الرئيسية / مقالات / حين يتحول الجيش التركي إلى ميليشيا مساندة للنظام

حين يتحول الجيش التركي إلى ميليشيا مساندة للنظام

داريوس الدرويشحين يتحول الجيش التركي إلى ميليشيا مساندة للنظام

داريوس الدرويش

يوحي التقدم الأخير للنظام السوري في مناطق سيطرة المعارضة الإسلامية بإدلب وحماة، والتي ستصل في الأيام القادمة إلى السيطرة على أكثر من نصف تلك المناطق بعد عزل جيب المعارضة شرق مطار أبو الضهور، بأن صفقة أخرى كتلك التي خسرت المعارضة بموجبها حلب وربحت تركيا الباب وجرابلس، يجري العمل عليها، وتقتضي خسارة مؤكدة للمعارضة في إدلب، مقابل حصول مفترض لتركيا على عفرين. إلا أن هذه الصفقة ليست كما يشاع عنها لتبدو وكأن تركيا والنظام قد دخلا في اتفاق تبادل بينهما بوصفهما ندين على قدم المساواة، بل يبدو أنها ستكون نتيجة اعتراف تركي كامل بالهزيمة أمام النظام السوري، مع تعهد مهين بإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها في سوريا، وإصلاح الأخطاء التي تسببت بها.

بدأت بوادر الاعتراف التركي بالهزيمة تظهر بشكل أوضح مع التغييرات التي أجراها أردوغان في الحكومة والحزب الحاكم، من تحييد لداوود أوغلو واستبداله بيلدريم، والتي عبرت عن تغير في أولوياته من محاربة النظام السوري إلى محاربة الطموحات الكردية في سوريا. لاحقاً، كان اعتذاره المذل لبوتين وإجراءه صفقة حلب-الباب، ومن ثم تربيت روحاني على كتفه في تلك الصورة الشهيرة مقابل تسهيله تسليم داريا والوعر وتهجير سكانها، ذروة ذلك الاعتراف، والخطوات الأولى في مسار تنفيذ تعهداته تجاه تلك القوى التي أجبرته على الانصياع، والتي يبدو أن آخرها سيكون تسليم إدلب والقضاء على الكرد في عفرين.

رغم ذلك، تعمل تركيا بكل جهدها على إنجاح هذه الصفقة، ليس لأنها مستفيدة منها، وبالتأكيد ليس لأنها تشعر بالذنب تجاه النظام السوري، ولكن لأنها تحاول تجنب المزيد من الهزائم أمام الكرد، والتي بدأت في رأس العين وكان آخرها سيكون في إدلب. وقياساً على تلك الهزائم، اعتبرت تركيا أن خسارتها لإدلب أمر حتمي بعد تصريحات مسؤولين في قوات سوريا الديمقراطية حول نيتهم الوصول إلى البحر، والتي كانت ستقطع طرق الإمداد التي تغذي القوى العسكرية المرتبطة بها في تلك المناطق، وبالتالي خسارتها دون أي مقابل، سواء لصالح النظام أو لصالح قوات سوريا الديمقراطية. هذا التهديد ترك تركيا أمام خيار وحيد، وهو أن تتنازل عن تلك المناطق للنظام بـ«رضاها» مقابل إجهاض الطموحات الكردية التي تعتبرها تركيا التهديد الوحيد لها في الشرق الأوسط.

إلا أن خروج تركيا من هذه الصفقة بخفي حنين أمر شبه مؤكد، فالقول إنها حصلت مقابل ذلك على مناطق جرابلس والباب وعفرين وأجزاء من إدلب ليس واقعياً، ولا يمكن اعتبارها خسارةً دائمة للنظام السوري، فعدم وجود اتفاقات مباشرة بين النظام وتركيا يتخلى بموجبها الأول، نيابة عن الدولة السورية، عن تلك المناطق لصالح الأخيرة، سيعطي الوجود التركي فيها صفة احتلال غير معترف به في القانون الدولي، لن تؤيده أي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فمن المحتمل جداً أن تطالبها روسيا بالانسحاب التام من سوريا حالما تنهي تركيا المهام الموكلة إليها، مطمئنة إلى عدم وجود تعاطف غربي معها بعدما كانت تركيا من أولى الدول التي نجحت في إبعاد النفوذ الغربي في سوريا، إلى الفترة التي استطاعت هذه الأخيرة تحقيق تحالف مع وحدات حماية الشعب، وقوات سوريا الديمقراطية لاحقاً.

من نافلة القول أن النظام السوري هو المستفيد الأكبر من هذه الصفقات، وعلى رأسها هذه الأخيرة، إذ عدا عن أنه سيكون قد استعاد معظم مناطق سيطرة المعارضة في سوريا، فإنه سيستعيدها دون أن يخسر شيئاً، وإمعاناً في الإهانة، لن يمانع النظام السوري خوض تركيا مغامرة لم يتمكن، ولن يتمكن، هو من خوضها، وهو القضاء على القوى الكردية والعربية المتحالفة في قوات سوريا الديمقراطية، فإن فعلت ذلك، كان له القضاء على كل القوى المنافسة في سوريا، مع ضمانة روسية بإخراج تركيا من سوريا لاحقاً. أما إن لم تستطع، كان له القضاء على الإسلاميين في إدلب، وبذلك تكون شوكة تركيا قد كسرت بشكل كامل.

لم تكن تركيا في يوم الأيام تلك الدولة التي تستطيع أن تكون لاعباً أساسياً في المنطقة، إذ لم تتمتع أبداً بالحرية الكافية لتحديد أعدائها الحقيقيين بسبب وقوعها على الدوام أسيرة أفكارها الفاشية المؤسسة لها، لذا لم تلعب تركيا طوال تاريخها الحديث سوى دورٍ بالغ الصغر لم يتعدى كونها مجرد عصا تهدد جوارها، وهو دور كانت تقدمه بمقابل للدول العظمى في السابق، إلا أنها الآن، ورغم محاولة أوجلان والكرد إخراجها من هذا الدور حماية لمصالح الشعبين، باتت عصاً تأخذ تعليماتها من النظام السوري، وبات الجيش التركي بمثابة ميليشيات يحركها النظام بشكل أو بآخر لخدمته، تحتل له منطقة لتسلمه إياها في المستقبل، مثله مثل حزب الله، على الأكثر.

المصدر: صحيفة روك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *