الرئيسية / مقالات / هل فعلا انتصر بشار الأسد؟

هل فعلا انتصر بشار الأسد؟

علاء الدين الخطيبهل فعلا انتصر بشار الأسد؟

علاء الدين الخطيب

تكاثرت في الفترة الأخيرة عناوين “بشار الأسد انتصر، أو قارب الانتصار”، على الإعلام العربي والغربي، وحتى بين إعلام المعارضة السورية والسوريين، وبدأ إعلامه يحتفل بنصر القائد الصنديد. وانطلقت بعض الأقلام الغربية أيضا، تؤكد أن بشارا انتصر، مثل روبرت فيسك في الإندبندت البريطانية. لكن على ماذا بنى كل أولئك كلامهم؟

ما هو واضح، أن هذا الشعار الإعلامي انطلق بناء على تصريحات بعض القادة السياسيين في الغرب، خاصة تصريحات مسؤولين فرنسيين وبريطانيين، عن لاواقعية الإصرار على رحيل بشار؛ وبناء على التقدم العسكري الذي حققه النظام على الأرض في بعض المناطق في سورية، منذ استعادته السيطرة على حلب.

قبل المضي في النقاش، لنسأل السؤال الأهم: هل يمكن أن يكون هناك نصر في سورية؟ وما هي مقاييس هذا النصر؟

بعد ما يزيد على نصف مليون ضحية، وما لا يقل عن مليون مصاب بسبب الحرب، وتشريد 13 مليون سوري، 6 ملايين منهم خارج سورية، وتهديم على الأقل نصف البنية التحتية، وثلث المباني السكنية، وانهيار الاقتصاد بشكل شبه كامل، وسرقة ثروات وأموال بما يزيد عن عشرات مليارات الدولارات؛ وفوق هذا تسليم مصير سورية إلى قرار دول أجنبية: إيران وروسيا وتركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة الأميركية؛ وتحويل الأرض السورية لأهم نقاط استقطاب كل مرتزقة الأرض والإرهابيين، سواء أتوا لنصرة بشار أو لقتاله؛ هذا كله دون احتساب ما لا يمكن حسابه، وهو الخوف والقهر والألم والحزن الذي لم يترك قلب أم أو أب سوري دون أن يفجعه، ولم يترك براءة طفل سوري دون أن تشوهها صور الموت وأصوات القنابل؛ أبعد كل هذا، ومهما كانت النتيجة العسكرية، سيكون هناك انتصار في سورية؟

من يملك الجرأة ليقول إنها “تضحيات الشعب”، هل سأل كل هؤلاء الضحايا والمصابين والمشردين، أطفالا ونساء ورجالا، شبابا وشيوخا، إن كانوا يريدون الموت أو البؤس الذي عانوه في سبيل “انتصاره” المزعوم؟ التضحية هي أن يقرر إنسان عاقل بالغ بذل حياته أو ماله أو جهده من أجل قضية أو فكرة، لكن الضحية هي الإنسان الذي يتم قتله أو سجنه أو تشريده أو سرقته غصبا عنه. أم أن سنة البشر الهمجية، التي أسسها الديكتاتور الظالم منذ آلاف السنين، في اعتبار النصر هو نجاة قائدهم وقتل قائد عدوهم، ما زالت مستمرة؟

أنا المعارض والرافض لنظام بشار الكيماوي شكلا ومضمونا، وبفرض سقوط نظامه كاملا، وبدء تأسيس دولة سورية ديمقراطية علمانية لكل مواطنيها، كما أحلم وأومن، سأخجل أن أقول إنه انتصار؛ نعم سأسميهم شهداء، وأحاول أضعف الإيمان ألا ننسى أسماءهم؛ لكن كلمة انتصار ستكون قاسية أمام روح أي طفل سوري قتله برميل أسدي، أو قنبلة إرهابية، ستكون قاسية أمام والديه إن كانوا ما زالوا يستطيعون الحياة أو الابتسام.

الانتصار هو يوم يقرر شعب أن يقاتل لينقذ نفسه، ويحظى بحريته، وليس يوم يكون معيار الانتصار بقاء زعيم طاغية، يريد الناس أن تصيح “بالروح والدم نفديك يا بشار”، تحت رايات سوداء تحمل اسم الشيعة والخامنئي وبوتين؛ وليس يوم يكون معيار الانتصار هو ارتفاع راية سوداء باسم السنة، أو تأسيس دولتهم الإسلامية الخرافية.

اعتاد البشر خلال آلاف السنين أن يذكروا أن الاسكندر المقدوني انتصر على كل أعدائه، “فيا للقوة والعبقرية والمجد”، وينسون عشرات الآلاف ممن قتلوا بحروبه العبثية؛ يذكرون أن الفرعون خوفو بنى الهرم الكبير، “يا للمجد ويا للعبقرية الهندسية”، وينسون عشرات آلاف العبيد والعمال المساكين الذين قتلوا تحت أحجار القبر الكبير للفرعون الإله؛ وفي زمننا، فقط في الدول المتخلفة والديكتاتورية، ما زال الحمقى يرددون: يا لعظيم حكمتك أيها القائد الذي لم تلد الأمهات مثلك، قودنا للنصر، فتسيل دماء الناس، ويبقى القائد المناضل، وجلالة الملك، وسمو الأمير، ويبقى آية الله الإمام، وفضيلة الشيخ، وأمير الجماعة، وتضيع الأوطان والأديان.

لنترك المعايير الأخلاقية، رغم أنها هي الأهم، ولننظر كما يريدون للمعايير الواقعية الرقمية. أي نصر حققه بشار الطاغية؟

من الناحية العسكرية، حقق النظام تقدما عسكريا واضحا، وبأعراف الحرب حقق “انتصارات جزئية”، لكن هل هي أول مرة منذ 2012؟ الحرب كانت كرا وفرا بين المتحاربين؛ لكن يجب الإقرار بأن استعادة حلب والانتصارات على داعش في دير الزور، كانت نسبيا أكبر تقدم عسكري للنظام؛ لكن يبقى السؤال هل هذا يعني انتصارا نهائيا؟ بالواقع لا، فتاريخ الدول مليء بالحروب بين دول، وبالحروب الأهلية، وما أكثر ما تقدم طرف إلى حواف النصر العسكري ثم انهار مهزوما.

أم يجب علينا أن نصدق وعود نظام بشار وأزلامه نظامه التي يكررونها منذ 7 سنين عن حتمية النصر؟ حتى روبرت فيسك، بأسلوبه الخبيث، وهو المتحمس لنظام بشار، ذكّر قارئه الغربي بوعود قدمها له ضابط اسمه محمد خضور عند هزيمة النظام في حلب، بأنه سيستعيدها خلال 11 يوما، فمضت أربع سنين قبل حصول ذلك، وما كان ليحصل لولا روسيا وإيران.

الأهم في الحرب السورية هو موقف الدول المتورطة في هذه الحرب، فالانتصار العسكري النهائي في سورية، يستدعي أن تتوقف الحكومات الداعمة لأحد الأطراف عن دعمه، وتستمر الحكومات الداعمة للطرف “المنتصر” بدعمه؛ فهل هذه حال الطاغية؟

حكومتا إيران وروسيا لن تتوقفا عن دعم نظام الأسد، لأن مصالحهما الاستراتيجية في الاحتفاظ بسيطرة على سورية من خلال نظام حليف تابع، من حدود العراق إلى حدود لبنان والبحر ودمشق، مصالح مصيرية.

يزداد شعور تركيا بالخطر من حركة الكورد السوريين والعراقيين، وقد أتى إعلان الاستفتاء على استقلال إقليم كوردستان ليزيد القلق التركي، وليزيد من قوة القرار التركي بحتمية السيطرة على الحركة الكوردية في شمال سورية على الأقل.

لم تتلق السعودية أي بادرة تخفف من قلقها تجاه إيران، فحرب اليمن التي كانت بالواقع التفافا خلفيا من قبل إيران على السعودية بعد تراجع نظام الأسد الكبير في 2014، تسير ضد مصالح الحكومة السعودية، والحكومة السعودية تعلم يقينا أن خروجها من سورية مهزومة، سيستدعي هزيمتها في اليمن، فأسباب تمسكها بمحاربة إيران في سورية لم تتراجع بل ترسخت. أما الحكومة القطرية، ورغم أنها شكليا لا تظهر هذه العدائية للنظام الإيراني، لكنها مثل كل دول الخليج تعيش الرعب الإيراني في حال أغمضت الولايات المتحدة الأميركية الحامي الأوحد لدول الخليج عيونها عنهم، وبنفس الوقت هي مرتبطة مصلحيا مع تركيا، وتحاول الوصول لتحالف استراتيجي معها، فأسباب قطر أيضا لم تتراجع في سورية؛ قد يكون صراع العائلتين في البلدين قد دفع الخوف من أطماع النظام الإيراني إلى المستوى الثاني في سلم الأولويات، لكن ذلك لا يعني زوال أسباب الخوف وضرورة استمرار الحرب عن بعد مع إيران على الأرض السورية.

ما زالت الولايات المتحدة الأميركية تتابع استراتيجيتها بكل ثقة وقوة، إدارة النزاع والإشراف عليه، ولعب كروت اللعبة حسب المصالح الأميركية؛ فتوتر علاقاتها وأوربا مع روسيا لم يتراجع، بالواقع يتزايد مع تزايد توتر ساحة أوكرانيا ودول البلطيق، وتركز قوات عسكرية روسية كبيرة على حدود أوروبا الشرقية؛ وقد أضافت كوريا الشمالية الآن من خلال التفجير الأخير مع الإدارة الأميركية، شقا إضافيا في العلاقات الأميركية الروسية والصينية.

إذاً ماذا تبقى؟ بضعة تصريحات من قادة سياسيين فرنسيين وبريطانيين، تقبل ببقاء بشار الأسد؟ هل يوجد عاقل عاش في هذه المنطقة يبني موقفا أساسيا بناء على تصريحات سياسية غربية؟ فنحن الذين عشنا المأساة الفلسطينية، لطالما سمعنا تصريحات متناقضة تأتي من أعلى السلم السياسي الغربي، ولطالما خدعنا إعلامنا ومحللينا بنتائج هذه التصريحات، ثم نجد أن الطريق يزداد مأساوية وصعوبة؛ وحتى في الأزمة السورية، كم صدرت تصريحات من أكبر المراكز الغربية منذ 2011، بدءا من رئيس البيت الأبيض وصولا لأصغر سفير غربي، تقول إن الأسد فقد شرعيته، ثم عادت تصريحات آخرى لتنقضها، ثم ظهرت تصريحات أخرى متشددة.

هل تذكرون الملهاة الغربية مع السيء الذكر القذافي؟ من عدو إرهابي، وقصف قصره بالطيران الأميركي، وحصار لليبيا بعد أزمة طائرة اللوكربي 1988، فاستمر العداء مع القذافي 16 سنة إلى 2004، ليتحول بعدها إلى صديق للغرب، ورئيس محترم يستقبله رؤساء أوروبا بكل ترحاب، وينصب خيمته الملكية في عواصم أوروبا، ويهدد سويسرا إن هي حاكمت ابنه؛ ثم عاد القادة الغربيون بعد 2011 يصنفونه طاغية ظالما، ويرسلون جيوشهم تلاحقه بعد الثورة الليبية.

من السذاجة الكاملة تصديق اقتراب أي انتصار عسكري نهائي في سورية، ما لم يجلس زعماء إيران وروسيا وتركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة، ويعلنوا رسميا أن الحرب انتهت وهم ملتزمون بذلك؛ وهذا من المستحيل أن يحصل في المدى المنظور، فلا يوجد أي مشكلة عالقة بين هذه الدول تسير على طريق الحل والتسوية، وما زالت سورية ساحة حربهم وتصفية حساباتهم، سواء من خلال النظام الأسدي، كما صرح بشار الأسد نفسه، حين أكد أنه ونظامه يخوضون حرب إيران وروسيا بالوكالة، في مقابلته مع الصحيفة الروسية “كومسومولسكايا برافدا” في شهر تشرين الأول\أكتوبر 2016؛ وسواء من خلال قادات المعارضة، وقادات الكتائب الإسلاموية الرافعة لراية السنة، في حربهم المدارة من قبل السعودية وقطر وتركيا، بل إن هذه الكتائب تقاتلت مع بعضها، يوم اختلفت السعودية وقطر، ثم تصالحت يوم تصالحوا.

طالما أن هذه الحرب العالمية المتوحشة فوق سورية مستمرة، فلا انتصارا عسكريا لأي طرف، وطالما أن أسباب الصراع الدولي تتزايد بين هذه الدول، فلا نهاية منظورة لهذه الحرب؛ وطالما أن السوريين مشتتون ما بين سيطرة النظام المخابراتي التشبيحي، وسيطرة أمراء وشيوخ التجارة بالدين داخل سورية، ومشتتون خارجها خلف قيادات معارضة ونخب إعلامية إما تائهة أو انتهازية، فلا حلا سياسيا ولا عسكريا؛ لكن سوق الإعلام قادر أن يبيع الأوهام اليوم، وعكسها غدا.

للمزيد يمكن الرجوع إلى:
مقال روبرت فيسبك على الاندبندت البريطانية
http://www.independent.co.uk/voices/syrian-war-ending-bashar-al-assad-won-robert-fisk-syria-middle-east-israel-british-troops-a7933966.html

ما قاله بشار الأسد للصحيفة الروسية “كومسومولسكايا برافدا” على موقع بيت السلام السوري
http://www.infosalam.com/home/articles/%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%B9%D9%86/

دراسة “كوردستان المستقلة خطوة محسوبة أم قفزة في المجهول” على موقع مركز أسبار للدراسات
http://www.asbarme.com/ar/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9/241872254972276/%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D8%B3%D9%88%D8%A8%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D9%82%D9%81%D8%B2%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%84/

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *