الرئيسية / أخبار سوريا / لا عودة إلى حمص.. دراسة حول التهجير القسري في سورية

لا عودة إلى حمص.. دراسة حول التهجير القسري في سورية

لا عودة إلى حمص.. دراسة حول التهجير القسري في سوريةلا عودة إلى حمص.. دراسة حول التهجير القسري في سورية

الاتحاد برس:

نشر “معهد سورية” مؤخراً دراسة حول مسألة التهجير القسري في سورية والتي بدأت بمحافظة حمص وسط البلاد في العام 2014، لتتوسع فيما بعد إلى مناطق أخرى بناء على مقومات طائفية ويؤثر فيما بعد على ملف إعادة الاستقرار إلى البلاد بعد انتهاء الحرب، الدراسة أُعدت بالتعاون مع “منظمة باكس” وإليكم نصها الحرفي:

بات النزوح السكاني الذي تقوده الدولة سمة مميزة للنزاع السوري. من خلال استراتيجية الحصار، والتجويع، والدمار، ونقل السكان، قامت الحكومة السورية -بمساعدة من حلفائها روسيا وإيران- بتهجري مئات الالاف من المدنيين من المناطق الريفية والحضرية في دمشق، وحلب وحمص التي تمردت على حكم بشار الاسد، متسببين في ذلك بأزمة شهدت تهجير أكثر من نصف السوريين بعيدا عن منازلهم. بالإضافة للاضرار المادية الكارثية غالبا في البنى التحتية في المناطق التي تم إخلاؤها من السكان والضرر النفسي والجسدي الهائل الذي يلحق بالمهجرين، فإن لاستراتيجية التهجير القسري هذه تداعيات ثقافية واقتصادية-اجتامعية طويلة الأمد ستزيد تعقيد أفق السلام والمصالحات في المستقبل السوري.

يستكشف هذا التقرير آليات وآثار الهندسة الديمغرافية التي تقوم بها الدولة في سوريا من خلال دراسة حالة في مدينة حمص، والتي أصبحت عام 2014 أول مركز حضري مهم يستسلم للحصار ولاستراتيجية التدمير المتبعين من قبل الحكومة. هدف هذه الدراسة هو فهم ما حصل لمدينة حمص وسكانها المهجرين من أجل تسليط الضوء على التحديات المستمرة التي يواجهها النازحون، ولتحديد الدروس التي يمكن أن تساعد في تحسين استجابة الجهات الدولية الفاعلة ولفهم أفضل للديناميكيات الفاعلة اليوم في مدن وقرى سورية أخرى مستهدفة من قبل استراتيجية التهجير القسري الحكومية.

تقدم هذه الدراسة بداية خلفية عن مدينة حمص، ونظرة شاملة لمسار النزاع منذ بداية الاحتجاجات عام 2012 مرورا بالتدمير والتهجير لمعظم أنحاء مركز المدينة في حلول منتصف عام 2014 . تبحث الدراسة في آثار الحصار والدور الذي لعبته الأمم المتحدة في تطورات ما بعد الحصار. المعلومات الواردة في التحليلات والنقاشات الموجودة في هذا التقرير هي نتيجة لعدة مقابلات ومحادثات وإحصائيات أجريت في الفترة ما بين عامي 2011 و 2014 مع سكان سابقين لمدينة حمص ممن تم تهجيرهم.

يظهر التقرير أن استراتيجية التهجير الحكومية في مدينة حمص هي نوع من أنواع الهندسة الديمغرافية التي تسعى للتلاعب بشكل دائم بالتعداد السكاني على أسس طائفية من أجل تمكين قاعدة السلطة الحكومية. واصل سكان حمص السابقون مواجهة الاضطهاد حتى بعد النزوح الأول ومعظمهم محاصر في مناطق أخرى من المحافظة حتى يومنا هذا. حدد الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات قائمة طويلة من الحواجز المادية والإدارية التي وضعتها الحكومة السورية والتي تمنعهم من العودة لمنازلهم. ونتيجة لذلك فقد تم استبعادهم فعليا من جهود إعادة الإعمار التي تبذلها الحكومة السورية بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة وبدعم من الدول الأجنبية المانحة.

في ظل هذه الظروف، قد يساهم الدعم الدولي لجهود الحكومة في إعادة إعمار أحياء حمص التي دمرتها وأخلتها من سكانها عمداً في تحفيز فظائع مماثلة في أماكن أخرى من خلال دفع “عوائد جرائم الحرب” للحكومة بدلا من تحميلها المسؤولية. والواقع أن “نموذج حمص” كان بمثابة مخطط لتدمير مواقع رئيسية أخرى مثل داريا وشرق حلب في عام 2016 وإخلائها.

إن حجم ونطاق وطبيعة التهجير القسري من أماكن كمدينة حمص يمثل تحديا هائلا أمام الاستقرار المستقبلي في سوريا. المصالحات الوطنية لن تتمكن من التقدم بدون معالجة القضايا المعقدة المتعلقة بالعودة للوطن وحقوق الملكية. في هذا المعنى، فإن جهود إعادة الإعمار المبكرة في مناطق مثل مدينة حمص والتي لا تراعي حساسية النزاع يمكن أن تعزز الظلم وتعمق الانقسامات الطائفية وتخلق مظالم جديدة من شأنها أن تقوض التقدم نحو الحل ووضع أسس الصراع المستقبلي.

يجب أن تبذل جهود إعادة الإعمار المادي في مناطق مثل مدينة حمص فقط كجزء من استراتيجية إنعاش شاملة تراعي حساسية النزاع وتجمع ما بين الدعم المشروط لإعادة الإعمار والجهود المبذولة لمعالجة حقوق وهموم وأولويات المهجرين.

التوصيات الرئيسية:

1 . إشراك النازحين السوريين وإعطائهم صوتا في مستقبل مجتمعاتهم. يجب أن تقوم وكالات الأمم المتحدة وباقي الجهات الداعمة لجهود إعادة الإعمار بإجراء تقييميات تحضيرية لتحديد أماكن وحاجات وأولويات السكان الأصليين. يجب أن تكون هذه التقييمات مستقلة عن الحكومة السورية، وأن تكتمل قبل بداية مشاريع إعادة التأهيل وإعادة الإعمار. وينبغي استخدام النتائج لتوجيه القرارات في جهود إعادة الإعمار التي تدعمها الأمم المتحدة.

2 . إعادة الإعمار المادي لمدينة حمص ضروري لاستعادة الحياة، لكنه يجب أن يكون جزءا من استراتيجية شاملة تضمن أن الجهات الدولية الفاعلة لا تدفع “عوائد جرائم الحرب” للحكومة السورية. إن التزامات الاتحاد الأوروبي بشأن عدم دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا قبل التوصل بشكل مؤكد لعملية انتقال سياسي مقبولة يجب أن تترجم بشكل ثابت الى معايير ملموسة، وأن يتم تبنيها كشرط من قبل جميع الجهات الدولية الفاعلة.

3 . الاعتراف بمجموعة كاملة من القضايا التي تخلق عوائق أمام العودة والمصالحات في مناطق مثل حمص ومعالجتها. هذه التحديات تتضمن الإسكان، والأراضي وقضايا حقوق الملكية والخطر واستمرار خطر العنف والاضطهاد الذي يواجهه العائدون. ينبغي نشر مراقبين دوليين تابعين للأمم المتحدة أو أية مراقبين دوليين آخرين في مناطق مثل مدينة حمص في المراحل المبكرة من إعادة الدمج والمصالحة، كي يشعر النازحون بأمان كاف للعودة.

4 . الاستراتيجية المتعمدة للتهجير القسري للمدنيين من مدينة حمص ومناطق أخرى مشابهة في سوريا تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. يجب إدانة التهجير القسري للمدنيين ونقل السكان وإدراجهما ضمن آلية المساءلة التي تم إنشاؤها وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 12 كانون الأول 2016 .

مقدمة

أصبح التهجير السكاني الذي تقوم به الدولة سمة مميزة في النزاع السوري. من خلال استراتيجية حصار وتجويع وتدمير ونقل السكان، قضت الحكومة السورية -مدعومة بحلفائها روسيا وإيران- عمدا على السكان المدنيين في المناطق التي تمردت على حكم بشار الأسد. هجّرت هذه الأفعال ملايين الناس من المناطق الريفية والحضرية في دمشق وحلب وحمص مما ساهم في تسبيب أزمة شهدت تهجير أكثر من نصف السوريين بعيدا عن منازلهم.

تشير الأدلة إلى أن استراتيجية التهجير السكاني التي تتبعها الحكومة بدأت تأخذ طابع الهندسة الديمغرافية، التي تعرف هنا بأنها تلاعب الدولة في المجموعات الإثنية خلال النزاع 1. إن الهدف المباشر لهذه الاستراتيجية هو تغيير توازن القوى بين المجموعات الطائفية المعارضة 2، لكنه ينطوي على آثار ثقافية واقتصادية اجتماعية بعيدة الأمد ستغير شكل المستقبل لسوريا واللاجئين. التغييرات الديمغرافية التي أجريت خلال النزاع لا تؤثر فقط في حياة ملايين السوريين، بل تعقّد آفاق السلام المستقبلي. المفاوضات، والانتقال السياسي، وإعادة الإعمار، وجهود المصالحات ستتأثر جميعها بالقضايا المعقدة المحيطة بموضوع النزوح والهوية الطائفية.

عام 2014 ، قبل أكثر من سنتين على قيام المشهد المدمر لشرق حلب بصدم ضمير العالم، أصبحت مدينة حمص أول وأكبر مركز حضري يستسلم لحصار الحكومة واستراتيجيتها التدميرية. مجازر، اغتصاب حرمان، حصار، تجويع، حرمان من الاهتمام الطبي، قصف يستهدف المدنيين والبنى التحتية المدنية، ميليشيات طائفية، حرب نفسية، هذه الخطط المستخدمة من قبل الحكومة لتنجح بإخلاء الأحياء السكنية ذات الغالبية السنية في مدينة حمص، أصبحت مخططا لأماكن أخرى مثل داريا وحلب عام 2016 . وبناء على ذلك، يمكن أن توفر تجربة حمص وشعبها في الشتات في السنوات التي تلت عملية إخلاء السكان، نظرة ثاقبة حول ما يمكن أن يحمله المستقبل في المناطق التي تم إخلاءها حديثا، ومناطق أخرى مثل مضايا ودوما التان تبدوان مستعدتين لمتابعة المسار ذاته في العام المقبل.

كانت حمص تعد ثالث أكبر مدينة في سوريا بتعداد سكاني يراوح بين 800 ألف ومليون و 300 ألف شخص قبل الحرب 3. نقص عدد السكان في حمص بسبب الحرب، ويقدر اليوم ما بين 200 – 650 ألف شخص 4. في نهاية المطاف، تؤشر هذه التقديرات إلى أن نصف السكان الأصليين على الأكثر بقوا في حمص. استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على المدينة بكاملها بحلول منتصف 2014 ، ما عدا منطقة الوعر في ضواحي حمص. اليوم، بعد مرور أكثر من سنتين على نهاية الحصار على أحياء حمص المركزية وإخراج آخر سكانها، ما تزال أجزاء كبيرة من المدينة مدينة أشباح.

تم ترحيل آخر مجموعة من المدنيين والمقاتلين بقيت في وسط مدينة حمص المحاصر في بداية 2014 في سلسلة من عمليات نقل قسري للسكان برعاية الأمم المتحدة. بعد سنوات من الحرمان والهجوم، لم يعد أمام السكان خيار سوى الاستسلام أو الموت. تنتهك أفعال التهجير القسري هذه القوانين الإنسانية الدولية والقانون الجنائي الدولي. وكون جرائم حرب مماثلة كالتهجير القسري ارتكبت ضد مدنيين آخرين -من ضمنهم سكان داريا وشرق حلب- فإن ذلك يشير إلى أنها جزء من استراتيجية منهجية واسعة النطاق، وبالتالي يمكن اعتبارها جرائم ضد الإنسانية.

سيبحث هذا التقرير في آليات ووسائل الهندسة الديمغرافية المتبعة من قبل الدولة في سوريا من خلال دراسة حالة لمدينة حمص التي فقدت أكثر من نصف تعدادها السكاني ما قبل الحرب بين عامي 2011 و 2014 .

المنهجية

تم جمع المصادر الأولية لهذا التقرير من خلال مقابلات وإحصائيات ومتابعة اتصالات مع ستة عشر سوري ممن هُجّروا من مدينة حمص. تم جمع المعلومات أيضا من خلال مقابلات تكميلية مع 31 مصدر ثانوي من ضمنهم صحفيين سوريين وقادة مجتمع مدني وسكان سابقين لديهم معرفة مفصلة عن حمص. استندت الخلفية الإضافية والبحوث المساعدة على تقارير صحفية، دراسات سابقة وتحليل لبيانات مفتوحة المصدر كصور الأقمار الصناعية.

الأشخاص الذين تم التواصل معهم لإجراء هذه الدراسة هم أشخاص مهجرون من مجتمعاتهم في الفترة ما بين 2011 – 2014 . سنوات التهجير موزعة على الشكل التالي: ( 5) 2014 – ( 3) 2013 – ( 7) 2012 – ( 1) 2011 . أحد عشر مشاركا كانوا ما زالوا في حمص في الوقت الذي أجريت فيه المقابلات: خمسة منهم في منطقة الوعر المحاصرة، خمسة في مناطق حمص الريفية المحاصرة، وواحد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في المدينة. الخمسة الباقون موزعون 2 في الأردن و 2 في تركيا و 1 في أوروبا. من بين المشاركين كان هناك 15 من الذكور وامرأة واحدة. تم انتقاء المشاركين من خلال إحالات متسلسلة من شبكات اتصال متواجدة على الأرض وفي الخارج. وبسبب المخاوف الأمنية تم تغيير جميع الأسماء في هذا التقرير.

أجرى الباحثون جميع المقابلات عن بعد باللغة الغربية عبر تطبيق واتساب، فيسبوك أو سكايب. بالنسبة لعدد من الأشخاص كان لا بد من إجراء عدة جولات لمتابعة المحادثات وتبادل المعلومات بعد الاتصال الأصلي. على الرغم من تفضيل الاتصال الصوتي إلا أن خمسة أشخاص من أصل ستة عشر لم يكن ممكنا الاتصال بهم صوتيا بسبب مشاكل تقنية أو أسباب أمنية، وبدلا عن ذلك أجابوا على استبيان من 21 سؤال حول تجاربهم. استخدمت هذه الأسئلة كإطار عمل للباحثين أثناء إجراء المقابلات المباشرة، لكنها لم تستخدم كنص رسمي. استخدم الباحثون تقديراتهم الخاصة لتجاوز أو تعديل الأسئلة كما يناسبهم وسألوا أسئلة إضافية تتعلق بالمحادثات.

بذلت الجهود لتجنب الطرح المتعمد للمعتقدات الطائفية أو السياسية. سئل الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات عن تجاربهم ولم يتم سؤالهم أسئلة من الممكن أن تثير حساسية ما لتحديد هوياتهم الدينية أو الإثنية أو خلفياتهم المهنية. مع ذلك، أعطى معظم الناس هذه المعلومات المحددة أثناء السياق الطبيعي للمحادثات.

التحديات

شكلت الطبيعة الحساسة للموضوع التحدي الأساسي للباحثين في تحديد الأشخاص الذين سيجرون معهم المقابلات لهذا التقرير. العديد من الإحالات رفضت أو لم تستطع المشاركة والحديث حول تجاربها. عدم الرغبة في التحدث كان بشكل عام ناتجا عن الخوف من الانتقام منهم أو من عائلاتهم من قبل الحكومة السورية. لم يشعر أحد المهجرين الذين هربوا إلى منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة السورية في مدينة حمص بالأمان ليتواصل بشكل مباشر مع فريق العمل، لكنه كان مستعدا لتقديم إجاباته مكتوبة لدى طرف ثالث. الاتصالات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مراقبة بشكل كثيف. في هذه الحالة تم توزيع استبيان مكتوب من 21 سؤال، وتم تقديم الأجوبة بدون أسماء إلى طرف ثالث موجود على الأرض. على الرغم من أن جهات الاتصال اقترحت العديد من الأشخاص للتواصل ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، إلا أن أحدا منهم لم يشعر بالأمان الكافي للتواصل مع فريق البحث.

يعيش عدد من الأشخاص المهجرين من وسط مدينة حمص الآن في مناطق أخرى من المحافظة تقع تحت الحصار، حيث هناك نقص في توفر الكهرباء والإنترنت. لم يتمكن ثلاثة من هؤلاء الأشخاص ممن يعيشون في منطقة الوعر وآخر في الريف الشمالي المحاصر من إجراء مكالمات صوتية وأجابوا بدلا عن ذلك على استبيان خطي. إن عدم الاستقرار الذي يواجهه هؤلاء الأشخاص الذين ما زالوا يعيشون في مناطق النزاع قلّص من إمكانية إجراء اتصالات متابعة متعلقة بالدراسة، حيث أنه من المفهوم أن يكون للمخاوف الأمنية أولوية على مناقشة التجارب السابقة.

حمص

السياق القطري

سوريا دولة استبدادية متنوعة السكان ذات أغلبية سنية تحكمها عائلة الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي 5. تحت حكم الأسد، تحولت سوريا إلى دولة علمانية قومية بهيكلية سلطة تعطي أفضلية لأعضاء الأقلية العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد. عمل النظام على تأمين الولاء من قبل الأقليات المختلفة وأغلبية السنة الحضريين من خلال الاستثمار في نخبة رجال الأعمال في المدن الكبرى كدمشق وحلب. في ظل هذا النظام، جرب السوريون عدة أشكال من القمع، أما المعارضة فلم تكن مقبولة لديه بأي شكل من الأشكال. مع ذلك، كان العديد من الناس بمن فيهم طبقة رجال الأعمال السنة يقدّرون استقرار الوضع. كنتيجة لذلك، لم تشكل الهويات الطائفية عائقا كبيرا أمام التعايش والتماسك الاجتماعي. لكن كل ذلك تغير منذ بداية الصراع.

في آذار 2011 ، انتشرت الاحتجاجات التي بدأت في مدينة درعا الجنوبية عبر أرجاء البلاد، مع خروج السوريين لبث مظالمهم ضد نظام الأسد، مطالبين بإصلاحات متنوعة. مع أن الاحتجاجات بدأت سلمية، إلا أن الحكومة استجابت بشن حملات عنيفة. بدلا من إسكات المتظاهرين، دفع هذا الرد الأولي العنيف البلاد نحو مسار من العنف المتصاعد، فقاد المنشقون عن الجيش الجهود المبذولة لتنظيم دفاع مسلح تحول لاحقا إلى مقاومة مسلحة ضد نظام الأسد. عملت الحكومة السورية على تصنيف الانتفاضة الديمقراطية السلمية كحراك طائفي عنيف، بالإضافة لاستخدام الدعاية والرسائل الاستفزازية، وتشكيل ميليشيات الشبيحة الموالية للحكومة 6، والاغتيال المستهدف للأقليات الذي أشعل الخوف وحرض على العنف. في نهاية المطاف، تم تفعيل الهويات الطائفية كأدوات للتعبئة على جانبي الصراع، ومع مرور الوقت أصبحت الديناميكية الشيعية/العلوية مقابل السنية جانبا بارزا من جوانب الحرب.

حمص ما قبل الحرب

تقع حمص في الوسط بين حلب ودمشق، وهي بمثابة بوابة استراتيجية نحو المركز العَلَوي في الساحل. تستضيف حمص بعض أهم المؤسسات العسكرية في البلاد. قبل الحرب، كانت حمص ثالث أكبر مدينة في سوريا بعد حلب ودمشق، وكانت تعرف بكونها مركزا اقتصاديا وصناعيا. كانت مدينة حمص متنوعة بسكانها، ففيها غالبية سنّيّة ونسبة لا بأس بها من الأقليات العلوية والمسيحية 7، بدأت هجرة العلويين إلى حمص منذ 20 – 30 سنة، حين بدأ العلويون في القرى والبلدات المجاورة الانتقال للمدينة. تجمع السكان الجدد بداية في الطرف الجنوبي-الشرقي من المدينة وكونوا أحياء ذات غالبية علوية، على الرغم من أن ديناميكية الأغلبية-الأقلية لم تكن ديناميكية عدائية في ذلك الوقت 8. تواجد المسيحيون كأقليات في عدة أحياء، وشكلوا غالبية في حي الحميدية قرب وسط المدينة.

وبعيدا عن الديناميكيات الاجتماعية الكامنة وراء هيكل السلطة في سوريا، لم يكن هناك سوى القليل من الدلائل الواضحة عن الانقسام الطائفي بين سكان حمص قبل الحرب. على اختلاف انتماءاتهم، عمل السكان وعاشوا وتفاعلوا فيما بينهم في مدينة تعددية، وهذا ما أكده العديد من الأشخاص ممن أجريت معهم المقابلات. على سبيل المثال، عندما طلبنا من شخص اسمه إبراهيم أن يصف حيه الذي يدعى البياضة قبل الحرب، قال:

“ قبل المشاكل كنا نحن والعلويين ما كنا نفكر بين مسيحي أو كردي ولا بين شيعة ولا بين سني. كنا نحتفل مع الاكراد. كنا نحتفل مع المسيحي على العيد. كنا مشتركين. في رمضان نحن صمنا وجيراننا المسيحيين أو العلويين ما يأكلون أو يشربون امامنا، كنا نحترم بعضنا.

الناس كلهم تغيرت، الإنسان بيكره الإنسان، الجار بيكره جاره، حتى السني بين بعضهن يكره بعض .

قبل المشاكل كانت فرحتنا واحدة، ونحزن مع بعض. مع وفاة عند بيت علوي الكل يحضر بالوفاة ونحزن عليه وكان جار عزيز نبك عليه لو علوي، مسيحي أو كردي، ما في اي مشكلة مع الطائفة. كانت الحياة بسيطة. لا أحد يفكر في الأمور السياسية. إذا جار ما شفته يومين اسأل عليه شو ما يكون مسيحي او علوي او شو ما كان. إذا جار عنده صعوبة بدفع الاجار نساعده، من الجيران كلهم نجمع، شو هي المصاريف “ .نجمعها ولا نقبل ينقص شي. مو على جيلنا على جيل لقبلنا 9 وأكثر من ذلك، كان من الصعب على طالب غادر حمص قبل بداية النزاع لدراسة القانون في دمشق، أن يتذكر الخلفيات الدينية لأصدقائه فهو لم يحاول حتى أن يسألهم. مهند، مهجر من حي القرابيص قال: “لم يكن هناك انقسامات طائفية بين الشيعة مقابل السنة، كان اللباس نفسهة ”.وننظر نفس الشيء خاصة مع النساء لتلبس الحجاب، تماما مثل النساء السنة. لم يعلم الناس بالانقسام الطائفي والاختلافات العرقي

على الرغم من وجود هذا التسامح بين الجيران، لكنه لم يكن ينطبق على الحكومة السورية. حتى قبل اندلاع انتفاضة 2011 ، كان الكثير من سكان حمص غير راضين على مبادرة إعادة التطوير التي أُطلق عليها اسم “حلم حمص” والتي قادها محافظ حمص آنذاك إياد غزال. بدأ مشروع حلم حمص بتهجير السكان من أحياء مزدحمة في وسط المدينة وجنوب غربها بما فيها منطقة بابا عمرو، جوبر وكفرعايا من أجل بناء مجموعة واسعة من ناطحات السحاب الزجاجية الحديثة ومراكز التسوق . ترافق المشروع بحملة مصادرة أراضي وإخلاء بدأت عام 2009 ، وعلى الرغم .من الحملة التجارية اللامعة، فإنه لم ينل شعبية كبيرة. أطلق سكان حمص على هذا المشروع اسم «كابوس حمص»

حقيقة أن مخطط مشروع “حلم حمص” الكبير لم يقترب من الحارات التي يسيطر عليها العلويون تدفع نحو الاستنتاج بأن مشروع إعادة التطوير الحضري هذا صمم ليغير التركيبة الديمغرافية لمدينة حمص . خلال الأيام الأولى للاحتجاجات في سوريا -قبل أن تدفع حملات القمع الحكومية العنيفة المحتجين عبر البلاد لتوحيد المطالبة بإسقاط النظام- كانت المظاهرات في مدينة حمص تنادي لإقالة إياد غزال.

الاحتجاجات والعنف

مع اجتياح الربيع العربي لشمال أفريقيا، وسقوط الأنظمة الاستبدادية، كان لدى حكومة الأسد الوقت الكافي للتخطيط. قبل انطلاق أولى المظاهرات في سوريا بفترة طويلة -قبل خروج أهالي درعا في احتجاجات ليطالبوا بإطلاق سراح أبنائهم المراهقين المخطوفين- أرسلت دمشق رسائل إلى ضباطها العسكريين في حمص ليحضّوا لهجمات من قبل عصابات سنّيّة إرهابية . سعت الحكومة، من خلال خلق رواية التهديد الطائفي، إلى تقويض أية مطالب شرعية وسلمية وديمقراطية للمحتجين. وبناء على ذلك، ردت الحكومة السورية على المظاهرات السلمية في سوريا بعنف منذ البداية. بمرور الوقت دفع العنف المتصاعد بعض المتظاهرين لتنظيم وتسليح أنفسهم، يقودهم منشقون من الجيش السوري.

خرج سكان حمص في احتجاج سلمي في 18 آذار 2011 بعد أسابيع قليلة من بداية التوتر في مدينة درعا الجنوبية. كانت أكبر تظاهرة وأكثرها حماسا تلك التي جرت في وسط المدينة قرب جامع خالد ين الوليد وساحة الساعة الجديدة والتي ساهمت بإطلاق اسم “عاصمة الثورة” على مدينة حمص. سرعان ما حشدت أجهزة أمن الدولة رجالا علويين للرد على المظاهرات المناهضة للحكومة، لتقوم بإرسالهم في مظاهرات مضادة ضمن الأحياء السنية، وتشجيع الخطاب الطائفي. وأصبحت منطقة الزهراء، وهي أكبر تجمع علوي في حمص، بؤرة لميليشيات الشبيحة الداعمة للحكومة. لم تكن مصادفة أن أحد الأشخاص الذين قابلناهم هو أحد سكان تلك المنطقة وكان قد غادر حمص في بداية الأحداث عام 2011 . قال رامي أنه قد هرب بسبب تعرض عائلته للمضايقات من قبل العلويين. “عندما بدأت الثورة بدأ جيراننا يعاملوننا كأعداء … لا أستطيع أن أتصل مع أصدقاء لبعدن هناك. حتى أصدقائي العلويين تحولوا ضدي قائلا إنني إرهابي غير مرغوب فيه .”

لم ينسَق جميع العلويين فورا وراء رواية الحكومة الطائفية، لكن كل ذلك تغير بعد العدد الكبير من الاغتيالات الطائفية التي دفعت بمجتمع حمص العلوي للتجمع حول النظام. في نيسان 2011 تم قتل العميد عبدو التلاوي بوحشية بالإضافة لابنيه وابن أخيه في حي الزهراء، وتم عرض جثثهم المشوهة عبر الإعلام عبر الإعلام 16 . وفي 17 تموز، وجدت ثلاث جثث أخرى لشبيحة علويين مشوهة ومرمية في منطقة مهجورة. ردا على ذلك، ثار علويو حمص وخربوا وحرقوا محلات السنة وقتلوا ثلاثة أشخاص 17 . استمر الوضع بالتفاقم خلال 2011 ، فكان هناك مظاهرات واعتقالات وحملات قمع عنيفة من ضمنها عدة عمليات تطهير كبيرة في أيار وتشرين الثاني استخدمت فيها الحكومة الدبابات 18 . كانت الدلالات الطائفية موجودة طيلة فترة التصعيد في حمص.

في عام 2012 ، وصل العنف في حمص إلى مستوى جديد. كان حي بابا عمرو المضطرب والذي كانت تسيطر عليه قوات المعارضة المسلحة في ذلك الوقت، أحد أول الأماكن التي شهدت استخدام القوة المفرطة من الجيش السوري. في الرابع من شباط 2012 ، وصل النزاع لمرحلة جديدة في حمص حيث أطلقت الحكومة السورية حملة عسكرية كبيرة ضد عدة أحياء من مدينة حمص، ويقال إن عدد الضحايا بلغ أكثر من مئتي شخص قتلوا على حد سواء 20 . خلال الحصار الوحشي تعرضت بابا عمرو للهجوم بالدبابات، الهاون ونيران القناصة. استمر الاعتداء حوالي شهر قبل أن يقوم مقاتلو المعارضة-الذين كانوا يتشكلون حينها من عناصر منشقة عن الجيش السوري-بالاستسلام. بين مئات الضحايا المدنيين كان هناك مراسلون أجانب مثل ماري كولفين وريمي أوشليك، واللتان قتلتا في هجوم استهدف المركز الإعلامي 21 . في اليوم الذي سبق مقتلها، قالت ماري كولفين في مقابلة أجريت 22معها “إن قوات الحكومة تقصف المدنيين بلا رحمة أو مسؤولية ”.

وصف تحليل لمنظمة هيومن رايتس ووتش بذات الطريقة شدة الهجمات التي استهدفت المناطق المدنية من بابا عمرو ورفض الحكومة السماح للمدنيين بالخروج الآمن من المنطقة 23 . تحولت معظم الأبنية في الحي إلى دمار بحلول شهر آذار 2012 ، حين استعادت القوات السورية السيطرة 24 . أصبح استخدام الحصار واستهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية فيما بعد أهم ثلاث وسائل تتبعها الحكومة لإجبار المدنيين على الخروج من حمص وباقي المناطق المدنية التي يسيطر عليها الثوار في البلاد. أثناء حصار وتدمير بابا عمرو وحدها، تم تهجير ما .يقارب خمسين إلى ستين ألف شخص 25

لم يكن سقوط بابا عمرو في آذار 2012 نهاية القتال في حمص. في الأشهر التالية اندلع القتال في عدة أحياء من المدينة. في شهر آب، وثق لأول مرة استخدام البراميل المتفجرة ضد أحياء مدينة حمص 26 . في هذه الأثناء، ارتكبت ميليشيات الشبيحة الموالية للحكومة عدة مجازر كبيرة ضد المدنيين. كانت أهم هذه المجازر وأكبرها مجزرة كرم الزيتون والتي راح ضحيتها حوالي 47 شخص تم إعدامهم في 11 – 12 تشرين الأول. وصف شهود عيان ممن نجو من المجزرة كيف طوق الرجال الحي لمنع هروب السكان قبل ارتكابهم للمجزرة. تم اغتصاب النساء وحرق الأبنية وقتل عائلات بكاملها داخل منازلها 27.

يبد و أن و حشية الجرائم كما وصفها المشاركون كانت قد صممت لتخويف السكان وإجبارهم على الهرب. وصف إبراهيم من حي البياضة الطبيعة الطائفية لهذه الجرائم: “اغتصبوا النسوان وقتلوا الاطفال. والله العظيم قتلوهم بالسكاكين وكتبوا على رأسهم يا حسين. كانت امرأة حامل 7 أشهر قتلوها بالسكين وأخدوا الولد من بطنها وكتبوا على جبينه “يا حسين”. متل بالأفلام الرعب.” 28 لم تكن هذه المجازر عشوائية بحسب طارق من حي دير 29بعلبة: “منذ اول المجازر، كانت الإرادة لتغيير الديموغرافيا واضحة يقتل الناس من طائفة معينة في مناطق معينة.”

التهجير

.أطلق العنف المستخدم في النصف الأول من 2012 موجة التهجير الرئيسية الأولى، حيث خرج الآلاف من الأحياء السنية المضطربة في المدينة 30 بالإضافة للمجازر المشار إليها، تعرضت الأحياء لقصف يومي بالأسلحة الثقيلة بما في ذلك قصف الدبابات، وتعرض الناس للاعتقال والمضايقات وتم إجبار البعض على المغادرة من قبل القوات الموالية للحكومة. أحد المشاركين في البرنامج، طارق من حي دير بعلبة قال إن أكثر الناس الذين كانوا يعيشون هناك هربوا عندما استعادت قوات الحكومة السيطرة على المنطقة بداية 2012 ، لكن حوالي 250 – 300 شخص رفضوا المغادرة، “اعتقدوا أن النظام لم يكن بربريا كفاية لقتل الأبرياء الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات والذين كانوا يعملون معه ». بحسب طارق، تم قتل كل الذين بقوا هناك على أيدي ميليشيات الشبيحة الموالية للنظام في مجزرة في نيسان 31.2012 تم توثيق روايته من مصادر مستقلة 32

في هذه الأثناء، قامت قوات الحكومة والميليشيات الموالية بشكل متكرر بخطف النساء والاطفال والرجال واغتصابهم في مدينة حمص أثناء الهجمات. رولا، إحدى المشاركات من حي الحمراء بحمص وصفت كيف استخدم النظام النساء كسلاح حرب 33 . قالت رولا إن الخوف من اغتصاب الميليشيات كان سببا رئيسيا لهروب العديد من النساء اللاتي كانت تعرفهن من حمص. كانت الأدلة على استخدام هذا العنف الجنسي كجزء من سياسة منهجية للتخويف والتعذيب قوية جدا لدرجة أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان والخاصة بالجمهورية العربية السورية وجدت أنه يمكن ملاحقة جرائم الاغتصاب هذه “كجرائم ضد الإنسانية.” 34

بحلول شهر حزيران 2012 ، كانت الحكومة قد أخلت واستولت على أجزاء كبيرة من أحياء بابا عمرو، كرم الزيتون، جب الجندلي، عشيرة، المريجة، دير بعلبة والبياضة 35 . معظم هذه الأحياء مجاورة لأحياء علوية. تشير دراسات أجريت على السكان العلويين أنهم كانوا يشعرون بالصدع الطائفي وكانوا مدركين تماما لأهداف هذا التهجير 36 . يقول رجل علوي في حي الزهراء نقلا عن رويترز: “المناطق السنية فارغة، على الأقل تلك التي طالبت بالحرية.” 37

كان هناك نهب وسرقات من قبل الميليشيات الطائفية الموالية للحكومة حتى في المناطق التي لم تدمر منازلها. على سبيل المثال، في قرية الحاصوية شمال منطقة القصور حيث بقيت المنازل بدون تدمير، لا يشعر سكانها الذين هربوا منها بسبب المجازر أن بإمكانهم العودة وذلك بسبب السرقات. زاهر، أحد سكان الحاصوية السابقين قال: “لا الحي مو متضرر الناس طلعت منه بسبب الخوف بعد المجزرة يعني مو من القصف. يعني الابنية موجودة مو مهدمة بس كل شي داخل البيوت مسروق مافي اغراض بنوب 38 .” يصف سكان سابقون لمناطق أخرى لم تدمر أغلب منازلها كالزهراء الوضع ذاته. يقول طارق من حي دير بعلبة المجاور: “كان يقول النظام أن الإرهابيين يعيشون هناك وأخذوا جميع الاشياء الثمينة بدون عقاب.” 39

كان النهب شديدا، وفي حالات عديدة تم تجريد المنازل حتى من الأنابيب والأرضيات، مما جعلها غير قابلة للسكن. البضائع المسروقة كانت تباع في “أسواق السنة” في الأحياء العَلوية في المدينة، والتي سميت أحيانا بأسماء المجتمع الذي سرقت منه. علاء، من حي الخالدية وصف العنف المستمر 40والسرقات وقال: “النظام عم يمنع اعادة الناس إلى المدينة … هذا كل بيبين ان في نشاط لتغيير ديموغرافيا مدينة حمص.”

في تموز 2012 ، قامت الحكومة باستخدام هذا التكتيك في باقي الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة حيث استمرت المقاومة في الأماكن التي تجمّع فيها العديد ممن هربوا من المجازر السابقة. بدأت القوات الموالية للحكومة بفرض حصار على الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة في وسط المدينة والشمال، بما فيها: المدينة القديمة، الخالدية، القصور، القرابيص وجورة الشياح. بدأت عمليات الإغلاق في شرق المدينة حيث كانت قوات الحكومة قد أحكمت السيطرة على المناطق المجاورة لها مثل باب السباع وجب الجندلي. وازدادت القيود حتى باتت نقطة الوصول الوحيدة عبر جورة الشياح إلى الوعر في الشمال الغربي طريقا خطرا 41 . خلق هذا جيبا محاصرا في المكان الذي كان سابقا وسط حمص المكتظ بالسكان.

مع مرور الوقت تم استنزاف السكان الذين بقوا في المنطقة بعد انخفاض الظروف المعيشية بسبب الحرمان والمعارك التي أجبرت مزيدا من العائلات على المخاطرة بحياتهم والهرب. بعد مرور سنة، استولت قوات الحكومة على قسم كبير من الخالدية وجورة الشياح. أدى ذلك لقطع الطريق الوحيد إلى الوعر ووضع المدينة القديمة، القصور، والقرابيص تحت حصار شديد في نهاية تموز 2013 بوجود ما يقارب 3500 شخص تحت الحصار 42 . تجدد القتال في نهاية 2013 ، وبحلول عام 2014 كانت الظروف الإنسانية للمدنيين العالقين في الجيب المحاصر قد ساءت للغاية، فلم يعد هناك عناية طبية، أو ماء نظيف، أو طعام أو كهرباء.

نقل السكان

بدأت سلسلة من المفاوضات متعددة الاطراف بين قوى المعارضة والحكومة، بوساطة إيرانية وروسية ورقابة الأمم المتحدة. أدت هذه المفاوضات للاتفاق على نقل المقاتلين والمدنيين الذين تبقوا إلى خارج المدينة. في الفترة ما بين 7- 9 شباط 2014 ، بدأ إخلاء المنطقة المحاصرة في وسط المدينة خلال سلسلة نقل إجباري للسكان. أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية )موئل( صدر في حزيران 2014 أن هناك 100 شخص فقط لم يتم تهجيرهم 43 . على الرغم من أنها سميت أحيانا “عمليات إجلاء”، إلا أن هذا النوع من الصفقات هو في واقع الأمر عمليات استسلام قسرية تجرى بالإكراه، حيث لا يكون أمام السكان المحاصرين سوى الاستسلام أو الموت. وصف مهند، أحد المشاركين في هذا المشروع، عمليات النقل القسري قائلا: “اضطر الناس إلى الفرار، نزح الناس مع ثيابهم على ظهرهم.” 44 استمر المدنيون الذين تم تهجيرهم ضمن اتفاقية حمص واتفاقيات أخرى مشابهة في مواجهة العنف الموجه والقمع حتى بعد مغادرتهم لأحيائهم، وقلة قليلة فقط سمح لهم بالعودة.

بوجود مراقبين للأمم المتحدة، تم تعبئة المقاتلين والمدنيين في باصات خضر حكومية ونقلهم إلى الوعر أو إلى الريف الشمالي لحمص. ما زالت منطقة الوعر والريف الشمالي لحمص تحت حصار القوات الموالية للحكومة حتى اليوم. منذ ذلك الوقت تحولت هذه الباصات الخضراء إلى رمز سيء السمعة لاستراتيجية الاستسلام أو التجويع والنقل السكاني الإلزامي المتبعة من الحكومة.

أثارت مشاركة الأمم المتحدة في اتفاقية حمص والتهجير القسري للسكان جدلا كبيرا. شعر العديد من سكان حمص المهجرين بأن مشاركة الأمم .المتحدة تمثل تواطؤا مع جهود الحكومة لتهجير السكان السنّة. “كنا نتمنى لو قدّموا لنا الغذاء بدلا من ذلك،” قال أحد سكان القرابيص 45 “مش مفروض للأمم المتحدة أن يكون لها دور في تغيير الديموغرافية لمدينة، بل دورها في مساعدة المدنيين،” قال شخص آخر من جورة .الشياح 46

واجهت الأمم المتحدة انتقادات خاصة لفشلها في حماية أولئك الذين أجبروا على المغادرة في ظل الاتفاقية، حيث أن الحكومة السورية اعتقلت المئات ممن تم إخلاؤهم أثناء “فحصهم” 47 . تشير التقارير إلى أنه تم تعذيب بعض هؤلاء الأشخاص وقتلهم 48 . أطلق سراح العديد منهم ولكن .ليس جميعهم. أعيد اعتقال بعض ممن أخلي سبيلهم على الحواجز الحكومية 49.

يبدو بأن النازحين يتشاطرون الافتراض الزائف بأن وجود الأمم المتحدة يؤمن لهم مستوى من الحماية من انتهاكات الحكومة. وجد تقرير لمجموعة الحماية العالمية في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن لدى الجهات الفاعلة في الشأن الإنساني خوفا من أنه “لم يتم إبلاغ الناس بشكل صحيح عن ظروف الإخلاء الإنساني، وربما أخطأوا فهم وجود الجهات الفاعلة في الشأن الإنساني، بما فيها الأمم المتحدة، كطرف ضامن لحمايتهم الأمر الذي كان بعيدا كل البعد عن الواقع 50 ”. كنتيجة مباشرة لهذا السيناريو، وضعت مفوضية شؤون اللاجئين وثيقة “المعايير الدنيا للمشاركة في عمليات الإجلاء الإنساني المشترك بين الوكالات 51 ” في محاولة لضمان التزام جهود وكالات الأمم المتحدة المستقبلية بالقوانين الإنسانية الدولية وقوانين حقوق الإنسان. لسوء الحظ، لم تتضمن الوثيقة سوى القليل من المبادئ التوجيهية العملية للوضع المعقد في سوريا وفشلت في تحسين ممارسة عمليات الانتقال القسري وإجراء تغييرات ملحوظة في دور وكالات الأمم المتحدة في هذه العمليات. كان أحدث الأمثلة ما جرى في شرقي حلب والذي يماثل تماما ما حصل في حمص قبل عامين.

الآثار

بعد النقل القسري ونهاية الحصار، سمحت الحكومة السورية للسكان النازحين بالقرب من وسط المدينة بدخول الأحياء المدمرة لوقت قصير لزيارة منازلهم وجمع ممتلكاتهم. استطاع بعض المشاركين في المشروع أو معارفهم زيارة منازلهم. إن إمكانية الزيارة القصيرة هذه ومشاهدة الدمار كانت بمثابة عامل الإثبات الأخير لهم أنهم لن يستطيعوا العودة أبدا. “سمح للناس بالعودة لرؤية المنازل فقط ولكن في الحقيقة شاهدوا .الدمار”، هكذا وصف مهند الوضع 52

يصف تقييم موئل الأمم المتحدة للأحياء المدمرة بعض المخاوف من هذه العملية. وتجدر الإشارة إلى أنه إن أراد السكان استعادة ممتلكاتهم فإن عليهم التقدم بطلب لدى مكاتب الشرطة المحلية وإبراز وثائق ملكية. مع ذلك، يشير موئل الأمم المتحدة أنه لم يكن هناك تحقق فعلي من وثائق الملكية خلال عمليات تقديم الطلبات 53 . هذا يعني أن الحكومة استخدمت موافقات الشرطة كوسيلة لفحص الأشخاص بدلا من فحص وثائق الملكية، مما أثار قضايا حماية خطيرة ستناقش بالتفصيل لاحقا في التقرير. عمليات كهذه تحرم أولئك الذين لا يستطيعون العودة إلى حمص أو لم تعد وثائق الملكية بحوزتهم من حقوقهم.

منذ عام 2014 ، سمح لمجموعة صغيرة من سكان حمص النازحين بالعودة للسكن في أحياء محددة مثل القصور، القرابيص والحميدية. حي الحميدية ذو الأغلبية المسيحية هو أحد الأحياء القليلة التي سمح للناس بالعودة إليها وهو أيضا من أوائل الأحياء التي تمت معالجة وضعها عن طريق مشاريع إعادة التأهيل المدعومة من قبل الأمم المتحدة، الأمر الذي عزز من الاستياء الطائفي بين النازحين. لا تزال أحياء أخرى كحي بابا عمرو والخالدية مدن أشباح كاملة ولا يزال الوصول إليها محدودا. يقول طارق من دير بعلبة: “إذا حدا رجع وقال هذا البيت النا. يقول 54 بدنا تصريح من الحكومة. لا يجرؤ على طلب بعد الآن.”

استمر اضطهاد الحكومة للمواطنين الذين نزحوا من وسط حمص لمناطق أخرى ضمن المحافظة. مثال واضح عن ذلك هو حي الوعر. حي الوعر هو منطقة حديثة في الضواحي الشمالية الغربية لمدينة حمص. قبل الصراع، كانت منطقة سكنية غنية بالإضافة لكونها موقعا لبعض المكاتب الحكومية. أثناء النزاع، هرب المزيد من سكان وسط حمص إلى الوعر، وغادرها أغلب سكانها الأصليين فتحولت إلى منطقة للنازحين داخليا.

في البداية، هرب الناس من أحياء وسط حمص إلى حي الوعر القريب لانتظار نهاية العنف، اعتقادا منهم أنهم سيعودون إلى منازلهم. لكن بعد خضوع وسط حمص لحصار جزئي عام 2012 ، أصبح حي الوعر طريق الهروب الرئيسي للمواطنين الهاربين ومقاتلي المعارضة على حد سواء. بدءا من تشرين الثاني 2013 ، قطعت قوات الحكومة والميليشيات المرتبطة بها الطريق المتبقي بين الوعر ووسط المدينة بالإضافة للمداخل الخارجية، مما وضع حي الوعر تحت حصار كامل بوجود أكثر من مئة ألف شخص محاصر في داخله 55 . هرب العديد من مدينة حمص إلى المناطق الريفية في الريف الشمالي للمحافظة، ووضعوا أيضا تحت الحصار. يبدو أن الهدف النهائي لهذا الحصار كما هو الحال بالنسبة لأي حصار آخر هو تخفيض عدد السكان وتهجيرهم.

في بعض الحالات، تبع الاضطهاد حتى أولئك الذين هربوا إلى أماكن أخرى من البلاد. ويصف تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة كيف قام الجيش السوري في نيسان 2013 بقصف بلدة تدعى دير عطية في ريف دمشق الشمالي حيث ذهب الكثير من أهل حمص ليعيشوا بأمان. هددت الحكومة البلدة بأن القصف سيستمر إذا لم يغادرها أولئك النازحون. كنتيجة لذلك، أبلغ مكتب البلدية في دير عطية النازحين أن “ أمامهم أربعة أيام للمغادرة قبل سحب حصتهم من الخبز »،56 مما أجبرهم على الهرب مجددا. واعتبرت لجنة حقوق الإنسان هذا العمل جريمة ضد الإنسانية. ووصف رامي، من حي الزهراء في حمص، سلسلة من عمليات النزوح قبل أن يهرب إلى الأردن في نهاية المطاف، “بعد توجهنا إلى الريف، زاد القصف أكثر وتابعنا الهرب لمناطق أخرى لكنها ايضا تعرضت للقصف 57 .” كما هو الحال بالنسبة للحصار، يبدو أن هذا الاستهداف المتواصل لسكان حمص حتى بعد هروبهم من منازلهم مصمم ليخرجهم في نهاية المطاف من البلاد ويمنع عودتهم.

مناقشة

الأمم المتحدة، إعادة التأهيل، حقوق المهجرين

منذ أن تم نقل آخر سكان مدينة حمص القديمة، بدأت وكالات مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين جهود إعادة التأهيل في بعض الأحياء المدمرة بدعم من الدول المانحة وبالتعاون مع السلطات الحكومية السورية المحلية هناك شفافية قليلة بخصوص اختيار الأحياء المستهدفة في جهود إعادة التأهيل الأولية، لكن من المفترض أن الحكومة السورية تتمتع بسلطة كبيرة في اختيار هذه المواقع وأنواع المشاريع، كونها تسيطر على الوضع الأمني في المنطقة. إن اختيار حي الحميدية المسيحي كأول موقع تتم إعادة تأهيله عززت هذه الفكرة لدى العديد من المراقبين 58 . قال أحد المشاركين في البرنامج ممن ما زال أقاربهم يعيشون في حمص أن إعادة تمهيد الطرقات الواصلة إلى عدة مناطق في وسط المدينة قد بدأ، لكن قد تم تجاهل حي باب هود الاستراتيجي، والذي كان سابقا معقلا للمعارضة، لأسباب مجهولة. تعزز هذه الاختيارات فكرة أن الحكومة تستخدم عملية إعادة التأهيل لمتابعة خطتها في التغيير الديمغرافي لمدينة حمص وحرمان النازحين السنّة خاصة من حقوقهم وتحول التخطيط العمراني إلى سلاح حرب.

وفي شهر آب 2016 بدأت جهود ممولة من قبل الأمم المتحدة لإزالة الرّكام من حي جورة الشياح في وسط مدينة حمص. أخلت الحكومة السورية حي جورة الشياح خلال ما يقارب سنتين من الحصار، وتظهر صور الأقمار الصناعية أن كل أبنية المنطقة مدمرة بشكل جزئي أو كامل. كان الحي جزءا من الاتفاقية الأخيرة التي جرت بوساطة الأمم المتحدة لنقل السكان عام 2014 والتي تم من خلالها تهجير السكان المحاصرين قسريا من المدينة.

لا يبدو أن هذا العمل يتضمن جهودا لضمان حقوق الأصحاب الأصليين للمنطقة. لم يتم الاتصال بأي من المهجرين الذين تواصلنا معهم في هذه الدراسة من قبل وكالات أو منظمات بخصوص الأملاك التي خلفوها وراءهم. في أيار 2016 ، وحين سئل ناطق باسم اللجنة الدولية للصليب .الأحمر في دمشق عن مكان تواجد الناس الذين فروا من مدينة حمص أجاب “ليس لدينا أية فكرة.

إن التعاون مع الحكومة السورية في إعادة تأهيل المناطق التي دمرت عمدا من أجل تهجير أهلها المدنيين يثير شكوكا أخلاقية خطيرة. ينطبق هذا الأمر على شدة وحجم انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة وجرائم الحرب المرتكبة من قبل الحكومة لمتابعة عمليات التهجير. إن التمويل الدولي والدعم لإعادة الإعمار في مناطق كمناطق حمص القديمة يشكل “عوائدا لجرائم الحرب” مما يسمح للحكومة السورية بالاستفادة من جرائمها بدلا من تحميلها مسؤولية ارتكاب هذه الجرائم. عندما زارت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مدينة حمص في نهاية عام 2014 ، أخبرهم محافظ حمص الحالي أنه “لا يجب تحميل الحكومة وحدها مسؤولية إعادة الإعمار، بل ينبغي على المجتمع الدولي تحمل هذا العبء أيضا 60 .” أكدت رئاسة البعثة التزامهم بالعمل مع الحكومة من أجل إعادة ترميم مدينة حمص. في احتفال لإطلاق أحد مشاريع إعادة الإعمار المدعومة من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قال وزير الإسكان السوري أن هذا المشروع وغيره سيعيد إعمار “المناطق التي دمرها الإرهاب” 61 في حين أن الحي المعني كان قد دمر بشكل كبير بسبب قصف الحكومة له خلال حصار حمص القديمة.

كنتيجة لهذا الدعم غير المشروط باتت الحكومة تعرف أنه يمكن لها ارتكاب جرائم الحرب هذه، وأكثر من ذلك، بات هناك ما يشجعها على ارتكابها. على بعد ميلين فقط من جهود إزالة الأنقاض التي قام بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في جورة الشياح، لا يزال عشرات الآلاف من .المدنيين في منطقة الوعر يعانون من هجوم الحكومة والحصار.

كما أن التعاون مع جهود إعادة التأهيل التي تقوم بها الحكومة السورية يثير أيضا مخاوف عملية مهمة حول مستقبل سوريا. ونظرا لنطاق النزوح الكبير في سوريا، فإن حقوق السكن والأرض والممتلكات ستكون مواضيع مهمة في أية مفاوضات مقبلة حول السلم الوطني، بالإضافة لعمليات المصالحة والعودة إلى الوطن. إن مساعدة الأمم المتحدة للحكومة السورية في إعادة تأهيل أحياء كجورة الشياح بدون النظر في حقوق السكان الأصليين )غالبا من السنة( تعني أن وكالات الأمم المتحدة قد تعمق من دون قصد الانقسامات الطائفية، وتشرع جرائم الحرب وتلغي أي أمل في عودة الكثير من السكان الأصليين.

من الواضح أن الوكالات الإنسانية لا تحاول الاضطلاع في مشاريع تطبيع جرائم الحرب أو تقويض جهود المصالحات والعدالة الاجتماعية المستقبلية. إن إعادة الإعمار، إعادة المواطنين، إعادة الدمج والمصالحات هي عمليات معقدة جدا في سيناريوهات ما بعد الحرب. تواجه الوكالات التي تعمل في سوريا مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عقبات هائلة ويجب ان تعالج أولويات متعددة وغالبا متعارضة في عملهم.

هذا يعني أنه يجب على هذه الوكالات أن توازن بين المكاسب الاجتماعية قصيرة الأجل في مساعدة أولئك الذين ما زالوا في المنطقة، بما قد يترتب على قراراتهم من آثار طويلة الأجل على المهجرين وإمكانية تحقيق السلام في البلد.

ومع الاعتراف بأن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالات أخرى تواجه تحديات معقدة في أماكن مثل حمص، فإن هذا لا يعفي تلك الوكالات من مسؤوليتها في معالجتها. وكما أوضح تقرير لحلول النزوح بشأن دور حقوق الأراضي في عملية السلام في ميانمار: «إذا لم يتم الاعتراف الكامل بحقوق اللاجئين أو المهجرين داخليا في العودة إلى ديارهم الأصلية بعد النزاع، فإن الأثر المتبقي للصراع ”.المعني قد لا يتبدد يشكل كامل، مع حقوق )السكن والارض والممتلكات( التي لم يتم حلها والمطالبات التي تشكل الأساس لتجدد الصراعات 63 إن الجهود التي بدأت في مدينة حمص قد تسبب الضرر أكثر من النفع من خلال تعزيز المظالم والانقسامات التي تؤدي إلى الصراع في المستقبل.

وتظهر تحليلات وكالات الأمم المتحدة المتاحة علنيا أن الأمم المتحدة على بينة من بعض القضايا العديدة المحيطة بإعادة إعمار مدينة حمص. مع ذلك فإنهم فشلوا في معالجة الهم الرئيسي للأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات: الحماية من السلطة. في حين استطاع بعض الذين تم تهجيرهم من الأحياء المستهدفة إيجاد مأوى في الأحياء التي تسيطر عليها الحكومة، فإن معظمهم قد غادر المدينة كليا. لم يستطع فريق الباحثين في هذا المشروع إيجاد إحصائية موثوقة للسكان المهجرين من مدينة حمص لاستعمالها لتطوير فهم خاص بأحوال هؤلاء الناس وآرائهم. بناء على المعلومات التي قدمها المشاركون في هذا المشروع -والذين لم يصفوا فقط تجاربهم الشخصية بل تجارب أسرهم وجيرانهم أيضا- فإن جزءا كبيرا من السكان المهجرين يخشون من الاضطهاد إذا ما عادوا.

ولهذه الحقيقة آثار خطيرة على مستقبل حمص، وعلى جهود الوكالات الدولية العاملة في المنطقة. ولا تكفي جهود إعادة البناء المادي وحدها لمعالجة هموم الحماية الأساسية. هذه الجهود لا تفعل شيئا للمساعدة في إعادة بناء الثقة وتجديد التماسك الاجتماعي الضروري للاستقرار في المستقبل. إن الجهود الحالية التي تبذلها السلطات السورية في مجال حقوق الإسكان والأراضي والممتلكات، تفشل تماما في مقاربة المعايير .الدولية، بل إن بعضها قد يصل إلى حد جرائم الحرب 64

تصف مبادئ الأمم المتحدة )بينهيرو( بشأن إعادة الإسكان وإعادة الممتلكات للاجئين والنازحين التي تضع المعايير الدولية لسلطات الدولة أيضا الأدوار والمسؤوليات المعيارية للمجتمع الدولي. ومن بين هذه المعايير ينبغي على هذه الوكالات أن تعزز حقوق السكن والأرض والملكيات وإعادة الحقوق والعودة الطوعية والآمنة، وينبغي للمانحين أن يأخذوا بعين الاعتبار بشكل كامل الحظر الدولي للتهجير غير القانوني وعمليات الطرد 65 . وإذا قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالات أخرى بأعمال إعادة الإعمار دون اي اعتبار للمهجرين، فإنهم يفشلون في الوفاء بالتزامهم ب «عدم الإيذاء »، وربما يقوضون طريق البلاد نحو السلام.

المبررات القانونية والبيروقراطية

إلى جانب بدء جهود إعادة التأهيل التي تدعمها الأمم المتحدة، أصدرت الحكومة السورية قوانين ومراسيم إدارية جديدة لمحاولة تبرير بعض أعمالها في حمص. وقد صممت هذه السياسات المتعلقة باستخدام الأراضي وحقوق الملكية والإجراءات البيروقراطية لضمان أن الحكومة تستطيع أن تقرر من يعود إلى الأحياء التي تختارها، بحيث تغير هندسة التركيبة الديمغرافية المستقبلية لمدينة حمص.

فعلى سبيل المثال، أصدر الرئيس بشار الأسد في أيار 2016 مرسوما قانونيا برقمنة سجلات الملكية 66 . ونظرا لتدمير وتزوير سجلات الملكية على نطاق واسع )الموصوف في القسم التالي(، فإن سجل الملكية الرقمي الجديد سيؤدي إلى محو جميع سجلات الماضي بصورة دائمة، مع إضفاء الصبغة الرسمية على الاستيلاء على الممتلكات بطريقة تجعل التراجع عنها مستقبلا أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا. وبدلا من أن يمثل هذا النوع من السياسات جهدا حقيقيا للسماح للمهاجرين باستعادة الممتلكات والعودة إلى منازلهم، فإنه يدعم جهود الحكومة في مجال الهندسة الديمغرافية ويساعد على توطيد سلطتها. وتساعد هذه السياسات أيضا على توفير غطاء من الشرعية حول مبادرات إعادة البناء وإعادة التطوير، مما يجعلها مقبولة لدى الجهات الفاعلة الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تدعم جهود الحكومة لإعادة الإعمار.

إن استخدام الحكومة السورية للتشريع لتبرير وإضفاء الشرعية على استراتيجيتها للهندسة الديمغرافية لا يقتصر على مسألة حقوق الملكية. في مثال آخر، أنشأت الحكومة محكمة جديدة خاصة “لمكافحة الإرهاب” عام 2012 قدمت مبررات واهية لاحتجاز نشطاء حقوق الإنسان والمتظاهرين الديمقراطيين وإدانتهم وإعدامهم 67 . وفي المراسيم والتوجيهات التشريعية ذات الصلة، قامت الحكومة بتشريع الاستيلاء على ممتلكات هؤلاء المعتقلين 68 . استخدمت هذه التبريرات كجزء من جهود الحكومة لتعزيز سيطرتها، وغرس الخوف وتهجير السكان غير المرغوب فيهم بشكل دائم. في الوقت نفسه، هناك آلاف السوريين ممن “اختفوا قسرا” ولم يتم الاعتراف باعتقالهم على الإطلاق.

في آب 2015 ، أعلنت الحكومة السورية أنها قد اتخذت إجراءات لإعادة إعمار بابا عمرو ومنطقة جوبر القريبة منها وفقا لخطط “حلم حمص” الأصلية الموضوعة قبل الحرب 69 . وهذا يشير إلى أن الحكومة تخطط للاستفادة من تدمير المناطق المدنية لتنفيذ خطط التغيير الديمغرافي التي وضعتها قبل الحرب بدون أي شكل من أشكال المقاومة التي واجهتها في السابق. وقد تم الإعلان عن خطط مماثلة لإعادة التطوير العمراني من .شأنها أن تغير الديمغرافية بشكل دائم وتمنع عودة النازحين في مناطق أخرى أخليت من سكانها مثل داريا في دمشق 70

حول العودة

ومن أجل فهم ما قد يبدو عليه المستقبل بالنسبة للسكان النازحين في مدينة حمص، والمجتمعات التي تركوها خلفهم، سئل الأشخاص الذين تمت مقابلتهم عن إمكانية العودة إلى ديارهم يوما ما 71 . كانت ردود الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات على مسألة العودة قوية. فيما يلي مجموعة اقتباسات من هذه الردود :

إن الانطباع العام الذي تقدمه هذه الردود هو شعور صارخ بالصدمة والخوف أجبر الناس على الفرار، وما زال الكثيرون يحملونه معهم. كانت ردودهم متشابهة بشكل كبير: فقد أشار جميع الذين أجريت معهم المقابلات إلى أنهم نظريا يريدون العودة إلى حمص، ولكنهم أعربوا جميعا عن قناعتهم بأن ذلك لن يكون ممكنا. ونوه معظمهم للسببين الرئيسيين لهذا التشاؤم: الخوف من الاضطهاد من قبل الحكومة والميليشيات الطائفية، والدمار المادي. وعندما سئلوا عما إذا كانوا يرغبون في العودة في مستقبل افتراضي حيث لا يوجد لديهم خوف من السلطات، أجاب معظمهم ب “بالتأكيد، ولكن … » ومرة أخرى وضعت أسباب عديدة تجعل عودتهم أمرا مستحيلا.

وتشمل التحديات التي وصفها الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات بأنها تمنعهم من العودة إلى ديارهم مجموعة من الحواجز المادية والبيروقراطية والخاصة بالسلامة التي تشكل جميعها جزءا من استراتيجية الحكومة المتعمدة للتهجير. وفيما يلي وصف لثماني حواجز رئيسية:

! “طبعا أتمنى العودة، لكن ذلك ليس ممكنا الآن. إذا لم يعد النظام موجودا في الحكم سنعود لمنازلنا، لكنها مدمرة.” -عبد الله، جورة الشياح

! “لا أحد يجرؤ على العودة لهذه الأحياء، حتى اذا أخذنا الإذن بالعودة فستقتلنا الشبيحة والميليشيات. حيُنا لم يعد يصلح للحياة. لا ماء لا كهرباء، لا أبنية قائمة، لم يعد هناك شيء.” -مهند، القرابيص

! “بالطبع أتمنى ذلك، لكن اسمي موجود في قوائم النظام، وحاليا فإن هذه المناطق مدمرة ولم تعد تصلح للعيش. أستطيع العودة فقط عندما أعرف أن بشار وعصابته وأولئك المتورطون في قتل اصدقائي قد رحلوا” -عبد الرحمن، الخالدية

! “لا، النظام قتل عائلتي فكيف يمكن أن أعود؟ ليس هناك ضمانات )للسلامة(. سيعتقلني النظام.” -زاهر، الحاصوية

! “ لن أتمكن من العودة أبدا، سيكون ذلك مستحيلا. أتمنى العودة لكن ليس بالشكل المدمر الذي أصبح فيه الحي.” -رامي، الزهراء

! “لن أعود إلى الحي بشكله الحالي. لماذا؟ بسبب العلويين الذين يعيشون هناك. سنخاف على حياتنا إذا عشنا بالقرب منهم.” -ابراهيم، البياضة

! “لدي أمل بالعودة يوما ما بدون وجود الحكومة الحالية. ليس لدي مشكلة في أن تعيش الجماعات المختلفة مع بعضها البعض” -طارق، دير بعلبة

التدمير – التدمير المادي للبنية التحتية والممتلكات هو الوسيلة الأكثر وضوحا لمنع العودة. وبيبين تقييم الأضرار الذي أظهره البرنامج التشغيلي للتطبيقات الساتلية عام 2014 حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية لمدينة حمص 72 . دمرت أجزاء كبيرة من شبكات الطرق والصرف الصحي والماء والكهرباء في الأحياء التي أخليت من سكانها، مما جعل هذه المناطق غير صالحة للسكن. معظم الأبنية في أحياء كجورة الشياح، الخالدية والمدينة القديمة تضررت أو دمرت بالكامل. يظهر التقييم أضرارا بالغة في المستشفيات والمدارس في المناطق المستهدفة وهذا أحد الخصائص الرئيسية لاستراتيجية الحكومة. تعد هذه المناطق الآن غير صالحة للسكن تماما. أشار العديد ممن أجريت معهم المقابلات أنه لا يوجد شيء هناك يعودون له: “ما فيها خدمات نهائيا: لا فيها كهرباء، ماء، لا فيها شيء… حتى لو سمح العالم ترجع، لم يبق شيء.” 73

النهب – وصف العديد ممن أجريت معهم المقابلات كيف نهبت الميليشيات الموالية للحكومة منازلهم. لم تتم فقط سرقة الممتلكات الشخصية لأصحاب المنازل، لكنها نهبت بالكامل ولم يتبق فيها سوى الحجر. كما وصف علاء من الخالدية: “أخذ الجيش والميليشيات السورية كل شيء من البيوت، الأثاث والأدوات المنزلية والكهرباء… صدم الناس لأنهم قد سرقوا كثيرا من المنازل: المياه، والكهرباء، وجميع الأشياء الشخصية.” 74 هذا النهب الشديد حوّل الهياكل المنزلية التي كانت ما تزال صامدة إلى أماكن غير صالحة للسكن. اعترف تقييم موائل الأمم المتحدة لعام 2014 والمذكور سابقا أنه من المحتمل أن تكون السلطات قد تغاضت عن عمليات النهب هذه وحمتها. كما لوحظ أنه وبعد سرقتها، تم حرق بعض البيوت والمحال التجارية “باستخدام مواد تخزن الحرارة لفترة طويلة”، مما جعلها غير سليمة هيكليا 75 . إن التدمير المستهدف للممتلكات الخاصة بالمهجرين قسريا بعد انتهاء الحصار يشير إلى استهداف متعمد من قبل قوات وميليشيات الحكومة. وجد تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 5 .شباط 2013 أن القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها ارتكبت جريمة النهب والتي تعتبر جريمة حرب 76

التهديد بالاعتقال – يتعرض جزء كبير من السكان المدنيين السوريين اليوم للاضطهاد من قبل الحكومة السورية، مما يجعل العودة إلى مدينة حمص أو المناطق الأخرى التي تسيطر عليها الحكومة محاولة خطرة. من أجل الوصول إلى بعض الأحياء، أو للتأكيد على ملكية الممتلكات، يجب على الناس التقدم بطلب شخصي للحصول على إذن من الأجهزة الأمنية الحكومية السورية. تحدث العديد من الذين تمت مقابلتهم عن عملية تقديم الطلبات هذه وتم تأكيدها من خلال فحص إشعارات الحكومة المكتوبة 77 . وهذا النوع من العمليات يحرم عمدا الآلاف من المدنيين المهجرين الذين لا يستطيعون العودة، ويثير قلقا كبيرا بخصوص حماية أولئك الذين يستطيعون. وبحسب بعض التقارير، فإن السنّة «يحرمون بشكل منهجي من الإذن بالعودة إلى المدينة القديمة.” 78 وقال العديد ممن أجريت معهم مقابلات إنهم يعتقدون أن أسماءهم كانت موجودة على قوائم «الأمن »، وبالتالي كان احتمال اعتقالهم كبيرا جدا. ويتعرض كل من النساء والأطفال وكبار السن لخطر الاعتقال لأي سبب من الأسباب بما في ذلك الصلات الشخصية أو مناشير على مواقع التواصل الاجتماعي أو تقديم الدعم لمجموعات إنسانية تعمل في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ولكن الخطر أعلى بالنسبة للرجال الذين في عمر الخدمة العسكرية.” 79 ويواجه الذكور المعتقلون المتهمون بدعم المعارضة احتمال تعرضهم للتعذيب والإعدام، ولكن من المرجح أيضا تجنيدهم قسرا في الجيش السوري وإرسالهم إلى الخطوط الأمامية. ومع مرور الوقت، تدهورت القوات السورية، وازدادت جهود التجنيد التي تقوم بها الحكومة من أجل تكملة جيشها المتناقص عددا. ونتيجة لذلك، فإن جميع الرجال تقريبا في سن القتال في سوريا يخشون التجنيد القسري في الجيش. وكانت الخدمة العسكرية للرجال شرطا للحكومة في اتفاقات الاستسلام القسري الأخيرة في مدن حول دمشق مثل التل والمعضمية 80 . وهناك أيضا تقارير تفيد بأنه خلال الأيام الأخيرة من أحداث شرق حلب، تم احتجاز آلاف الرجال الفارين من الجيب المحاصر وإرسالهم فورا للقتال 81.

العنف الطائفي – ما زال خطر العنف سائدا في مدينة حمص. تتمتع الميليشيات الطائفية المتحالفة مع الحكومة بالسيطرة على العديد من الحواجز التي تفصل الأحياء. ووصف مهند من القرابيص كيف “تم الاستيلاء على هذه المناطق من قبل مسؤولي ]الميليشيات[ غير الحكومية وإدارتها مثل المافيا المحلية.” 82 وأشار العديد من الذين أجريت معهم المقابلات إلى أمثلة عن أشخاص كانوا يعرفونهم حاولوا أو استطاعوا العودة الى تلك المناطق فتعرضوا للضرب أو القتل. على سبيل المثال، قال علاء من الخالدية إنه يعرف زوجين حاولا العودة إلى منزلهما في منطقة باب السباع في المدينة القديمة. وقال إنهم “تعرضوا لهجوم من الشبيحة الذين قالوا لهم إن الحكومة تسيطر على المدينة. تم إحراق البيوت ووجدوهم ميتين في المنطقة. ونفى الجيش أي مسؤولية في هذا الشأن.” 83 وتثير قصص من هذا القبيل خوفا بين النازحين وتمنع الكثيرين حتى من التفكير في محاولة العودة. وكما قال مهند: “حتى لو الناس فيهم يرجعوا إلى مناطقهم، هم معارضين في اي وقت يفوت عليهم الشبيحة ويقتلون كل العالم الموجودة.” 84 وبهذه الطريقة، فإن الميليشيات الموالية للحكومة تخلق جوا من العدائية، مما يضمن أنه حتى لو قامت الحكومة بسن السياسات التي تسمح على الورق لبعض النازحين بالعودة والمطالبة بممتلكاتهم، فإن الكثيرين لن يجرؤوا على العودة. وأشار العديد ممن أجريت معهم المقابلات إلى أن الخوف من الميليشيات منعت أشخاصا آخرين ممن نزحوا إلى أحياء حمص الخاضعة لسيطرة الحكومة من التحدث إلى فريق البحث الخاص بهذا المشروع.

إتلاف السجلات – في تموز 2013 ، دمر مكتب السجل العقاري الذي يحتوي على وثائق الملكية بحريق. المكتب يقع في الطابق العلوي لمبنى كانت تحتل القوات السورية طوابقه السفلى 85 . يعتقد أن هذا الحريق كان مفتعلا كونه “المبنى الوحيد الذي احترق في الجزء الأكثر أمانا في المدينة 86 .” تم تسجيل حالات استهداف وتدمير لسجلات الملكية في مناطق أخرى من سوريا فيما يبدو أنه فعل عسكري ضد المدنيين عن طريق “استخدام نظام حقوق الأملاك والأراضي كسلاح.” 87 إن تدمير السجلات الأصلية يسهل على الحكومة منع الملّكين الأصليين من استعادة أملاكهم وتمكنها من إعادة بيع الأملاك المسروقة. لم يكن أحد ممن تم التواصل معهم من أجل هذه الدراسة يملك أية وثيقة ملكية لأملاكهم التي خلفوها وراءهم في حمص. تشمل الأسباب التي ذكروها أن هذه الوثائق قد أتلفت بعمليات القصف والنهب، أو فقدت أثناء النزوح حيث اضطر الكثيرون للهرب بدون ممتلكاتهم. في تقييم أجري في حزيران 2014 وصف موئل الأمم المتحدة القضايا المحيطة بحقوق الملكية والتوثيق في حمص بأنها “مرعبة للغاية”، مشيرا إلى أن “السلطات المحلية لا تملك الأطر اللازمة )البشرية والمنطقية( لمعالجة هذه القضية، ولم تخطط لها أيضا.” 88

التزوير في السجلات – وصف اثنان من الذين أجريت معهم مقابلات محاولات للتخلص من ثلاث ممتلكات في حمص بعد فرارهم من المدينة، ليعلموا لاحقا أن منازلهم قد تم بيعها بشكل غير قانوني باستخدام وثائق مزورة. ووقعت هذه الحوادث في أحياء البياضة، حي الأرمن، والزهراء في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة. وهذه المناطق إما ذات أغلبية علوية أو متاخمة للأحياء ذات الأغلبية العلوية ولم تخضع للحصار الذي فرض على وسط المدينة، وكان الضرر في أبنيتها ضئيلا. ووصف هذان الشخصان اللذان أجريت معهما المقابلات سيناريوهات مماثلة حيث تحدث كلاهما مع وكلاء العقارات عن طريق الهاتف عن ممتلكاتهم، وقيل لهما أن المنازل قد تم بيعها بالفعل وهناك سجلات لإثبات ذلك. قال أحدهم: “لم نفهم هذا لأننا لم نعرض المنازل للبيع … كل المباني تم بيعها إلى العلويين، من خلال سلطة الحكومة السورية. تم تزوير وثائق تقول إنني قد بعت بيتي إلى العلويين. حدث ذلك في جميع أنحاء الحي.” 89 وأوضح أن جارا ما زال يعيش في الحي قد شاهد وثيقة الملكية الجديدة؛ إذ أن الأسرة العلوية التي اشترت المنزل بطريقة أو بأخرى قد أظهرتها له. وأوضح شخص آخر أن عائلته «اتصلت بوكيل عقاري قال إن لديهم أوراق تثبت أن العلويين يمتلكون المنزل …بدا الأمر وكأننا قد بعناه، إلا أننا لم نحصل على أي شيء من بيعه، فقط أخذوه.” 90

رقمنة السجل الجديد – عرض أحد الأشخاص صورة لإشعار حكومي فعلي تم توزيعه في نسخة مطبوعة داخل أحياء حمص الخاضعة لسيطرة الحكومة. ووفقا للإشعار، فإن الناس لديهم أربعة أشهر ابتداء من تشرين الأول 2016 لتقديم اعتراضات بشكل شخصي إلى قسم السجلات المؤقتة أو ثلاثة مواقع أخرى في الأحياء الشرقية إذا كانوا يشعرون أن هناك أخطاء في توثيق ممتلكاتهم. وثائق الملكية متاحة للناس للتحقق من دقتها بشكل شخصي في مراكز الخدمة. ويوضح موقع حكومي على شبكة الإنترنت أنه بعد ذلك التاريخ، سيتم رقمنة السجلات والحفاظ عليها في ثلاثة مواقع بحيث لا يمكن التلاعب بها 91 . وسيحرم نهائيا أصحاب العقارات الذين لم يتلقوا هذا الإشعار أو الذين لم يتواجدوا في حمص ليذهبوا إلى إدارة السجلات المؤقتة، من أي حق إداري. ووصف عبد الرحمن من الخالدية هذه السياسة بأنها وسيلة لإضفاء الصفة الرسمية على النزوح والاستيلاء على الأراضي، لأن “معظمهم في السجن أو قتلوا أو في أوروبا” ولا يمكنهم استعادة منازلهم 92 . كما اتهم موقع الحكومة الإلكتروني، الذي يشرح هذه السياسة، الإرهابيين والعصابات الإجرامية بإحراق سجلات الأراضي الأصلية على الرغم من الأدلة التي تثبت أن القوات الحكومية هي من دمرها عمدا. وسيتم .التحدث عن ذلك أكثر في القسم التالي.

الاحتلال – كان هناك اعتقاد شائع بين الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات بأن معظم المنازل في مدينة حمص التي لم يتم تدميرها قد احتلها مؤيدون لحكومة، سواء كانوا يحملون وثائق مزيفة أم لا. وقال عبد الله من جورة الشياح إن “سبعون بالمائة من المنازل دمرت كليا، أما المنازل التي نجت فقد تم احتلالها من قبل الشيعة. حتى المناطق المسيحية، والحميدية، وكنيسة أم الزنار يحتلها الشيعة. المنازل التي لم يتم تدميرها إما تحتلها الجماعات الشيعية أو الجنود الذين يقاتلون مع النظام.” 94 هناك أدلة واضحة تدعم ادعاء عبد الله بأن هذه الظاهرة قد حدثت. وقد وصف مشاركان في هذا المشروع من الأحياء الشرقية لمدينة حمص -تم ذكرهما سابقا- أدلة مباشرة على أن منازلهم قد بيعت بشكل غير قانوني ودون علمهم. تحدث مشاركون آخرون عن أقارب أو أصدقاء لهم ممن حاولوا العودة لمنازلهم ليجدوا أنها قد .احتلت. تم توثيق حوادث مشابهة من قبل مصادر خارجية 95

العوائق التي تعترض العودة والمذكورة أعلاه هي بمثابة طبقات تعزز بعضها البعض، وتضمن أن عددا قليلا من النازحين يمكن أن يعودوا إلى ديارهم، وأن عدد الذين سيحاولون العودة هو أقل بكثير. لم يعتبر أي من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم أن نزوحهم أو العوامل التي تمنعهم من العودة لمنازلهم هي نتيجة فعلية للنزاع المسلح، بل شعروا جميعهم بأن ذلك كان متعمدا ومفروضا. وقد لخص طارق من دير بعلبة هذا الشعور قائلا: “وضع النظام قوانين تمنعنا من العودة إلى بيوتنا وجعل من حمص أكبر مثال على هذه السياسة. حتى لو خسر النظام مراكز في حلب أو دمشق، كان تدمير حمص درسا لكافة البلاد. لم يكن هدف النظام خروج المقاتلين من هذه المناطق بل كان هدفه زرع الخوف والرعب حتى لا يفكر الناس بالعودة الى منازلهم.” 96

القانون الدولي

يعني التهجير القسري أو الترحيل أن يتم نقل الناس ضد إرادتهم أو من دون منحهم خيارا حقيقيا. وقد تعتبر أعمال التهجير القسري أو الترحيل أثناء النزاعات المسلحة، سواء داخل أو عبر حدود الدولة، بمثابة جرائم دولية، إما كجريمة حرب أو جرائم ضد الإنسانية. ولكي تعتبر هذه الأفعال جرائم حرب، يجب أن يكون الضحايا «أشخاصا محميين » بموجب اتفاقيات جنيف أو البروتوكولات الإضافية، أي المدنيين. أما اعتبارها كجرائم .مرتكبة ضد الإنسانية، فينبغي أن تكون عمليات التهجير القسري جزءا من هجوم منهجي واسع النطاق على السكان المدنيين 97

وينص القانون الإنساني الدولي على ظروف استثنائية محدودة يسمح بمقتضاها بتهجير المدنيين أثناء النزاع المسلح، أي إذا ما نُفذت من أجل .أمن الأفراد المعنيين أو لأسباب عسكرية حتمية. ولا يمكن تطبيق هذا الاستثناء أبدا إذا كان القصد من النزوح هو اضطهاد السكان المدنيين 98 في الحالات التي يكون فيها الاستثناء شرعيا، ينبغي أن يكون النزوح مؤقتا وأن يتم على نحو يكفل عودة النازحين إلى ديارهم حالما يسمح الوضع بذلك 99 . وبالإضافة الى ذلك، يجب اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لضمان استقبال السكان المدنيين النازحين «في ظل ظروف مرضية من حيث المأوى والنظافة والصحة والسلامة والتغذية.” 100

لا يمكن تطبيق شروط الاستثناء القانونية لحظر التهجير القسري للسكان المدنيين في حالة مدينة حمص. أُرسل العديد من المهجرين إلى مناطق كالوعر، حيث ما زالوا يتعرضون للاضطهاد، ويعيشون تحت الحصار، ويواجهون ظروفا معيشية سيئة للغاية. وبعيدا عن عدم القيام بهذا التهجير بطريقة تسمح للناس بالعودة إلى ديارهم، اتخذت الحكومة السورية تدابير لمنع النازحين عمدا من العودة. وبناء عليه، فإن التهجير القسري في حمص ينتهك كلا من مبادئ القانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي. ووفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن هذه القواعد تشكل جزءا من القانون العرفي، وبالتالي ملزمة لجميع الأطراف.

الاستنتاج

قام الجيش السوري والميليشيات الطائفية التابعة له بتشريد أكثر من نصف سكان مدينة حمص بشكل منهجي بين عامي 2012 و 2014 وتشمل التكتيكات التي اتبعوها: الاعتقال والتعذيب والاغتصاب والمذابح والاعتداء العسكري الشامل برا وجوا والحصار والتدمير المستهدف للبنى التحتية المدنية. يصف المهجرون من مدينة حمص الترهيب الكبير الذي تقوم به الميليشيات التابعة للحكومة والعنف الطائفي الذي تعرضوا له.

إن قيام الجيش باستهداف غير متكافئ للمدنيين والبنى التحتية المدنية يشير إلى أن لدى الحكومة دوافع أكبر من مجرد إزاحة جماعات المعارضة المسلحة أو مكافحة “الإرهاب”. ذكرت تقارير لجنة حقوق الإنسان أن الاستراتيجية التي اتبعتها الحكومة في حرمان بعض المناطق من الإمدادات الغذائية والطبية لم تكن تهدف فقط إلى السيطرة على الجماعات المسلحة، بل أيضا لإجبار السكان على النزوح 101 . إن “الأمر بتهجير السكان المدنيين لأسباب تتعلق بالنزاع” يشكل جريمة حرب بموجب المادة الثامنة الفقرة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ما لم يكن هناك سبب عسكري أو أمني للقيام بذلك 102 . ونظرا للطابع الواسع والمنهجي للتهجير القسري للسكان المدنيين في سوريا، قد .تعتبر هذه الجرائم جرائم مرتكبة ضد الإنسانية 103

تم تدمير أكثر من اثني عشر حيا من الأحياء المستهدفة بشكل كلي أو جزئي، وهي أحياء ذات أغلبية سنية بالإضافة إلى حي الحميدية المسيحي. كما كان السكان السنة الذين يعيشون في الأحياء ذات الأغلبية العلوية هدفا انتقائيا للطرد، على الرغم من أن الأحياء نفسها لا تزال مأهولة بالسكان ولا تزال سليمة إلى حد كبير، الأمر الذي تسبب في ضرر ضئيل من جراء قصف المعارضة. إن نمط الدمار الحاصل يشبه إلى حد بعيد خطط ما قبل الحرب لمشروع إعادة التطوير الحضري المسمى «حلم حمص » الذي كان يهدف إلى بناء مراكز التسوق الحديثة والحدائق وناطحات السحاب في الأحياء السنية المكتظة بالسكان. ويبدو أن الهدف من هذه الخطة هو إعادة توزيع السكان لتعزيز السيطرة الاقتصادية والمادية على المدينة من قبل المجتمع العلوي الموالي للحكومة. وقد أتاح الصراع للحكومة الفرصة والوسائل لتنفيذ وتسريع وتوسيع أهداف التغيرات الديموغرافية الموضوعة قبل الحرب.

وبما أن آخر السكان الموجودين في حمص القديمة المحاصرة قد تم نقلهم قسريا إلى خارج المنطقة في أيار 2014 ، فقد وضعت الحكومة حواجز بيروقراطية وقانونية جديدة لمنع النازحين من العودة واستعادة منازلهم، ولا سيما حول موضوع الملكية. تعزز هذه القيود الجديدة الحواجز المادية الموجودة أصلا -الدمار، والعنف، والترهيب- لضمان عدم محاولة بعض السكان غير المرغوب بهم العودة. هناك عوائق أخرى للعودة أكثر من تلك التي حددها المشاركون في المشروع، لا سيما مخلفات الحرب التي لم تنفجر كالألغام الأرضية أو الذخائر العنقودية والتي تم توثيق استخدامها بشكل موسع في سوريا 104 . تقتل الألغام الأرضية والذخائر العنقودية التي لم تنفجر وتشوه المدنيين في المقام الأول، ويمكن لها أن تتسبب في وقوع إصابات وتمنع إعادة الإعمار والتطوير لمدة طويلة بعد انتهاء الصراع.

وقد استخدمت الحكومة السورية حمص كمخطط، ووظفت مرارا وتكرارا نفس نمط الحصار والتجويع والتدمير ونقل السكان حول البلاد. من أبرز الحالات التي حصلت عام 2016 ، ما حصل في داريا في ريف دمشق في شهر آب، وما حصل في شرقي حلب في كانون الاول. تتعلق هذه الهموم والتحديات التي حددها المشاركون في هذه الدراسة الخاصة بحمص بشكل كبير بالمناطق والسكان المدنيين المهجرين حديثا. وهي أيضا تتعلق بوكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الدولية المشاركة بعمليات نقل السكان وجهود إعادة التأهيل بعد الحصار. يجب تطبيق الدروس المستفادة من حصار وتدمير حمص والتطورات والنتائج على هذه الحالات وغيرها من الحالات المستقبلية.

توصيات

كما هو مذكور في التقرير، يواجه مدنيو حمص المهجرون العديد من الحواجز التي تعيق عودتهم. إن إعادة الإعمار وحدها لا يمكن أن تتصدى لهذه التحديات بل قد تسبب مزيدا من الضرر في المناطق التي استُهدفت، مثل مدينة حمص، باستراتيجية الحكومة السورية في والحصار، والتجويع، والتدمير، ونقل السكان. ولا ينبغي بذل جهود إعادة الإعمار في أماكن مثل حمص إلا كجزء من استراتيجية شاملة للإنعاش تراعي النزاعات وتقرن الدعم المشروط لإعادة الإعمار مع الجهود التي تعالج حقوق المهجرين واهتماماتهم وأولوياتهم.

وبناء على ذلك، يوصي فريق باكس ومعهد سوريا بما يلي:

إشراك النازحين – على اعتبار أن أكثر من نصف السوريين نازحون من ديارهم، فإن مستقبل النازحين يعد أمرا أساسيا لاستقرار سوريا. ومن المهم جدا إشراك النازحين السوريين وإعطائهم صوتا في مستقبل مجتمعاتهم.

! ينبغي للأمم المتحدة إجراء مسح واسع النطاق للنازحين السوريين للتأكد من آرائهم وأولوياتهم وهمومهم فيما يتعلق بقضايا العودة وإعادة التوطين والإعمار والمصالحة. وينبغي استخدام نتائج هذه الدراسة الاستقصائية لتحسين اتخاذ القرارات في جهود إعادة الإعمار المدعومة دوليا والتي تقودها الأمم المتحدة. وينبغي أن توفر الجهات المانحة الأموال اللازمة لجهود الدراسة هذه.

! يجب على وكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة الأخرى الداعمة لجهود إعادة الإعمار أن تجري تقييمات أولية لتحديد مكان وجود السكان الأصليين واحتياجاتهم وأولوياتهم قبل بدء إعادة التأهيل والتعمير في مدينة حمص والمناطق المماثلة. وسيساعد ذلك على تحديد أي آثار سلبية محتملة على المدى الطويل يمكن أن تحدثها عملية إعادة الإعمار، بحيث يمكن للمنفذين اتخاذ خطوات للتخفيف من الأضرار المحتملة التي يتعرض لها المهجرون، ومنع الصراعات المحتملة في المستقبل. وينبغي أن يتم هذا المسح للسكان ا ﻷصليين بشكل مستقل عن الحكومة السورية، نظرا للطبيعة المريبة للتلاعب بسجلات الملكية في حمص، كما ذكر في هذا التقرير.

! ينبغي أن تؤخذ مشاركات النازحين بعين الاعتبار خلال محادثات السلام السورية وأن تدرج في أي عملية انتقال سياسي سورية مستقبلية. إعادة الإعمار – إعادة البناء المادي لمدينة حمص أمر بالغ الأهمية لاستعادة الحياة، ولكن يجب أن يتم كجزء من استراتيجية شاملة لمعالجة حقوق النازحين واحتياجاتهم. وسيساعد ذلك على ضمان ألا تقوم الجهات الفاعلة الدولية بدفع «عوائد جرائم الحرب » إلى الحكومة السورية، أو مفاقمة الانقسامات الاجتماعية، أو تقويض جهود المصالحة في المستقبل.

! يجب على الجهات الفاعلة الدولية التي تختار التعاون مع الحكومة السورية في جهود إعادة الإعمار أن تتأكد من أنها لا تسبب المزيد من الصدمات أو الظلم للنازحين من خلال وضع سياسة «لا ضرر » خاصة بإعادة الإعمار في سوريا.

! وينبغي أن يترجم التزام الاتحاد الأوروبي بعدم دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا حتى تتحول عملية انتقال سياسي ذات مصداقية «إلى مرحلة ثابتة »، إلى معايير ملموسة، وأن تعتمدها جميع الأطراف الفاعلة الدولية ذات الصلة كشرط أساسي 105 . يمكن استخدام “الخطوات الخمس الواضحة للمرحلة الانتقالية” الواردة في بيان جنيف .عام 2012 كأساس لهذه المعايير 106

! ويجب على المانحين أن يجتهدوا للتأكد بأن الوكالات المشاركة بإعادة الإعمار لا تقوم بها إلا كجزء من استراتيجية شفافة وشاملة تراعي حقوق النازحين.

العودة والمصالحة – إن قضية العودة في مدينة حمص، حيث كان تهجير السكان استراتيجية متعمدة من الحكومة، هي أمر أكثر تعقيدا من مجرد إعادة بناء البنى التحتية للمدينة. إن من المهم جدا أن تنتبه الأطراف الدولية الفاعلة للنطاق الكبير للتحديات التي تعيق عودة المدنيين.

وينبغي للأطراف المشاركة في العمليات السياسية أن تضمن المعالجة الكاملة للتحديات المعقدة المتعلقة بحقوق السكن والأراضي والملكية بالنسبة للمهجرين في أي مفاوضات وطنية وعمليات انتقالية ومصالحات مستقبلية. وينبغي أن تتفق القرارات المتخذة -مثل تلك المتعلقة بالإعادة إلى الوطن أو التعويضات- مع القانون الإنساني الدولي وأن تراقبها أطراف ثالثة بصورة مستقلة.

! ويجب أن تعترف جميع الأطراف بوضوح بمخاطر العنف والاضطهاد التي يتعرض لها العائدون. ولتشجيع العودة، ينبغي تنفيذ استراتيجيات لحماية المدنيين وإعادة بناء الثقة على الصعيدين الوطني والمحلي. وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجيات يجب أن تكون بقيادة سورية، فإن الإشراف والمشاركة الدوليين يمكن أن تلعبا دورا هاما في المراحل المبكرة/الانتقالية. وتتمثل إحدى التوصيات الرئيسية في أن تحافظ الأمم المتحدة أو المراقبون الدوليون الآخرون على وجود مبدئي في مناطق مثل مدينة حمص في المراحل المبكرة من إعادة الدمج والمصالحة، حتى يشعر المواطنون بأنهم آمنون بما فيه الكفاية للعودة. قد تشمل الاستراتيجيات الأخرى :)على سبيل المثال لا الحصر( 107

– مغادرة جميع الميليشيات الأجنبية غير السورية

– نزع سلاح الميليشيات السورية وتسريحها وإعادة إدماجها

! ويجب معالجة الصدمات النفسية وانعدام الثقة في سيناريو مستقبلي حيث تكون العودة خيارا للنازحين. قد تشمل الاستراتيجيات )على سبيل المثال لا الحصر(:

– لجان الحقيقة والعدالة

– التركيز على تمكين الضحايا

– مبادرات الحوار وبناء الثقة

– الدعم النفسي والاجتماعي، مع التركيز بوجه خاص على الفئات الضعيفة مثل النساء والأطفال وضحايا التعذيب والجنود الأطفال

المساءلة – يشكل التهجير القسري للسكان المدنيين من مدينة حمص وأماكن أخرى في سوريا انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي، مما يجعله جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

! ينبغي للحكومات والهيئات الحكومية الدولية أن تعترف باستراتيجية نقل السكان بالقوة في حمص وأماكن أخرى في سوريا وتدينها، وأن تعترف بأن هذا التهجير يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

! وينبغي لأي طرف يبذل جهودا لتوثيق جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية أن يراقب التهجير القسري وحرمان المهجرين من حقوقهم، من أجل دعم جهود المساءلة المقبلة.

! ينبغي أن توفر الجهات المانحة الأموال اللازمة لتوثيق عمليات النقل القسري للسكان التي لا تزال ترتكب في سوريا .

! ويجب إدراج عمليات النقل القسري للسكان في آلية المساءلة التي سيتم إنشاؤها وفقا للقرار الذي اعتمدته الجمعية 108العامة للأمم المتحدة في 21 كانون الأول 2016 .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *