الرئيسية / مقالات / المعارضة السورية في ظل الأزمة الخليجية

المعارضة السورية في ظل الأزمة الخليجية

المعارضة السورية في ظل الأزمة الخليجية

الاتحاد برس- من منشورات مركز أسبار للدراسات و البحوث: 
شكّلت دول الخليج العربي بشكل عام، والسعودية وقطر بشكل خاص، إضافة لتركيا، الداعم الأكبر لمؤسسات المعارضة السورية، من حيث التأسيس والتمويل واختيار عدد كبير من أعضائها، ورسم سياساتها، ابتداءً من تأسيس المجلس الوطني السوري في الدوحة، ثم الإعلان عنه في مؤتمر استنبول في 2 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011، بإشراف قطري تركي مباشر، ومباركة سعودية إماراتية، وبحضور ممثلين عن معظم الدول الغربية والعربية التي كانت تدعم فكرة إنهاء حكم الأسد في دمشق، وتمكنت تركيا وقطر من الهيمنة على قراراته السياسية، من خلال الغلبة التي تمتع بها الاخوان المسلمون، حلفاء الدولتين، داخل مؤسسات المجلس، حيث أعطت تركيا المقرّ للمجلس، بينما قامت قطر بتمويل جميع نشاطاته تقريباً.
استمر المجلس الوطني كمؤسسة وحيدة أنيط بها تمثيل ثورة الشعب السوري، بتغطية عربية غربية حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، حيث أدى ازدياد الدعم والتأثير السعودي الإماراتي على المعارضة السوري إلى التوافق على صيغة أخرى، تسمح للدولتين إيصال حلفائهما في المعارضة إلى دائرة القرار، فجرى تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة، والذي أصبح باعتراف أكثر من مائة دولة الممثل الجديد لثورة السوريين، ورغم بقاء هيمنة الإخوان المسلمين على مؤسساته إلا ان السعودية تمكّنت من إدخال عدد لا بأس به من حلفائها إليه، لتبدأ عملية تنافس قطري سعودي على قرارات الائتلاف، أدت إلى استقالة بعض أعضائه، واستقالة رئيسه حينها، ليعود التوافق القطري السعودي بعدها، عبر تقاسم النفوذ داخل مؤسسات الائتلاف بين الإخوان المسلمين وأحمد الجربا وكتلته، وهو عشائري سوري مدعوم من السعودية.
الخلاف الحالي بين الدول التي تتقاسم النفوذ على مؤسسات المعارضة السياسية والعسكرية قد يؤدي إلى تعطيلها سياسياً، وإضعافها على الصعيد العسكري، وربما إخراجها من دائرة التأثير، خصوصاً أن هناك انفصال تام بين الجسم السياسي لهذه المعارضة والجسم العسكري.
سياسياً، يعدّ الائتلاف الوطني من الجهات الأكثر تضرّراً من الأزمة الخليجية الراهنة، فهي قد أضافت إلى مشكلاته القائمة مشكلة إضافية، فهو قبل الأزمة كان يعاني من نقص في الدور لمصلحة الهيئة العليا للمفاوضات، والتي حازت على اهتمام أمريكي وغربي أكبر، ومن المتوقع أن تنعكس الأزمة الحالية على توقف التعاطي معه من قبل المحور السعودي الذي يضم الإمارات والبحرين ومصر، خصوصاً أن أحد أسباب الأزمة الكبرى مع قطر هو دعمها للإخوان المسلمين، ولن يبقى من داعم للائتلاف سوى تركيا وقطر، ولن يكون هذا الدعم كافياً بكل الأحوال للإبقاء على شرعيته كممثل رئيس للمعارضة والثورة.
وقد تميزت ردود فعل الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات على الخلاف المستجد بين داعميهم بالحذر، فلم يصدر أي تعليق من الجهتين على هذا الخلاف، بل أن الناطقين باسم الجهتين تصرّفوا وكأن شيئا لم يحدث، على الرغم من أن أحد المكونات الرئيسية للهيئتين “الإخوان المسلمون” مستهدف مباشرة من قبل الدول المحتجة على سلوك قطر تجاه أحداث المنطقة.
إن حرص الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات على عدم إبداء أي موقف علني، قد يبدو في ظاهره أمراً حكيماً، لكنه يشير في العمق إلى مخاوفهما من تأثيرات الأزمة الراهنة عليهما، وحالة الارتباك التي تسودهما، على أمل أن تحصل تطورات إيجابية لرأب الصدع بين المحور السعودي وقطر، وهو أمر مستبعد في سياق تطورات الأزمة، حيث رفضت قطر مطالب الدول الأربعة، بالإضافة إلى إخفاق الوساطة الكويتية، ودخول تركيا وإيران على خط الأزمة.
عسكرياً، تمتلك قطر وتركيا تأثيراً على معظم الفصائل العسكرية التي تقاتل ضد “النظام”، وفي مقدمتها “جبهة النصرة “، المنضوية مع جزء من “أحرار الشام”، وبعض الفصائل الأقل حجماً، ضمن ما يسمى ب”هيئة تحرير الشام”، وهي تحصل على تمويل قطري بشكل أساسي ( آخره كان حصولها على مئات الملايين من الدولارات ضمن صفقة المدن الأربع)، وهي تتحالف في إدلب وريف حلب وريف حماة مع بعض الفصائل الأخرى، الممولة أيضاً من قطر، والتي تسيطر عليها “جماعة الإخوان المسلمين”، من مثل “فيلق الشام” و”الجبهة الشامية ” و”تجمع استقم كما أمرت “، و”نور الدين الزنكي”، والتي تدعمها تركيا لوجستياً، وتحتض بعض قياداتها.
بينما تمتلك السعودية تأثيراً كبيراً على “جيش الإسلام”، والذي يسيطر على جزء كبير من الغوطة الشرقية، وله بعض التواجد في الشمال، وهو على خلاف مع بقية الفصائل الممولة من قطر، حتى قبل نشوء الأزمة الخليجية الراهنة، وقد خاض معارك شرسة مع “فيلق الرحمن” المحسوب على “جبهة النصرة”، أدت لإضعاف الطرفين، وساعدت “النظام” وقوات “حزب الله” على استعادة مناطق مهمة في ريف دمشق الشرقي، مثل برزة وحي القابون، وبعض مناطق الغوطة الشرقية.
إن تمدّد الخلاف السعودي القطري إلى الميدان السوري من شأنه أن ينعكس في شكل محاولات إضعاف متبادلة تقوم بها الفصائل المحسوبة على طرفي صراع الأزمة الخليجية، وهو الأمر الذي سيستفيد منه تحالف “النظام” وروسيا وإيران، وسيقوم باستثماره لحصد مكاسب عسكرية وسياسية، وزيادة قدرة الروس على التعاطي مع المسألة السورية بوصفها قطاعات منفصلة، وليس كقضية كلية، تحتاج إلى حل سياسي شامل، وهو الأمر الذي يمكن أن ينسجم مع توجهات دول الجوار السوري، مثل تركيا وإسرائيل.
بالمحصلة فإن المعارضة السياسية في ظل الأزمة الخليجية القطرية ستكون في حال أكبر من الضعف والتشتت لم يسبق له مثيل طيلة الأعوام الستة الماضية عسكرياً وسياسياً، وهو ما سيجعل من وجود توافقات بين المعارضة السورية في محادثات “أستانة” أو في “جنيف” أمراً صعباً، وسيؤدي ذلك إلى إعطاء الترتيبات حول المسائل الميدانية أهمية أكبر من مسائل الحل السياسي، وهو ما بدأت بوادره الأولى بالظهور في التوافق الأمريكي الروسي حول الجنوب السوري، حيث تظهر المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري خارج دائرة اتخاذ القرار.

——————————-

عن أسبار
يُعنى المركز بتقديم الأبحاث والدراسات المتعلقة بالشأن الدولي عموماً وسوريا والشرق الأوسط خصوصاً ضمن هوية مستقلة، حيث يهدف فريق أسبار ليكون مرجعاً لترشيد السياسات المستقبلية ورسم الاستراتيجيات من حيث الأهمية. تأسّس المركز في المانيا شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 .

صلاح الدين بلال
مديرمركز اسبار للدراسات والبحوث/ المانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *