الرئيسية / مقالات / منظومة الأمن والاستقرار العربية

منظومة الأمن والاستقرار العربية

منظومة الأمن والاستقرار العربية

حسام ميرو

مرّت منظومة الأمن والاستقرار العربية خلال السنوات الماضية بتداعيات مرعبة، ومازالت المخاطر تحدق بها، بل إنها مرشحة ربما لمزيد من التداعيات، وهو ما يجعل اللحظة الراهنة جديرة بطرح العديد من الأسئلة العاجلة والملحّة على صنّاع القرار في العالم العربي، فقد كشف ما يسمى «الربيع العربي» عن مشكلات بنيوية في تلك المنظومة، وعن خللٍ كبير في مؤسساتها، وعن اتجاهات متضاربة في رؤى الدول، وهو ما فاقم الأوضاع، وجعلها تنحدر نحو الكارثية، في ظل تراجع مكانة الحوار الدبلوماسي، مع استغلال خارجي واضح لأزمات العالم العربي، وهو أمر طبيعي في ظل الهشاشة الحالية.

يبدو من الطبيعي في سياق تناول منظومة الأمن والاستقرار العربية الوقوف على القراءات العربية الخاطئة للحدث المفصلي، الذي يمكن اعتباره بداية تدهور تلك المنظومة، وهو الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، وعدم التعاطي معه بجدية كافية، وغياب التنسيق العربي لمحاصرة آثاره، فقد تُرك العراق لمصيره بين مطرقة دولة عظمى (الولايات المتحدة) أرادت التعبير عن تفرّدها في النظام الدولي، عبر استعراض للقوة في العراق، وبين سندان تدخل إيراني، هدفه الرئيسي مزاحمة الأمريكان، والاستفادة من التحولات في موازين القوة، وبناء قوى موالية له، من دون أن تكون هناك استراتيجية عربية لإحلال التوازن السياسي داخل العراق، من منطق الضرورة، والذي يقتضي المحافظة على تماسك منظومة الأمن والاستقرار العربية.

لم تقرأ التجربة العراقية بوصفها نموذجاً يمكن تكراره بصيغ مختلفة، ولم يقرأ جيداً خطر تحول بلد عربي بوزن العراق إلى دولة فاشلة، مع تفشي الطائفية السياسية، ونمو ميليشيات خارج إطار الدولة، وهيمنة «الحرس الثوري» الإيراني على تلك الميليشيات، وتراجع مكانة القوى السياسية الوطنية، والتي تركت من دون دعم جدي، حتى تحوّلت إلى قوى هامشية، لا صوت لها يسمع عند الشعب العراقي، وغير قادرة على أن تقف في مواجهة مشروع إضعاف الدولة، لمصلحة الخارج، والقوى الموالية له في الداخل، حتى أكلت التعبيرات الطائفية مجمل الحياة السياسية العراقية.

نموذج العراق أصبح اليوم نموذجاً معمماً في غير بلد عربي، فالعديد من الدول العربية اليوم هي دول فاشلة، تسرح وتمرح بها قوى طائفية مدعومة من الخارج، مع تنامي الإرهاب بصيغه العديدة، من إرهاب الدولة إلى إرهاب القوى التكفيرية، وتنامي الأطماع الاستعمارية الجديدة، من قوى إقليمية ودولية، اتخذت من الأرض العربية مسرحاً لصراعها، وكأنها في حفلة تقاسم دموية على تركة الرجل المريض، مع تراجع واضح لمكانة القوى الوطنية على مختلف مشاربها، من قوى يسارية وليبرالية وديمقراطية، وقد أسهمت القراءات الخاطئة لصناع القرار العرب في تهميشها، فعوضاً عن دعمها، تمّ استبعادها لمصلحة قوى محلية ومناطقية وعشائرية، حازت دعم بعض الدول العربية، خلال السنوات السابقة.

لم تكن الأطراف الإقليمية والدولية منزعجة من تنامي منظومات ما قبل الدولة الوطنية، بل هي الأخرى أسهمت في دعم هذا التوجه، فليس هناك أفضل من تلك المنظومات للقيام بعملية تدمير شاملة للدول، والمجتمعات، والاقتصاد، والقيم الوطنية الجامعة، وليس هناك من هو أفضل منها للقيام بعمليات التجييش الطائفي والمذهبي والإثني، وتفريخ أمراء حروب، همّهم الوحيد مضاعفة نفوذهم وثرواتهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يمكن وقف تلك التداعيات؟ إن صنّاع القرار العرب، وعلى الرغم من هول التمزق الذي عانته منظومة الأمن والاستقرار العربية، مطالبون بقراءة جديدة لأحداث المنطقة، وبوعي مخاطر الانزلاق نحو مزيد من الصراعات، وتقديم خطاب جديد، وتبني استراتيجيات مغايرة لاحتواء الأزمات الراهنة، والتعويل على القوى الوطنية، واستنهاضها، في مواجهة منظومات ما قبل الدولة الوطنية. لا يمكن وقف التداعيات الكارثية للأمن القومي من دون البدء بمسيرة إصلاحية داخلية في البلدان العربية، فمسار إصلاح الخارج ليس معزولاً عن الداخل، كما أن إصلاح الخلل في منظومة الأمن العربي لا يجب أن يكون ذريعة لتأجيل مسيرة الإصلاح التي تحتاج إليها المؤسسات والمجتمعات العربية في مستوياتها كافة. وفي مواجهة القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى خلق مزيد من الدول الفاشلة في المنطقة، تمهيداً لإعادة رسم الخرائط، فإنه لا بديل عن إحياء الخطاب الوطني، ليس بوصفه خطاباً منغلقاً، على الطريقة الترامبية «أمريكا أولاً»، بل من منطق تلازم الخطاب الوطني مع متطلبات منظومة الأمن والاستقرار في العالم العربي.

المصدر: صحيفة الخليج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *