الرئيسية / مقالات / ديون الأسد بين اقليم كردستان والعمال الكردستاني

ديون الأسد بين اقليم كردستان والعمال الكردستاني

زيد سفوكديون الأسد بين اقليم كردستان والعمال الكردستاني

الاتحاد برس – زيد سفوك

منذ عام 1957 دخول الكرد في سوريا مرحلة تأسيس الاحزاب وحتى بدايات عام 2018 مرحلة تصفية الحسابات ظل الشعب الكردي غائبا عن المشهد العام لِمعرفة من يقرر مصيره، وتاه في دفع ديون كردستان العراق وتركيا لِآل الاسد دون أن يشعر بذلك، فالصراع بين البعث العراقي والسوري كان العامل الاهم لبدء دمشق دعم القيادة الكردية في كردستان العراق ولا سيما بعد الضغط الامريكي والروسي على دمشق لإفساح المجال امام القيادة الكردستانية بدخول اراضيها والتنقل بحرية مطلقة، وكان ذلك الضغط نتيجة وجود قنوات اتصال بين القيادة الكردستانية وبعض القيادات السياسية والعسكرية الامريكية والروسية، واستفاد نظام البعث السوري من تلك الخطوة ووضعها ضمن اجنداتهِ الخاصة ايضاً لإرضاخ نصفه الاخر من البعث العراقي، فرغم استلام حزب البعث لزمام الحكم في العراق عام 1968 وفي سوريا عام 1970 إلا أن بغداد ودمشق ظلتا في صراع مستمر لاعتبار كلٍ من جناحي البعث في الدولتين وان احدهما هو الوريث الشرعي واعتبار الطرف الآخر منشق وخارج عن اهداف الحزب، وفتحت دمشق معبرا حدوديا مع كردستان “فيشخابور – سيمالكه” في اواخر الثمانينات وكان خاضعاً للأمن العسكري في القامشلي وبارتباط وثيق مع القصر الجمهوري في دمشق، وظل ذاك المعبر هو المنفذ الوحيد لمرور جميع قيادات حزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الى دمشق والحصول على نوعٍ من الدعم انحصر على فتح طريق للتنقل والسفر وممارسة العمل الدبلوماسي في الخارج، ولم تحصل على اي مال او سلاح من نظام دمشق، بل على العكس تماما كانت الاستخبارات السورية تمنع الكرد في كردستان سوريا من ايصال المال والسلاح للثوار في كردستان، وهو ما ادى الى استخدام الكرد طرق التهريب بين سوريا والعراق والمخاطرة بحياتهم لإيصال الدعم، ورغم ذلك ومع بداية الثورة السورية اعتبرت القيادة الكردستانية ان لآل الاسد ديون عليهم ومن واجبهم ردها بالوفاء، وبالفعل تم رد الدَين من خلال السيطرة على الشارع الكردي في كردستان سوريا واختيار اشباه القادة كممثلين عنهم ودعمهم بالمال وابعاد اي كردي يحاول مواجهة النظام، فلم ينسى الرئيس الراحل جلال الطالباني (1933- 2017) والرئيس مسعود البرزاني تلك العلاقة الودية بينهم وبين آل الاسد طوال عقود مضت، وتحدث الطالباني في اكثر من مرة بان الاسد كان خير صديق وتربطهم علاقات جيدة، وتحدث الرئيس البرزاني ايضا عن ذلك واهمها كان في لقاء مع المعارضة ما يسمى (الائتلاف) في اربيل حين صرح بانه لا يستطيع ان يجعل من الاقليم ممرا لقتال نظام البعث في دمشق وان أفضال الاسد (الآب) عليهم كثيرة.

من المنطق القول بان لا عتب او لوم عليهم طالما كانوا صريحين الى هذه الدرجة، فالظروف اجبرتهم على طلب المساعدة من اي نظام اقليمي لإنقاذهم من بطش وديكتاتورية الحكومة العراقية، لكن العتب ان وجد يكون على وكلائهم داخل سوريا الذين استغلوا مصير القضية الكردية في سوريا لدفع ديون غيرهم وقبضوا الثمن.

في الطرف الاخر منذ مجيء حزب العمال الكردستاني عام 1984 الى كردستان سوريا بدأ نظام دمشق بإيوائهم وتقديم جميع التسهيلات لهم، حتى قدوم زعيم الحزب عبدالله اوجلان وتأسيسه لمعسكر في البقاع اللبناني الذي كان تحت سيطرة الجيش السوري آنذاك لتدريب المقاتلين الكرد وارسالهم فيما بعد الى سوريا ومنها الى كردستان العراق والتوجه الى قنديل لمحاربة النظام التركي، ذاك النظام الذي لم يكن يتوانى ايضا عن استخدام القتل والتدمير والتنكيل بالشعب الكردي في كردستان تركيا، ونتيجة الخلاف بين انقرة ودمشق والملف الشائك في لواء اسكندرون الذي احتلته تركيا منذ عام 1939 واطلقت عليها اسم ولاية هاتاي فيما بعد، استخدمت دمشق الورقة الكردية ايضا واستمرت بتقديم الدعم المادي والعسكري حتى عام 1998 حين حشدت القوات التركية الياتها العسكرية على الحدود السورية مهددة بإعلان الحرب على دمشق، الامر الذي ادى الى تراجع الاسد عن دعم العمال الكردستاني والزامه لزعيم الحزب عبدالله اوجلان بمغادرة الاراضي السورية.

مما لا شك فيه ان الاطراف الثلاثة (الطالباني والبرزاني واوجلان) تعاونوا مع دمشق نتيجة الظروف التي فرضت نفسها على ارض الواقع، ولم يكن امامهم خيار سوى قبول اي دعم خارجي في ظل الحصار الجغرافي الذي جعل من كردستان بأجزائها الاربعة ضمن دائرة مُحكمة الاغلاق من قِبل اعدائها، وهو ما استفاد منه الاسد (الابن) حين بدأ بطلب ديون والده والتي دفعها الكرد في سوريا نيابة عن المحاور الكردستانية، وتحولت الثورة السورية الى ثروة تجار حروب، لم يعد هناك معارضة ولا جيش عقائدي لقلب نظام الحكم، فقد قامت تركيا بأسلمة الثورة ودعم تنظيمات متطرقة كالنصرة وداعش والاخوان المسلمين، وجاءت تلك الأسلمية لصالح النظام السوري الذي حول انظار المجتمع الدولي برمته الى محاربة الارهاب والتطرف ومن ثم العودة للحديث عن تغيير النظام ليتناسى الجميع ان البعث اداة ارهابية ضد الشعب السوري، وبالجهة الاخرى قضت المحاور الكردستانية على الشارع الكردي وفتت التنسيقيات والمنظمات الشبابية والنسائية والثورية وبات الشارع الكردي خاليا من وجود اي تجمع ضد سلطة البعث.

اصبح النظام مطمئناً ان الكرد هم اخر من سيحاربونه، وباتت الان تلك المحاور والنظام متعادلين في رد الديون، وجاءت مرحلة المصالح المشتركة لتكون الحاسم، فأما التوافق والتفاهم على مرحلة جديدة وفق مصالح مشتركة (ويحتاج الى موافقة امريكية روسية)، واما الدخول في صراع وحرب جديدة، لكن الامور تتجه للتفاهم اكثر ولا سيما ان الارشيف القديم يؤكد على تعاون كان شبه ناجح فيما بينهم، وسيبقى الشعب الكردي ضحية اي اتفاق الى حين ارساء ثقافة الوعي وترك سياسة التصفيق والعبودية، فالثراء هو ثراء العقل وهذا ما يفتقده الكرد لان العاطفة دائما تنتصر على عقولهم ويصبحون ضحية فساد السياسيين دون أستثناء.