الرئيسية / مقالات / نقض عرى التطرف والإرهاب – الجزء الأول

نقض عرى التطرف والإرهاب – الجزء الأول

العميد مصطفى الشيخ يرد على منتقدي زيارته لموسكونقض عرى التطرف والإرهاب – الجزء الأول

العميد مصطفى الشيخ

لا بد بداية أن أذكّر بحقيقة علمية شرعية منطقية هي أن البحث بهدف الهداية معقود على النية المسربلة بالإخلاص لله، لا نبتغي منها إلا العدل والإنصاف، وأن أي بحث بهذا الحجم وفي هذه الفترة له حساسيته البالغة ووقعه على المجتمعات الإسلامية نتيجة تشتت الأمة في التأويل وعدم وجود مرجعية إسلامية على مستوى الأمة.

لذلك ما سأقدمه من معين ثقافتي وقناعاتي أزعم أن فيه من الحق والإنصاف للإسلام ما يجعلني ضمن الدارسين والباحثين عن الحق والهداية في زمن تلاطمت الفتن وتزاحمت وانقضت على الأمة من كل حدب وصوب تكاد تفنيهم. وهذا يدلل على أن هناك خلل ما في الثقافة الإسلامية، وما يحصل ليس صدفة أو عبث من الله، أو كون متفلتٌ عن إرادته ومشيئته وقبضته وهذا محال ابتداءً.

كما أذكر بأن المعرفة والتعلم والبحث عن الحقيقة لا بد من ان تشوبه أخطاء، كوننا بشر ولكل نظرته وفهمه لدينه ، لكن علينا ان نعلم يقيناً ان البحث والمعرفة والتمحيص هي ضرب من ضروب الشجاعة وغاية الهية فرضت على الانسان من اجل سعادة البشرية واستعمارها للارض بهدف الاختبار لكل مكوناتها دون استثناء، بغض النظر عن عقائدهم واعراقهم والوانهم ( ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة … ولو شاء ربك لآمن كل من الارض جميعاً ) . اذ من الواضح ان مشيئته اقتضت هذا التنوع افقياً وعمودياً وصولاً الى ابناء الرحم الواحد والاسرة الواحدة. وهذه الخاصية قد بني عليها هذا الوجود كله وهي حالة قهرية لا يجوز البحث فيها اصلاً او السؤال عنها بلماذا هذا التنوع ؟ او اتخاذها ذريعة لقتل واضطهاد الانسان لاخيه الانسان.

هذه المعضلة الام في المجتمعات في العصور المنصرمة في عمق التاريخ وصولاً الى العهد الاول للانسان قد ارقت الانسان وخاصة الضعفاء منهم وتشكلت حالات مأساوية من الاستعباد والرق والجور والعسف والملكية المطلقة التي تجوز للمالك قتل المملوك لديه ، وهذه من اهم الاسباب التي علمها الله بسابق علمه وفق تكوينه الانسان انه سيفعل ذلك عندما تغيب الهداية والمعرفة والترقي في مسالك العلوم لذلك جاءت الاديان لنشر المثل والقيم العليا التي وجدت في فطرة الانسان ذاته وفق كاتلوج الخالق بالاصل. واختصر لاقول وبضربة واحدة بداية ان الاسلام جاء كدين خاتم في الوقت الذي تجاوز الانسان مرحلة الطفولة العقلية وايذاناً بعصور جديدة سيكون فيها التقدم والتدرج في التحضر والعلوم والثقافة بطريقة مطردة متسارعة وفقاً لما انزله ربنا بالقرآن من ثوابت لا يمكن ان تبنى حضارة او ترقي للبشرية دونها البتة وهي نواميس كونية لا تتبدل ولا تتغير .

وللامانة فإن علماء العالم ومفكريه انصفت الاسلام عبر القرون المنصرمة. فكان الاسلام كمنهج تُفَجِر منه علماؤ هم اللبنة الاولى والاساس في البناء البرجي الحديث للتطور. فكان نزوله ايها السادة في القرون الوسطى وما ادراك ما القرون الوسطى، فكان تأثيره وفق ما انزل الله من شرعة ومنهاجٍ واسس كالنيزك يخترق قبة السماء وسط ظلام حالك من الجهل والفوضى العارمة وتداعياتها القاتلة علي عقل الانسان وانحرافه واستعباده لاخيه الانسان وفق ارادة معادية ومناقضة لارادة الله ومشيئته تماماً ومطلقاً.

وبدأ عملياً عصر التنوير والاشعاع العلمي ينبثق من الجزيرة العربية الى اصقاع المعمورة على ايدي وعقول ابدعت، كان قد صقلها ورباها ذاك النبي الامي اليتيم المستضعف. وهذا ما اعترفت بعبقريته المتفردة كل العقول العملاقة في العالم بأثره التي اعقبت تلك الفترة ليومنا هذا، والتي حيرت الفلاسفة وجهابذة الفكر والتأمل والمبدعين. وهذا دليل قاطع على نبوته صلى الله عليه وسلم.

وهذا يجعلني اقول ان الاسلام يساوي الكرامة ، والكرامة تساوي الحرية ، وبالتالي الانسان يساوي تماماً الحرية ، والاسلام جاء، وبضربة واحدة، مشروعَ حريةٍ وتحرر في جوهره وكل ما بني على هذا الجوهر من تشريعات لا تسمح البتة ومطلقاً ان تقاتل الانسان اخيه الانسان الا في حالة واحدة وهي اذا بادأك العدوان. وهذا ما تشير اليه كل الآيات لم ادرك وفهم سياقها وتعمق في معانيها ، وان العدوان -اي مبادأةَ الاخر به- هو ظلم والظلم محرم قطعي على الله وعلى عبادة والنصوص اكثر من ان تعد بهذا النحو ،

وبالنسبة للجهاد فإنه مصطلح قرآني لم يعرف قبل نزول الوحي لدى العرب بمعنى القتال. فالجهاد قال العلماء النُجُب فيه : ان فصوله اربعة عشر فصلاً منها فصلٌ واحدٌ بمعنى القتال. والجهاد بدء بمعناه الجوهري له بجهاد النفس واعتبره الجهاد الاكبر ومن ثم جهاد النقاش والحوار والشيطان والمال والعلم ووووووووو الا ان ينتهي بأن كسب العيش جهاد وان بر الوالدين جهاد.

وتشير الحقيقة ربما الى اكثر من ذلك ، لكن العرب في تلك الفترة الاولى وفي بداية نشوء وترعرع الاسلام وفي عهد الخلفاء الراشدين كان القتال هو المعنى الابرز من بين فصول الجهاد، ولذلك تم التركيز على نشر ثقافته وخيريته وقيمته عند الله، والتي يعتبر ذروة سنام الاسلام وفق المناخ المتشكل حديثاً على انقاض انهيار امبرطوريتي الفرس والروم على يد المسلمين الذين يعيشون نشوة العزة والكرامة بعد ذل رافقهم عبر قرون خلت، وكانت تهدف الى نشر الحرية بكل معانيها ( لان التكليف للانسان بما هو حر في اختياره فقط ) ، وهذه الثقافة امتدت مع الزمن مع انحرافها المتعلق ( بمفهوم السلطة )عن الهدف الأساسي، واصبحت هدفاً سياسياً اكثر منه مقصد رباني مع الزمن ونشوء السلطة الجبرية الفردية الوراثية الديكتاتورية.

وبقيت قيمة الجهاد، بوصفه قتالاُ، في اذهان المسلمين قيمة مطلقة بغض النظر عن نوعية واهداف الحكم (وهنا المشكلة وجوهرها) والتي ان قلت او تكلمت عن الجهاد اليوم فقط يشار فيه الى القتال. وهذا ظلم للاسلام وجوهره ولمعنى الجهاد الاعم.

ويؤلمني ويؤسفني ان اقول ان القتال بجوهره قد بدء ينحرف عن غايته بعد الخلفاء الاربعة الراشدين، حيث تحول الى مفهوم آخر هو مفهوم التوسع السياسي او مفهوم الامبرطورية. وقد حصل بالفعل تيمناً واسوة بمفاهيم طارئة نتيجة الاصطدام بالامبرطوريتين الفارسية والرومانية نظراً لما يتمتع التوسع من خيرات اقتصادية وسواها وانعكاسات ثقافية في ظل حكم جبري جديد يهدف الى الشهرة والجبروت واقصاء الاخر.

بهذه الاجواء بدء الانحراف ، ولا شك تخلل بعض القادة والامراء القلة ( كعمر بن عبد العزيز ) في عهود الامويين والعباسيين والعثمانيين الذين يحملون هذا المعنى، وبرز قادة ميدانيين فتحوا الامصار كقتيبة ابن مسلم وغيره والذين شاعت اخبارهم. وبالتالي نظراً للمفهوم السياسي للحكم الذي زاغ عن المراد الاسلامي كان يتم التخلص من هؤلاء القادة خوفاً من تهديدهم للحاكم الفرد وهذا يدلل بوضوح معنى الخلافة السياسية وقتئذٍ .

لانهي هذا الجزء وقد اشرت فيه الى الجهاد واقسامه والغاية من القتال الذي هو جزء من كل…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *