الرئيسية / الخليج العربي / التحديات والفرص في خارطة ولي العهد السعودي

التحديات والفرص في خارطة ولي العهد السعودي

التحديات والفرص في خارطة ولي العهد السعودي

الاتحاد برس- من منشورات مركز أسبار للدراسات و البحوث:
ظاهرياً، بدا أن تعيين الأمير محمد بن سلمان وليّاً للعهد قد تمّ بسلاسة، ومن دون عقبات تذكر، لكن من الناحية الفعلية، شكّل هذا التعيين تتويجاً لحالة حسمٍ داخلي في عدد من الملفات، ومنها الملفات المتعلقة برؤية المملكة لسياساتها الخارجية بدرجة كبيرة، بالإضافة إلى ملف الإصلاح الداخلي، والذي ارتبط بشكلٍ رئيس بخطة “رؤية المملكة 2030″، وهي الخطة التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان لإحداث تغيير جذري في اقتصاد المملكة، تمهيداً للتعاطي مع تحديات عصر ما بعد النفط.
وجاء تعيين الأمير محمد بن سلمان وليّاً للعهد بعد قرابة شهر من قمة الرياض، التي حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يشير إلى موافقة أمريكية صريحة على اقتراب الأمير محمد بن سلمان خطوة إضافية نحو حكم المملكة، وعلى دعم أمريكي لعملية انتقال حكم المملكة إلى الجيل الثالث من الأمراء، خصوصاً أن الأمير محمد بن سلمان أظهر إرادة قوية في خوض معركة اليمن، وذلك من خلال موقعه وزيراً للدفاع، كما تمكّن خلال العامين الماضيين من الترويج لصورة القيادة الشابّة في إدارة شؤون المملكة، وهو ما يتوق إليه جيل الشباب في السعودية.
ويشكل خروج الأمير محمد بن نايف ولي العهد السابق من المشهد السياسي في السعودية فرصة لولي العهد الجديد أن يوسّع من نفوذه داخل المؤسسات الأمنية، وتحديداً في وزارة الداخلية، والتي تتمتع بصلاحيات كبيرة في إدارة شؤون الاستقرار الداخلي، وتأمين أمن المملكة، وسيصبّ هذا الأمر في تقليص مساحات التنافس الداخلية أمام ولي العهد الجديد، ويوفر له درباً سالكة نحو حكم المملكة، وينهي مرحلة من التنافس غير المعلن بين وزارتي الداخلية والدفاع، ويضع الكثيرين أمام الواقع الجديد، لتأكيد ولائهم للأمير محمد بن سلمان.
إن الصورة التي قدمها الأمير محمد بن سلمان حين كان وليّاً لولي العهد أظهرته أقرب إلى القائد الليبرالي على المستوى الداخلي، وهي الصورة التي مدتّه بتأييد بين جيل الشباب الذي تربى في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، وهو ما وضعه، وسيضعه، في مواجهة متعددة المستويات مع التيارات الدينية في المملكة، والتي حازت خلال العقود الماضية على مكانة ونفوذ كبيرين، في بلد يقوم في عقده الاجتماعي على التحالف القبلي-الديني.
فمن جهة ينتظر الشباب السعودي أن تكون خطوات الأمير محمد بن سلمان في منصبه الجديد كولي للعهد أكثر تأكيداً على المنحى الليبرالي المجتمعي، ومن جهة ثانية، ستضعه تلك القرارات والخطوات التي سيتخذها في هذا الاتجاه في مواجهة أكبر مع التيار الديني المتشدّد داخل المملكة، وسيكون عليه بالتالي أن يقوم بإجراء حسابات معقدة، للإبقاء على تأييد الشباب له، من دون أن يعطي التيار الديني فرصة تأليب الرأي العام ضده، خصوصاً لما تمثله المملكة من مكانة ورمزية في العالمين العربي والإسلامي.
لكن طموحات الجيل الشاب في السعودية لا تقف فقط عند حدود توسيع هامش الحريات في الحياة العامة، بل ربما يكون الهاجس الاقتصادي هو الأبرز، خصوصاً أن تراجع الاعتماد على النفط قد أجبر الحكومة السعودية على اتخاذ خطوات ضريبية بحق الشركات، ومن المتوقع أن تتوسّع قاعدة الضرائب لتشمل قطاعات عديدة، وهو ما سيترك أثره على أسعار الخدمات، والسلع الغذائية، والمنتجات، كما من شأنه أن يضع عراقيل جديدة قد تنعكس سلباً على سوق العمل، في الوقت الذي يعدُّ فيه مستوى البطالة بين الشباب السعودي من أكثر النسب ارتفاعاً في بلدان الخليج العربي.
وفي الملفات الخارجية، ثمة الكثير من القضايا التي تواجه ولي العهد الجديد، وهي عملة ذات وجهين، فهي تحديات وفرص في الوقت ذاته، فملف اليمن ما زال يشكل أحد أكبر التحديات، حيث ما تزال السعودية تعاني في قدرتها على حسم هذا الملف بشكل نهائي، ومن غير المتوقع أن تكون هناك نهاية قريبة للعمليات السعودية في الساحة اليمنية، لكن إدارة هذا الملف بأقل التكاليف، والانتقال من مستوى التدخل إلى مستوى الإدارة قد يكون فرصة مهمة ليؤكد من خلالها ولي العهد الجديد على تبني استراتيجيات طويلة المدى، بدلاً من المضي في خطط الحسم السريع.
كما جاء ملف الأزمة السعودية مع قطر، بعد أيام من تولي الأمير محمد بن سلمان منصب ولي العهد، وهو ما يشير إلى أن تصعيد الأزمة مع قطر هو خيار ولي العهد الجديد، خصوصاً أن ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف كان ميالاً للتعاطي السياسي مع الأزمة، من دون الوصول إلى حالة تصعيد، ومن شأن الخطوات السعودية في حال قدرتها على إجبار قطر على تقديم تنازلات أن تزيد من أسهم الأمير محمد بن سلمان، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل على المستوى الخارجي أيضاً، وأن تقدمه بصورة قائد سعودي وخليجي وعربي، وهو ما يطمح إليه بكل تأكيد.
ويبقى الملف الإيراني أحد أهم التحديات التي تواجه ولي العهد الجديد وهو يمضي بخطى واضحة نحو قيادة المملكة، وقد أظهر حجم الاتفاقات الاقتصادية التي وقعت بين المملكة وإدارة الرئيس دونالد ترامب أن ولي العهد الجديد يريد استعادة التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة، في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني، ودفع إدارة ترامب كي تأخذ خطوات جدية تجبر صناع القرار في طهران على إعادة حساباتهم تجاه الخليج، وتجاه عموم المنطقة.

—————————————

*عن أسبار
يُعنى المركز بتقديم الأبحاث والدراسات المتعلقة بالشأن الدولي عموماً وسوريا والشرق الأوسط خصوصاً ضمن هوية مستقلة، حيث يهدف فريق أسبار ليكون مرجعاً لترشيد السياسات المستقبلية ورسم الاستراتيجيات من حيث الأهمية. تأسّس المركز في المانيا شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 .

صلاح الدين بلال
مديرمركز اسبار للدراسات والبحوث/ المانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *