الرئيسية / مقالات / مجلس التعاون الخليجي إلى أين؟

مجلس التعاون الخليجي إلى أين؟

مجلس التعاون الخليجي إلى أين؟مجلس التعاون الخليجي إلى أين؟

  • مركز أسبار للدراسات والبحوث

اختتمت القمة الثامنة والثلاثون لمجلس التعاون الخليجي أعمالها في 5 من الشهر الجاري، مع تغيّب أربعة قادة دول عن القمة، هم قادة المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين وعمان، وحضور أمير قطر، وبدا واضحاً أن المحور السعودي-الإماراتي قد حضر القمة شكلياً، مراعاة لدولة الكويت من جهة، التي استضافت القمة، من دون التخلي عن الرغبة في إرسال رسالة واضحة عن استمرار النزاع مع قطر، وعدم إعطاء قطر أية فرصة لخرق حالة الحصار عليها.

لم تشهد القمة جدول أعمال مهم كما جرت العادة في أعمال مجلس التعاون الخليجي، فقد اقتصرت على جلستين، واحدة عامة، والثانية مغلقة، واعتراض كويتي قطري على مقترح بيان يحمل إدانة شديدة لإيران، وقد طرحت المناخات المحيطة بالقمة أسئلة عديدة حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً مع زيادة التنسيق الثنائي بين السعودية والإمارات، من خلال لجان مشتركة، غايتها تجاوز آليات مجلس التعاون الخليجي، في ظل حالة العطالة التي وقع فيها جراء الأزمة الخليجية، وبالفعل قد أقرّت المراسيم الضرورية من قبل السعودية والإمارات من أجل إنشاء لجنة مشتركة بين البلدين، تتضمن المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والثقافية.

وخلال الأيام التي تلت القمة، خرجت العديد من التصريحات السعودية التي أشارت إلى أنه من الصعب تجاوز مفاعيل الأزمة الخليجية، معتبرة أن الخلاف السياسي مع قطر قد أضرّ بالتعاون الخليجي، من دون أن تغفل تلك المصادر الحاجة إلى بناء أشكال بديلة عن مجلس التعاون الخليجي، وإذا كانت تلك التصريحات ذات مضمون سياسي بالدرجة الأولى، وهدفها زيادة التضييق على قطر، وتحميلها تعطيل دور المجلس، إلا أن إيجاد آليات لتجاوز القوانين المعتمدة من قبل المجلس على مدار أكثر من ثلاثة عقود ليس أمراً سهلاً، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والتجارية والقوانين الجمركية.

كان مجلس التعاون الخليجي منذ انطلاقته قد عمل بشكل مستمر على إزالة العوائق أمام التجارة البينية بين دول المجلس، وبالفعل فإن تقارير عدة أصدرها قطاع المعلومات في الأمانة العامة لمجلس التعاون قد رصدت أثر القوانين التي تبناها المجلس في زيادة حجم التجارة البينية، والتي ارتفعت حوالي 110 مليار دولار بين عامي 1984 و2015، وقد أوضحت تلك التقارير التأثير المباشر لقرار إقامة الاتحاد الجمركي الخليجي في عام 2003، ودوره الكبير في نمو التجارة البينية.

المسألة المهمة التي أسهم فيها الاتحاد الجمركي الخليجي هي إزالة الحواجز الجمركية فيما يخص المنتجات الخليجية، وهو ما زاد من عامل التكاملية في الإنتاج بين دول المجلس، وفتح سوقاً واسعة أمام الشركات الكبيرة من أجل طرح بضائعها في الأسواق الخليجية بأسعار منافسة للبضائع الأجنبية، وقد ترافقت الإجراءات الجمركية مع تطوير البنى التحتية بين دول المجلس من أجل تسهيل حركة الأفراد والبضائع، كما استفاد قطاع البنوك في معظم دول الخليج من ثبات الأموال في نطاق دول المجلس، مع زيادة في التعاون بين البنوك الخليجية.

إن الفلسفة التي رسخها مجلس التعاون الخليجي هي توجهه نحو المسائل المؤثرة في الاقتصاد، وفي حياة الأفراد، وقد شكّل بديلاً عن الإخفاقات المتكررة لجامعة الدول العربية في مجالات التجارة والاقتصاد وحركة الأموال والأفراد، وبدا واضحاً خلال العقد الأخير أن السوق الخليجية أصبحت أكثر تنظيماً في مواجهة التحديات العولمية، مع قدرة واضحة على تبني خطط طويلة الأمد، وإيجاد مقاييس ومعايير مواحدة للعمل الاقتصادي في دول المجلس، مع توجه حكومات دول المجلس إلى تبني أسس الحوكمة، من أجل رفع كفاءة المؤسسات، في ظل استثمار واضح لتكنلوجيا الاتصال والمعلومات.

ولكنه كان واضحاً أيضاً أن النجاحات التي حققها المجلس في مجالات اقتصادية وتجارية عديدة بقيت محفوفة بمخاطر السياسات المتنوعة لدول المجلس، بالإضافة إلى الهواجس العسكرية والأمنية المتباينة بين دوله، حيث فشلت المساعي الخليجية المتكررة في اعتماد تعاون عسكري واسع النطاق، خصوصاً لجهة المخاوف من الإمكانات البشرية الكبيرة للسعودية وعمان قياساً بباقي دول المجلس، وفي مواجهة هذه الحالة من التباين، عملت السعودية والإمارات على زيادة التعاون العسكري والأمني فيما بينهما، ما شكّل هاجساً لباقي دول المجلس، والتي رأت أن هذا التعاون يعطي أفضلية للسعودية والإمارات في النفوذ ضمن مجلس التعاون الخليجي.

ومنذ 2011 ظهرت تباينات عديدة في مواقف دول المجلس من أحداث الربيع العربي، وقد مرّت تلك التباينات في حالة كمون في لحظات معينة، لكنها كانت على الدوام قابلة للانفجار، ففي الوقت الذي سعت فيه قطر إلى تمكين الإخوان المسلمين في حكم مصر فقد سعت السعودية والإمارات إلى دعم المجلس العسكري، وبالتالي إزاحة الإخوان المسلمين من المشهد، وقد امتدّ الخلاف حول مصر بين قطر من جهة وبين السعودية والإمارات من جهة أخرى ليشمل كل ساحات الربيع العربي، وصولاً إلى الأزمة الخليجية الأخيرة، والتي دخلت في مرحلة إزمان، ومن غير المتوقع أن تخرج منها في الأمد المنظور,

إن القمة الأخيرة للمجلس تظهر بشكل واضح أن المجلس أمام منعطف مصيري، وأن الأزمة الخليجية ستزيد من الشرخ في المجلس، وستنعكس على لجانه المختلفة، وستؤدي دور المعطل لعمله، وستعيد المجلس إلى الوراء بخطوات كبيرة، مع تزايد المخاوف من أن تنعكس الخلافات السياسية سلباً على القرارات القديمة، بحيث يتم تعطيل العمل بها، لمصلحة اللجان المشتركة، والتي ظهرت بوادرها بين السعودية والإمارات، وهذا ما يعيدنا إلى زمن العلاقات الثنائية، بدلاً من العلاقات المفتوحة على امتداد مساحة المجلس.

في ظل الأزمات السياسية التي تحيط بالعالم العربي، وبدول مجلس التعاون الخليجي، فإن تقهقر عمل المجلس من شأنه أن يؤثر على أداء الشركات الكبيرة والبنوك وقطاع الاستثمار، خصوصاً أن قوانين المجلس كانت تشكل إغراءً كبيراً لرؤوس الأموال بالاستثمار في دول المجلس، والاستفادة من المزايا المالية والجمركية، وهو ما سيعني أيضاً تراجعاً كبيراً في أداء أسواق الأوراق المالية، وهو ما بدأت تظهر بوادره مؤخراً.

هل يمكن الحد من تأثير الخلافات السياسية على تراجع مكانة مجلس التعاون الخليجي؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الشهور القادمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تعويض الخسائر التي ستنجم عن تدهور المجلس أو انهياره لن يكون بالإمكان تعويضها بسهولة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *