الرئيسية / مقالات / رياض درار: سأخون وطني

رياض درار: سأخون وطني

رياض دراررياض درار: سأخون وطني

الماغوط حين كتب مجموعته «سأخون وطني»، وجعل خيانة الوطن صدمة فنية، لم يكن ليفكر لحظة بتلك الكلمة التي تحمل معانيَ كثيرةً وعظيمة، والتي تحمل الفخر والاعتزاز والهوية، والتي تفديها الأرواح وتقدم لها دماء الرجال رخيصةً لأنها الوطن.

فالوطن حيث الأمان، وتحقيق حاجات الإنسان الروحية والعاطفية، وحيث التعلق بذكريات لا تنسى ولا يمحوها جمال غيرها ولا تسمو أشواقٌ فوقها. ولذلك؛ حين قرَّر الماغوط أن يخون وطنه قرَّر أن يغادر تلك المزبلة التي تزكم الأنوف، وتلك الممارسات التي تندى لها الجباه، وتلك المراتع التي تتسيد فيها المفاسد ويرتع فيها الطغيان. فالذي يرى الفرح ليس مهنته ولن تكون الخيانة صفته. لذلك؛ كان هذا البوح والهذيان عن الرعب وعن الحرية، وهما هموم ذاك الذي يسمى المواطن في ذاك الذي يسمى الوطن.. الخوف الذي يعاني منه، المعاناة مع السلطة، مع القمع، مع الدكتاتورية، مع الخبز، مع المواطن الآخر، وكان الأسلوب هو تلك السخرية من القبضة الأمنية ومن لغة الحوار التي تمارسها السلطة بين الرفس واللبط وشد الشعر، حيث العار يُجلِّلُ كلَّ شيء. من المراقبة التي لا يسلم منها حتى المراقب فوراءه مئة عين تراقبه، من الخوف في كل خطوة، من كل نظرة ومن كل رنة هاتف، حيث جمهورية الخوف وجمهورية الصمت والرعب، فهذا هو الوطن الذي قرر الماغوط أن يخونه! حيث الوطن عبارة عن شاحنة مجللة بالقيم والشعارات والخطابات، ومع ذلك فالمواطن يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة ويقاتل عبر المباريات الرياضية ويخفف من شحنات غضبه بالسب على اللاعبين، ويعود في موعد تمثيلية السهرة رغم قصف القنابل فوق العراق التي تحترق، ورغم موت الأطفال في الملاجئ، ورغم العوائل التي تتجمد تحت ثلج الشتاء لا مأوى لها. رغم صرخات المعتقلين ومسالخ زنازين المخابرات. واليوم رغم تدنيس الغرباء لأرض عفرين والدمار الذي تتوشح فيه الغوطة وقرى إدلب وبقية المدن المتمردة والمواطن مع كل هذا ينتظر برنامج «ذا فويس» لعل لحناً وصوتاً شجياً يبكي خيبته التي جعلته يخون وطنه. أما فلسطين فصارت من آثار الماضي الحزين، ولم تعد اسرائيل عدوتنا أو هي ليست العدوة الوحيدة. لذلك؛ حين تقصف الأرض السورية بصواريخها أو تعبر الأجواء مهددة متوعدة ولا تلقى رداً يموت ضمير الوطن وحين تسقط إحدى طائراتها بصدفة يقظة مرة لا أحد يفرح؛ لأنه تعود أن عندنا مقاومة وممانعة تحتفظ بحق الرد، أما اسرائيل، فإنها تفكر بالرد. لذلك؛ لا يطمئن المواطن لهذه الصدفة، بل ينظر إلى السماء مترقباً سرعة الرد.

الوطن هو الإنسان وليس البنيان، والشعوب حين تفقد إحساسها بالأرض والحرية والكرامة والانتماء، ماذا يبقى لها من الوطن؟!. فما معنى أن تحب الشعر أو القمر أو الحرية أو المرأة وأنت في حالة تلصص وبعد أن تغلق الأبواب والنوافذ، بعد أن تتأكد أن المسؤولين قد أووا إلى أسِرَّتهم وأخلدوا للنوم، فالمسؤول عندنا ليس كبقية أهل الأرض حين يختلف المسؤول مع المواطن! «فالمسؤول الإنكليزي حين يختلف مع المواطن يأتيه بحجة من شكسبير، والفرنسي يأتي بحجة من فولتير، والإيطالي يأتي بحجة من دانتي، والألماني من نيتشه أو هيجل. أما المسؤول لدينا حين يختلف مع المواطن يأتي بدبابة ومدفع. ومادام الحوار هو بين العين والمخرز، فلن ترتفع إلا الأسعار، ولن تنصب إلا المشانق، ولن يُجر إلا الشعوب إلى المسالخ. فما معنى وطن إذا كان عدة الديمقراطية هي سيف ومسدس وهراوة وأصفاد».

ثم أي وطن هذا حتى في كتاب الماغوط عندما لم أجد للشعب الكردي حضوراً مع أن سجون الأنظمة التي يردد الفخر بعروبتها تمتلئ بهم، وهم من عانى من القمع والاضطهاد المزدوج. ألا تستحق شعوب هذه المنطقة أن تذكر لنعرف معنى الوطنية بتعدد المنتمين إليها؟ حتى في اللوحة المسمارية «عنوان يتكلم عن حقوق الإنسان في المجموعة» لم يذكر شعوب المنطقة التي صنعت قصة الشرق الأوسط ولم يذكر إلا شعباَ واحداً استأثر بالتاريخ كله، فليت الماغوط الكبير تذكر بقية الشعوب، فقط لنتذكر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *