الرئيسية / مقالات / فرص مواجهة المشروع الإيراني

فرص مواجهة المشروع الإيراني

فرص مواجهة المشروع الإيراني

غازي دحمان

استطاعت إيران توسيع نفوذها في المشرق العربي نتيجة ظروف معقّدة كان من أبرز سماتها الفوضى ووهن الأوضاع الوطنية، وإن كان ثمّة إنجاز يحسب لإيران، فهو مساهمتها في صناعة جزء مهم من صورة المشهد الفوضوي ليتسنى لها التموضع داخله كطرف أساسي وممسك بخيوط اللعبة.

تعاطت إيران مع هذا الوضع بمنطق اصطياد الفريسة، وبالتالي فإن نجاح إيران ازدهر في مرحلة تفتّت النظام العربي وانكفاء أطرافه عن القيام بدورها في حماية الأمن الإقليمي وصون استقلال دوله.

كما عملت إيران على تأمين مساحة حركة كافية زمنياً، تضمن لها السيطرة على الفريسة من خلال إطالة زمن الحرب قدر الإمكان لتصبح فرصها أكبر بالسيطرة، ولم يحصل أن انتهت الحروب التي خاضتها إيران في شكل مباشر أو بالوكالة في زمن قصير بل امتدت عبر أفق زمني أتاح لها تثبيت ترتيباتها وزرعها في جسد البلد المستهدف.

وبعكس كل الاحتلالات التي شهدتها المنطقة، لم يمر المشروع الإيراني بمرحلة استقرار، ولم ينتقل الى المرحلة الثانية، التي غالباً ما تكون مرحلة الاستفادة من الاستثمار في الاحتلال، ما يعني أن إيران، وعلى رغم خبرتها الطويلة في هز استقرار البلاد المجاورة لها، لم تطوّر حتى اللحظة أفكاراً حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد التدمير لهذه المجتمعات، وربما يقتصر الأمر على نشر التشيّع وبناء المزيد من الحسينيات.

ولعل ذلك كان من أهم أسباب الضعف الإستراتيجي للمشروع الإيراني، إذ على رغم رفع إيران شعار المقاومة والممانعة، إلا أن المحتوى الإستراتيجي ظلّ مجرد غطاء خفيف للمحتوى الأيديولوجي الفاقع والمركب من خليط قومي فارسي وطائفي شيعي، وقد ترافق ذلك مع فقدان إيران النموذج القادر على اجتذاب الآخر وإبهاره، سواء كان ذلك على مستوى التطور التكنولوجي أو القيم الاجتماعية ونمط المعيشة.

يفسر ذلك بدرجة كبيرة أسباب عدم استقرار المشروع الإيراني، ووقوعه في شكل دائم في دائرة الخطر واحتمال الانكسار والانكفاء، ولمرات عديدة كاد المشروع الإيراني يصل إلى خط النهاية، لكن تدخّلت المصادفات مرّة والمتغيرات والتحالفات وأخطاء الأطراف الأخرى مرّات كثيرة لإنقاذه، في العراق حين وصل «داعش» الى حدود بغداد قبل أن تزحف اميركا بقوتها الجبارة، وفي سورية قبل مسارعة بوتين وتحت جنح الظلام الى إرسال طائراته وفرقاطاته.

ليست إيران دولة متميزة عن محيطها، لا من حيث التقدم التكنولوجي ولا القوّة العسكرية، ولا حتى من حيث البناء الداخلي، وربما هذا ما يفسر حالة الاستعصاء التي يواجهها مشروعها في المنطقة، ولم يصبح وكلاؤها في وضع أفضل في المنطقة إلا لأن الأطراف الأخرى رفضت منطق الحروب وأرادت الانتقال إلى أوضاع جديدة، كما حصل في لبنان، أو نتيجة تغييرات دولية كبرى حصلت ضد هذه الأطراف، كما في العراق، أو لأن أطرافاً داخلية سلّمتها مفاتيح اللعبة، في اليمن وسورية.

على ذلك، فليست إيران قدراً لا يمكن الفكاك منه، وطالما ان التشخيص الدقيق قد كشف أن سبب دخولها الجسد العربي هو بدرجة اولى ضعف هذا الجسد، أو وجوده ضمن بيئة غير صحية، فإن العلاج يستلزم تقوية الجسد العربي، سواء على مستوى الدول، أو على المستوى الكلي، عبر تدعيم النظام الإقليمي العربي، وذلك لن يحصل بالتأكيد إلا في ظل أنظمة أكثر انفتاحاً على مجتمعاتها وفي ظل تعزيز ادوات الديموقراطية والشفافية، التي أصبحت مصلحة ملحّة للنخب والشعوب، طالما ان البدائل ستكون على صورة هذا الخراب الجوّال في العالم العربي.

هذا على المستوى الإستراتيجي البعيد، اما من حيث التكتيكات المستعجلة لفرملة اندفاعة إيران وتعطيل مفاعيلها، فقد كشفت التطورات اليمنية أن ثمّة فرصاً كثيرة يمكن من خلالها ضرب المشروع الإيراني في مفاصله القاتلة، من خلال الضغط على تحالفاته في البلاد الواقعة تحت تأثيره، مثل تحالفات الجيش، أو بقاياه في العراق وسورية، مع المكونات التي صنعتها إيران، كـ «الحشد الشعبي» في العراق، والميليشيات الطائفية في سورية، وكذلك تحالف النخب المدينية السنية ونظام الأسد في سورية.

والأمر ليس بالمستحيل كما يتصوره الكثير ممن يقرأون المشهدين العراقي والسوري من خارجه، ومن دون ان تتسنى لهم فرصة الاطلاع على خريطة التفاعلات الداخلية المعقّدة، إذ ليس خافياً ذلك الصراع المتنامي بين تيار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وخلفه طبقة سياسية عراقية وازنة، ورئيس الوزراء السابق نوري الملكي الذي يجر قاطرة الميليشيات والقوى السياسية الطائفية المرتبطة بإيران، وفي سورية ثمّة تيار في الجيش نفسه يرفض النفوذ الإيراني، ويقوده ضباط من الطائفة العلوية، ويتحيّن الفرصة للتعبير عن نفسه في شكل أوضح وأكثر صراحة.

ويرتبط بذلك العمل على عزل إيران عن روسيا، واستثمار اللحظة الراهنة التي تسعى فيها روسيا إلى إظهار نفسها كقوّة سلام في المنطقة، وذلك عبر إفهامها ان ذلك غير ممكن طالما رضيت أن تشكّل غطاء لجرائم إيران ومشاريعها في التغيير الديموغرافي والانتقام من العرب.

إيران ليست قدراً، وهي أضعف من أن يستسلم العرب وشعوب المنطقة عموماً لنفوذها، لكن مواجهتها تتطلب إستراتيجية وحضوراً عربياً جدياً، وليس مجرد مواجهات متفرقة وسياسات متضاربة.

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *