الرئيسية / مقالات / ثنائية الحرص والمواطنة

ثنائية الحرص والمواطنة

مزن مرشدثنائية الحرص والمواطنة

مزن مرشد

كنا نحرص دائما على بقاء مبلغاً من المال في رف الخزانة العلوي، لا تطاله ايدينا مهما حصل، فهو مبلغ احتياطي للطوارئ، كما كنا نسميه.

ونحرص على بقاء خزان المازوت على سقيفة المنزل مملوءاً بمادته الواخزة الرائحة، ضماناً لدفء الشتاء مع اننا في منتصف شهر آب، لاننا لا بد ان نطمئن لمواجهة البرد وخزاننا ملآن، كما نحرص دائماً على خزان المياه المجاور له مملوءاً أيضاً، مما يتطلب ان نصحو ليلاً أكثر من مرة، لنجرب تشغيل مضخة المياه الكهربائية، كي تصعد المياه الى الخزان مع أن منزلنا في الطابق الثاني فقط، وكانت المياه لا تصل أحياناً بالرغم من حرصنا الشديد، ما يضطرنا بالتالي لشراء المياه المعبأة في خزانات سيارة، تجوب الشوارع لبيع مياه، يقال انها صالحة للشرب، وان كنا نشتريها من اجل التنظيف والاستحمام والاستخدام اليومي لا اكثر، اما الشرب فله المياه المعدنية من الماركات المحلية واللبنانية، التي غزت الاسواق السورية في فترة ما.

وكان من مواويل الحرص التي كنا نعزفها في حياتنا اليومية علبة الحليب الكبيرة من الماركة المعروفة اياها التي تكبر معها الأجيال، اضافة الى علبة أخرى قيد الاستعمال، كي لا تنقطع صغيرتنا من طعامها الوحيد، ويتواصل مسلسل حرصنا ليشمل الحرص على اسطوانة الغاز الاحتياطية، ومدفأة الغاز الجاهزة للاستعمال، وسخان الكهرباء الاحتياطي في حال نفذ الغاز، وصولا الى الحرص على بنزين السيارة والطعام والمونة، وكل ما له علاقة سواء بالاساسيات او الرفاهيات.

وتتعدى مساعي الحرص اليومي الى الابعد ومنه حرصنا على النزهة الاسبوعية للأولاد، والتي تحتاج الى مال كاف للقيام بها. رغم  انها لم تكن اكثر من زيارة لاحد المطاعم المترامية في الغوطة او بلودان او سهل الزبداني، يعني شمة هوا، واكل طيب. وثمة حرص من نوع خاص، نجمع من اجله المال طوال العام كي يتسنى لنا ان نقضي اجازة صغيرة على ساحلنا الجميل، تنفذ فيها كل المدخرات، لتعود دورة الحرص من جديد.

وللحقيقة. فأنا اليوم لا استطيع تفسير كل هذا الحرص الذي كنا نعيشه في زمن كانت بلدنا مضرب المثل ب”الأمن والامان “….!!!

لم تكن حياتنا اكثر من قلق يومي على كل ما نحرص عليه في الحياة في اساسياتها وتفاصيلها، شاملة كل مايحيط بنا من السكن الى الطعام واللباس والتعليم والطبابة وصولاً الى قشة الكبريت.

هاجس الحرص على كل الأشياء، اصبح أضعافا مضاعفة بعد الثورة. اذ زاد عليه حرصنا كي نبقى احياء اولاً، وحرصنا الا نحتاج احد ثانياً، وحرص الا نعتقل او نذبح صار في اولوياتنا ثالثاً ورابعاً وعاشراً، ماجعلنا مخلوقات تفقد مع الوقت معنى الحياة.

اليوم في غربتي الهادئة المزعجة، اتطلع باستغراب لأناس يستمتعون بالحياة، يعيشون احلامهم وامنياتهم غير عابئين بمبلغ الطوارئ ولا بخزان المازوت والمياه المتجاورين، ولا بحليب اطفالهم الذي لا يمكن ان ينقطع تحت اي ظرف، ولا يأبهون لقسط جامعة اولادهم في حال لم يسمح معدلهم الدراسي بعد ان ينتحروا بالدراسة من دخول الفرع المفضل. فالابن سيدرس ما يحب دون ان يصاب بأزمة نفسية، ولن يرهق المنزل كله في خدمة الدارس الصغير للحصول على المعدل المطلوب، ولن تستنفر العيلة بحثاً عن الأسئلة المتوقعة والمدرس الخاص الافضل مهما بلغ اجره عالياً من اجل مستقبل الصبي الذي ما ان ينهي امتحانه حتى تراه جلدة على عضمة مهترئ نفسيا تطارده الكوابيس، بانه تارة تأخر عن الامتحان، أو سقط بالاختبار ومرات كثير بيوم صدور النتائج ومن هنا يخلق حرصنا مبكراً على اختيار المدرسة المناسبة لأطفالنا وان كانت مدرسة خاصة وباهظة التكاليف، ويولد حرص جديد مع اليوم الاول لدخول اطفالنا الى المدرسة، ليبدأ الضغط بتلقينهم الاسلوب الوحيد الذي نتقنه – البصم- فهمت ام لم تفهم. المهم ان تجيب كما يقول الكتاب بالحرف بلا زيادة او نقصان.

اتفاجأ هنا ممن يترك عمله طائعاً، فلا يبحث عن سواه، ويسترخي مع انه لم يخبئ مبلغاً للطوارئ، ولم يملأ خزانه مازوت او ماء، ولا يملك مثل هذه الخزانات اصلاً.

التقيت مؤخراً بامرأة فرنسية خمسينية، تعاني من ضغط الدم والسكري، وليس لديها أولاد، ولم تحرص اثناء حياتها على اي من الاشياء التي حرصنا عليها، لكنها تذهب بانتظام الى المشفى القريب لتلقي العلاج، وتزورها بانتظام المساعدة الاجتماعية للعناية بها في المنزل، وتصلها ادويتها وبانتظام ايضا دون ان تحتاج الى سؤال أخ او قريب، ليوفر لها ما تحتاجه من دواء.

فهنأتها على حرصها الشديد فيما سبق من حياتها، لان تؤمن لنفسها كل هذه الخدمات، التي اغنتها عن الولد والاقارب، ووفرت لها كل ماليس لها غنى عنه في حياتها. لكن كلامي اثار فيها موجة من الضحك، انهتها بالقول ” أنا مواطنة”.

وسط استغرابي الشديد لردة فعلها في موجة الضحك وجوابها الذي بدا غريباً ومستهجناً، رحت اراجع نفسي، واتساءل: اي وشو يعني مواطنة. فنحن كنا مواطنين في بلدنا، كما كان يقال. وكنا نقضي حياتنا بالحرص خشية ان نتبهدل بآخر ايامنا او حتى في منتصف حياتنا، اذا ما انخفض دخلنا او خسرنا عملنا لسبب او لآخر، او اذا لم نستطع ان نكون أهلا للحرص، ولم نشتر منزلاً، يستر أخرتنا، فقد نصبح في الشارع وعلى وجوه الناس وضيوفاً عندهم …

ازدادت جرعة الضحك لدى مضيفتي المريضة لدرجة القهقهة. فخفت ان تموت من الضحك، واكون السبب في موتها لا كل الامراض التي تسكن جسدها، وبعد ان هدأ ضحكها، واشفقت على ضحالة حرصي في معرفة معنى كلمة مواطن، قالت بسرور: ” خدمت دولتي بشبابي عندما احتاجتني، وهي تخدمني في مريضي عندما احتاجها”.

عدت ادراجي صاغرة. افكر بكل ما مضى من حياتي. اذ ذهب حرصي ادراج الرياح، وردت لي “دولتي” المعروف بموتي او سجني او ذبحي، او تفجير كل ما املك في لمحة عين …….. شكرا “دولتنا” على مواطنتنا، التي تمتعنا بها.

المصدر: مدار اليوم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *