الرئيسية / مقالات / الدولة – الأمة تتفكك

الدولة – الأمة تتفكك

الدولة – الأمة تتفكك

مصطفى زين

يرفض اليميني البريطاني المتطرف نايجل فراج الدعوة إلى تشريع قانون يلزم المواطنين التبرع بأعضائهم بعد الموت، وهو ليس الوحيد في ذلك فبعضهم يرفض لأسباب دينية وبعضهم خوفاً، وآخر لامبالاة. لكن للنائب في البرلمان الأوروبي سبب مختلف تماماً. فراج، على رغم اعترافه بإنسانية المتبرعين وفائدة ما يقدمونه للأبحاث أو المرضى، لا يريد تدخل الدولة في شؤونه حياً أو ميتاً. الدولة- الأمة هذه المؤسسة الحديثة التي نشأت وتطورت في أوروبا على أنقاض الحكم الكنسي الثيوقراطي المتحالف مع الإقطاع، بعد حروب أهلية استمرت عشرات السنين، لم تعد في نظره، وفي ظل الشركات المتعددة الجنسية، الضامن لوحدة المواطنين ولا المسؤولة عن رعايتهم صحياً أو تأمين العمل لهم. وأصبحت كل جماعة عرقية أو دينية أو «غاضبة» تتنكر لانتمائها إلى الدولة والجماعات الأخرى التي تربطها بها وحدة الحياة والمصير طالما أنها تستطيع التعامل مباشرة مع هذه الشركات والمؤسسات، فتعود إلى إيقاظ جذورها وتاريخها، متوهمة الاستقلال وعدم الرضوخ للقوانين المحلية، مفضلة قوانين السوق التي لا تلزم زعماءها سوى إدارة الإنتاج وتسويقه، من دون أي التزام، في عملية غش واضحة. أليس هذا ما حصل في كاتالونيا التي تدعي أن الحكومة الإسبانية تسرقها، وتفضل التعامل مباشرة مع تلك الشركات؟ أليس هذا ما حدث في بريطانيا حين صوتت أكثرية مواطنيها لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي؟ أليس هذا ما يمكن أن يحصل مع شمال إيطاليا ومنطقة الباسك في فرنسا وفي بلجيكا وهولندا؟

كل ذلك يحصل في ظل قوانين السوق وهيمنة الشركات العملاقة على كل مناحي الحياة (والموت). شركات بدأت تأخذ مكان الدولة في تنظيم كل شيء، وتفرض على الدول تشريع قوانين ليست لمصلحة الغالبية. هدفها الأساسي الربح وجمع المال في جيوب حفنة قليلة، والتحكم بثروات الشعوب، وقوتها. فالبنك الدولي ومؤسسة النقد يفرضان على الدول المقترضة رفع الدعم عن السلع الأساسية في بلدان معدلات الفقر فيها مخيفة.

والأخطر من ذلك أنها تتحكم بالسياسات الداخلية والخارجية للدول. وتشكل شركات السلاح الأميركية افضل مثال على ذلك، فهي لا تتوانى عن دعم الحروب والضغط على البيت الأبيض لإشعالها من أجل المزيد من الإنتاج والربح، ولو على حساب الملايين الذين يرفعون راية الحرية والتخلص من الديكتاتوريات. وإذ بمن يزعم تحريرهم يقتلهم ويعيدهم إلى»العصر الحجري». هذا ما آلت إليه حال العراق، بعد التحرير، وهذا ما جعل مسعود بارزاني ينتمي إلى حقول نفط كركوك بدلاً من العراق، فالشركات التي تستثمرها كفيلة بإثرائه وتحقيق حلمه بالدولة المستقلة. وهذا ما ينتظر ليبيا وسورية، وبقية البلدان في العالم العربي.

ونلاحظ أن معظم الذين يقودون الثورات، خصوصاً في العالم العربي، مرتبطون بمؤسسات ومراكز أبحاث ترعاها وتمولها الشركات العابرة للقارات، كما تمول «منظمات المجتمع المدني» لنشر»الوعي» في مختلف البلدان.

الدولة – الأمة في أوروبا تتفكك وقوانين السوق تتحكم بها وبنايجل فراج في حياته ومماته.

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *