودعمه وطنياً، لا طائفياً أو مذهبياً، والاستمرار في لعبة التحولات الديموغرافية وهوياتها القاتلة.

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *