الرئيسية / مقالات / الإسلام دين وليس دولة

الإسلام دين وليس دولة

علاء الدين الخطيبالإسلام دين وليس دولة

علاء الدين الخطيب

أول من أطلق شعار “الإسلام دين ودولة” كان الإخوان المسلمون، أي أنه شعار سياسي بحت، يكثف في ثلاث كلمات ما يكفي لخداع مشاعر المسلمين من خلالها. لماذا نجزم أنه شعار سياسي؟ ببساطة لأن عشرات آلاف الشيوخ والفقهاء قبل الإخوان لم يقولوا ذلك بهذا الجزم، وهذا ليس حكما بسيطا، يمكن أن يفسر وفق حركة الزمن، وبالتالي قد يسهو عنه فقهاء القرون الأولى، ويأتي فقيه من المتأخرين بما لم يأت به الأولون. إنه حكم من أهم الأحكام إن صحّ وصدق، فإذا انطلقنا من مسلّمة المسلمين أن القرآن الكريم والسنة الشريفة وضعت الأسس العامة الكبرى للدين، وتركت التفاصيل للاجتهاد عبر الإجماع والقياس، فلا يمكن عقلا أن يكون حكما بأهمية ومحورية وخطورة، أن “الإسلام دولة”، أو أنه يحمل “نظام حكم للدولة”، قد غاب عن 1400 سنة من عمل فقهاء وشيوخ المسلمين.

حتى أول طرح لمفهوم “الحاكمية” كتنظير أو تفسير ديني إسلامي، لم يخرج سوى مع ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبعض قليل ممن تلاهم مروراً بابن عبد الوهاب، وصولا للقرن العشرين، حين أطلقه أبو الأعلى المودودي واضحا محددا، وتبناه الإخوان المسلمون ونظرّوا حوله كثيرا، خاصة أهم علمائهم حسن البنا وسيد قطب، ثم تكاثرت الاجتهادات من قبل الإسلاميين السياسيين في القرن العشرين، كما انضم جزء كبير من الشيعة الاثني عشرية مع الخميني لقافلة “الإسلام دين ودولة”، خاصة مع كتابه “الحكومة الإسلامية” المشابه تماما بالمنهج والأسس الاستدلالية وغالبية الأحكام مع منتج المودودي والإخوان.

بصياغة أخرى للسؤال البسيط المنطقي، بما أن الإسلام دين عقل وقلب، وبما أن الدولة هي مؤسسة حكم وإدارة وتنفيذ وقضاء وأمن، وتتحكم بمصائر ملايين البشر تحت إدارتها، والتي بنجاحها أو ضلالها، قد تُسعد أجيالا من البشر، أو أن تحرقهم في حروب ومظالم؛ هل أسس بناء أو حكم هذه الدولة أقل أهمية ومحورية من أحكام العبادات، أو أحكام المعاملات؟ لا يمكن لعاقل أن يقول ذلك، فكيف يغيب النص الواضح الجلي حول “الدولة” أو “نظام الحكم”، عن القرآن الكريم والسنة الشريفة، ومنتج 600 سنة من الفقه والعلم الديني، بافتراض ان ما قاله ابن تيمية (661 هـ – 728هـ) هو فعلا تنظير لنظام دولة.

والسؤال الثاني الاستباقي لردود الإسلامية السياسية المكررة: “هل نظام الدولة مرن مع الزمن والمكان، فهو بحاجة للعموم بالحكم، بينما الأحكام غير المرنة التي لزم توضيحها بالتفاصيل، هي أحكام الزواج والطلاق والميراث والأكل والشرب والملبس، وأحكام الجهاد والتكفير والزندقة، وأحكام الفرقة الناجية، من هم على حق: هل الشيعة أم السنة، وهل الحنبلية أم الصوفية أم الأشاعرة؟”.

لا نريد الدخول هنا في جدل فقهي وتفسيري حول الأدلة التي يستخدمها أصحاب الإسلامية السياسية، فهذا جدل لا نهائي، وبكثير من الأحوال عبثي مع الإسلام السياسي المعاصر؛ لكن حتى هؤلاء، يعلمون أن كل أدلتهم القرآنية والحديثية لا تحمل أي حكم واضح النص والدلالة حول الدولة أو نظام الحكم، بل هو تفسيرهم هم للنص ولكلمة “حكم” ومشتقاتها في القرآن الكريم، وأمر “إطاعة الله ورسوله وأولي الأمر”، فلا يوجد نص بوضوح حكم الصلاة والصيام مثلا، أو بوضوح حكم إقامة العدل والقسط، أو بوضوح حكم أن رسول الإسلام هو مبشر ونذير وليس ملكا ولا سلطانا؛ بالمناسبة لا يمكن فهم كيف استطاع الإسلاميون السياسيون المعاصرون، مخالفة النصوص الواضحة في القرآن الكريم، حول ما هي مهمة وما هو توصيف رسول الإسلام كرسول ونبي ومذكر ومبشر وليس بمسيطر، فقالوا عنه أنه كان حاكم دولة المدينة.

طبعا من حق الإسلامي السياسي أن يؤمن أن “الإسلام دين ودولة”، فهذه ضمن حريات التفكير المصانة إنسانيا وإسلاميا، لكن ليس من حقه ادعاء أنه حكم إسلامي قاطع، يرقى عند غالبية من الإسلام السياسي إلى مستوى الفريضة والإلزام، مثله مثل الأمر الإلهي “الحكم بالعدل بين الناس، إذا احتكم إليهم الناس، أو حُكموا بين الناس”، أو مثل أحكام العبادات والمعاملات الواضحة.

إذا فالمرتكز الأول لدعوى الإسلامية السياسية، بالدولة الإسلامية، أي الحكم أو الأمر الإلهي، هو مرتكز باطل، لأن لا وجود لهذا الحكم الإلهي سوى في فهم وتفسير الإسلام السياسي للنص المقدس.

المرتكز الثاني الذي يعتمده الإسلام السياسي، هو التاريخ الإسلامي، وينادي به أيضا من باب التقديس والتمجيد، فيدعي أن “عز المسلمين” زال مع زوال الخلافة الإسلامية، وغالبية الإسلام السياسي السني يقول إن ذلك حدث مع سقوط آخر سلطان عثماني. لكن المشكلة التي يعرفها الإسلاميون السياسيون ولا يخبرون الناس عنها، هي أن لا وجود لنظام حكم إسلامي منذ بيعة السقيفة لليوم، بل نظام حكم أداره مسلمون حسبما رأى كل حاكم منهم.

فأهم أسئلة الدولة الحديثة هو: كيف نختار الحاكم أو مؤسسة الحكم؟ وعبر التاريخ الإسلامي نجد، أن أول خليفة حاز الخلافة، بعد أن غلب المهاجرون الأنصار، بإجماع المهاجرين على مرشح واحد هو أبو بكر الصديق، والانتصار بقوة القبيلة قريش، بينما انقسم الأنصار بين الأوس والخزرج؛ ثم أوصى أبو بكر لعمر بن الخطاب وصاية، الذي بدوره رأى تشكيل لجنة سداسية اختارت عثمان بن عفان، الذي لم يوصِ ولم يشكل لجنة، فتمت مبايعة علي بن أبي طالب؛ ثم انتزع معاوية بن أبي سفيان الخلافة بحد السيف، وأسس نظام الحكم بالتوريث، وسنّ سنةَ الاستيلاء على الحكم بالقوة، فاستولى العباسيون والعثمانيون والفاطميون والمرابطون والموحدون وغيرهم على الحكم بالقوة. وطوال هذا التاريخ لم يُخلع خليفة واحد لأنه ظلم، ولم يستقل أيا منهم حتى توفي، سواء توفي مرضا وشيخوخة، أو قتلا واغتيالا؛ أي أنه كان حكما يشابه ما اعتاده البشر في تلك الأزمنة، حكم ديكتاتوري وراثي، قائم على القوة والمال، وعلى الانتماء القبلي والعائلي والعرقي، والتحالف مع طبقة رجال الدين، وهي هنا شيوخ الإسلام. بالمناسبة، كثير من السلفية يحرم أن تخرج الخلافة خارج قريش، وكأن الإسلام جاء مثل اليهودية لقبيلة واحدة من البشر.

إذا لا نصا واضحا قاطعا في كيفية اختيار الحاكم، ولا تجربة تاريخية ثابتة يمكن تكرارها، ومع ذلك يصر الإسلام السياسي على أنها كانت دولة إسلامية. هنا يأتينا جوابين: الأول من السلفية الجهادية، أو الشيعية الخمينية، “هذا ما نؤمن به، وقد أُمرنا أن نحققه بالقوة شئتم أم أبيتم”، وهنا لا مجال للنقاش، فقد خرج السيف للساحة، وهاهما هذان التياران لم يضعا يدهما وأحكامهما في بلد خلال الخمسين سنة الماضية، إلا وساهما بحرقه وتدميره وتشريد أهله.

والجواب الثاني يأتي من الإسلاميين السياسيين المعتدلين، وهم القلة الضعيفة، الذين يجرؤون أن يقولوا: “لا بأس، نحن سنختار الحاكم ومؤسسة الحكم بالانتخاب لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، والانتخاب شكل من الشورى”؛ فهم يأخذون أهم أسئلة إنشاء الدولة، أي كيفية وصول مؤسسة الحكم للحكم، مما أنتجته الحضارة البشرية: الديمقراطية؛ ويأخذون من الحضارة البشرية الحديثة أيضا، نظام البنوك والشركات والسوق والعلاقات الدولية وهيكليات مؤسسات الدولة واتفاقيات تحرير التجارة وحماية البيئة وبناء الجيوش، فماذا تبقى لهم من الدولة الإسلامية، سوى الشعار؟ بالواقع لم يتبقى لهم سوى بضعة أحكام عن لباس المرأة، وشرب الكحول ولحم الخنزير، وبضعة أحكام في الأحوال الشخصية؛ وبالتالي نعود للمربع الأول، لا دولة في الإسلام إذا.

بالواقع ما بين الجوابين السابقين تقف شريحة واسعة من الإسلام السياسي، يمثلها الإخوان المسلمون والمتعاطفون معهم، فهؤلاء لا يُعرف لهم موقف أو رأي محدد، فهم يتبرؤون من السلفية الجهادية مثل القاعدة وداعش والنصرة، وبنفس الوقت يرفضون موقف الإسلاميين المعتدلين، المشار له سابقا، ولا يقدمون أي جواب واضح ودقيق، بل يغرقون مريديهم والشارع الإسلامي بكلام عاطفي شعاراتي، معتمدين على قدسية الدين لدى عامة الناس، ولم يحصل أن وصلوا لسلطة أي بلد، كي نرى ماذا يعنون وماذا يريدون، سوى لمدة سنة واحدة في مصر، لم يظهر من خلالها سوى أحقية وصفهم بالمتأرجحين، فقد استمروا بتأرجحهم ما بين السلفية وما بين الحداثة، دون أي خبرة أو استراتيجية في إدارة الدولة، ففشلوا في عمل أي شيء، وبالتالي كان سهلا على من عاداهم أن يقلب الطاولة عليهم.

من المؤكد أن هناك أجوبة لدى الإسلام السياسي على ما ذكرناه، لكن من خلال أدبياتهم ومنتجهم الإعلامي لن نجد سوى منهجي إجابة مضللين لا جواب فيهما: الأول هو الإغراق في التفاصيل الفقهية ولَي أعناق النصوص، وتضييع الجهد في الشعاراتية، واللجوء لمناقشة التاريخ الأوروبي مع الكنيسة، والإغراق في الفروق بين الشرق والغرب، وكأن البشر غير البشر، وبالتالي وضع المتلقي في دوامة تعيده للجواب السهل العاطفي الذي يريدونه.

بالواقع هذا المنهج الإخواني وما شابهه، يشبه مركزا تجاريا يبيع كل شيء، وقد وضع لافتة كبيرة “حسب الشريعة الإسلامية”، ووزع مكبرات الصوت في كل أقسام المركز تبث قراءة للقرآن الكريم، فيدخل المسلمون منجذبين عاطفيا للشعار، ولا يعرفون بالواقع كيف تكون المناديل الورقية، أو الخضار والفواكه، أو معجون الأسنان حسب الشريعة الإسلامية؛ وهم يتجولون يحسبون ما في جيوبهم من مال، ويقارنوه مع الأسعار، فلا يعون أي كلمة من صوت المكبر يقرأ آيات من الذكر الحكيم، لكنهم لا يجرؤون أن يقولوا للبائع “يا أخي الكريم اوقف بث قراءة القرآن، فنحن منشغلون بتدبير أمر عيشنا الدنيوي”، لا يجرؤون ليس خوفا من البائع، بل خوف مريض أسسه رجال الدين عند العامة، وهو الخوف من انتقاد أي لافتة تضم كلمة “الإسلام” كصفة لموصوف.

المنهج الثاني، وهو ليس حكرا على الإسلاميين بل يشمل غالبية الاتجاهات الفكرية العربية من يمينها ليسارها، وهو الهروب إلى تفسيرات نظرية المؤامرة الكونية الكبرى، فالمؤامرة محاكة منذ مئات السنين ضد المسلمين، من قبل الغرب “الصليبي” والصهيونية، بل إن بعضهم يعود بالمؤامرة “الشريرة” إلى أيام الراشدين، فهي تبتدأ عند عبد الله بن سبأ، إن كان المتكلم سنيا؛ أو عند كعب الأحبار كعب بن ماتع الحِميّري، إن كان المتكلم شيعيا.

بالواقع إن فصل الإسلام كدين لمليارات البشر، ممن عاشوا ويعيشون على هذه الأرض، عن منتج رجال الدين الإسلامي، بكل مذاهبهم وطوائفهم، من شيوخ وفقهاء وعلماء وأئمة ومنظرين سياسيين، هو ضرورة منهجية وحاجة إسلامية، لحماية دين هذه المليارات من البشر، من أن يتم ظلمه ويساء تقييمه بسبب ما يحمِّله الإسلاميون السياسيون والشيوخ لهذا الدين.

في النهاية، لا بد من إعادة التأكيد والتوضيح، على أن ما ورد من أسئلة ونقد، هو للإسلام السياسي وليس للإسلام كدين، ومن يصرّ أن يجعل الإسلام قائما على ما يطرحه الإسلام السياسي، فهذا حقه، لكن ليس من حقه تفسير نقد فكره بأنه نقد للإسلام، وكأن الإسلام يختصره شيوخُه وعلمائُه.

تعليق واحد

  1. ممتاز كلام حضرتك …. قمة الروعة والرقي الفكري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *