الرئيسية / مقالات / رائد الفضاء الذي لم يهبط بعد

رائد الفضاء الذي لم يهبط بعد

رائد الفضاء الذي لم يهبط بعد

زياد الدريس – الاتحاد برس:

في 29 رمضان 1405هـ الموافق 17 حزيران(يونيو) 1985م، أقلع المكوك الفضائي «ديسكفري» حاملاً من بين روّاده السبعة أول رائد فضاء مسلم عربي سعودي اسمه: سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز.

لم يكن الحدث هيّناً، لا على المستوى الأممي ولا القومي ولا الوطني، لكن تفاعلنا معه كان، وما زال هيّناً!

ولأننا ألِفنا مع الأسف تعظيم منجزات الغرباء والتشكيك في منجزات الأقرباء، فقد قال بعضهم أنه اختير لأنه أمير، كأن عوامل فقدان الجاذبية وأعراضها المميتة ستحابي رئتَي الأمير حتى لو لم تكن لديه الجاهزية الجسدية واللياقية لغشيان الفضاء! وشكّك آخرون في صعود المركبة إلى الفضاء أصلاً وأن أيام الرحلة كانت كلها من مشاهد داخل أحد استوديوات هوليوود، ليس لأنهم لا يؤمنون بارتياد الفضاء ولكن لأن المركبة فيها أمير!

كانت تلك الشكوك العبثية متداولة أثناء الرحلة، لكن رائد الفضاء العربي الأول استكمل رحلته المكوكية، بعد عودته من الفضاء، بين دول العالم المتقدم يستمعون إلى تجربته الفريدة ونتائج الأبحاث التي أجراها بالتعاون مع الفريق العلمي السعودي الكبير. وقامت وكالة «ناسا» الفضائية بوضع اسم سلطان بن سلمان ضمن قائمة أسماء الذين ارتادوا الفضاء، بل وتصفه في موقعها حتى اليوم بأنه (أصغر شخص ذهب إلى الفضاء بعمر ٢٨ سنة و١١ شهراً و٢١ يوماً).

بكل أسف وضعف، فإن فتيان وفتيات العرب يدرسون اسم أول رائد فضاء روسي واسم أول رائد فضاء أميركي لكنهم لا يدرسون ولا يعرفون اسم أول رائد فضاء عربي، لماذا؟!

هل السبب هو الانهزامية أمام أمجاد الآخرين والزهد في أمجادنا، أم الغيرة من أن يكون أول رائد فضاء عربي: سعودياً «انطلق من الخيمة إلى الفضاء»!!

لماذا أستذكر اليوم مجدداً هذا الحدث، الذي لا يُنسى؟!

لأني اطلعت الأسبوع الماضي على كتاب «البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية»، الصادر حديثاً، وفيه يسلّط سلطان بن سلمان، رئيس قطاع التراث الوطني السعودي، الضوء على التنامي الملموس للاهتمام بقضايا التراث والآثار في المملكة العربية السعودية، بعد أن كانت قضايا هامشية لعقود طويلة مضت، حتى استطاع رائد الفضاء برحلاته المكوكية/ الأرضية، ليس بين مدن وقرى وصحارى المملكة فقط، ولكن أيضاً بين دول العالم المعنية خصوصاً بفنون «التنبيش» عن الآثار ودراستها واستقصاء دلالاتها على التاريخ الحضري العريق في طبقات الجزيرة العربية. مما يوفّر أبلغ رد على (الحكواتية) الذين يزعمون بأن جزيرة العرب بلا تاريخ، ولم تمر بها حضارة كالحضارات العظيمة التي مرّت بمصر والشام وغيرهما.

يتحدث «رائد التراث» في كتابه هذا عن الصعوبات والمشاقّ التي واجهها طوال ١٧ عاماً، منذ استلامه رئاسة هيئة السياحة والتراث الوطني السعودية، للخروج بهذا الملف والكنز الثمين من تعقيد بعض التحرزات الاجتماعية أو الدينية، التي تبيّن لاحقاً أنها وهمية أو مبالغٌ فيها على الأقل. وقد توسّع في سرد التجربة البيروقراطية له في هذا المعترك، في كتابه الأسبق تحت عنوان: (الخيال الممكن)، حتى بلغت الآثار السعودية مجد العالمية عبر دخولها لائحة التراث العالمي في منظمة اليونسكو.

وإليكم هذه الحكاية:

في منتصف كانون الثاني(يناير) ١٩٩١، كنا، د. فهد العرابي الحارثي وأنا، نساهم مع إحدى الجمعيات الخيرية بالرياض، ويرأسها الأمير سلطان بن سلمان، في استصدار مطبوعة توعوية. وفي أثناء التجهيز النهائي لصدور العدد الأول، وكان موضوع الغلاف وضيفه الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله، اختفى الأمير سلطان عنا، حيث انتقل (الطيار سلطان) إلى القاعدة الجوية الحربية بالظهران التي أخذت كامل استعداداتها لمواجهة صواريخ سكود العراقية.

أغلقنا نوافذ بيوتنا بالشمع تحرّزاً من صواريخ صدام، وبقينا في الأقبية حذَرَ الموت بالكيماوي، وفي أثناء هذا القلق قالت لي أمي إن الأمير سلطان بن سلمان على الهاتف من الظهران يبغاك (ذلك الحين لم تبدأ الهواتف الجوالة)، تساءلت لماذا يريدني الطيار في هذا الوقت العصيب؟ هل سيمنحني امتيازاً، بحكم التعاون الخيري، فيخبرني مثلاً بالأماكن المتوقعة لوصول الصواريخ أو على الأقل بمواعيد وصولها بالضبط؟!

أخذتُ سماعة الهاتف بسرعة، وإذا هو سلطان بن سلمان نفسه، وليس أحداً ينتحل شخصيته، قال لي: وشلونك يا زياد؟ أجبته، والبروتوكولات تتضاءل في أثناء الحروب: وشلونكم أنتم هناك في القاعدة؟ ثم قال بكل هدوء: اسمع يا زياد، لا تطبعون الإصدار حق الجمعية، جاءت في بالي فكرة جديدة نقدِّم بها الشيخ بن باز أفضل من التي وضعنا. أجبته وعصافير الدهشة تحوم فوق رأسي: «خلاص إذا رجعتَ بالسلامة بنعمل غلاف جديد يكون (صاروخ) صحفي عند القرّاء»!

هذا هو أول رائد فضاء عربي مسلم، لا يكلّ ولا يملّ من العمل في أي مكان أو مجال يكون فيه. أفيُستكثر على هذا (المحلّق) دوماً مع منجزاته في الأرض أن يلاحق طموحاته في الفضاء؟!

المصدر: صحيفة الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *