الرئيسية / مقالات / الغوطة الشرقية: إنهاء “خفض التصعيد” وثلاث سيناريوهات محتملة

الغوطة الشرقية: إنهاء “خفض التصعيد” وثلاث سيناريوهات محتملة

الغوطة الشرقية: إنهاء “خفض التصعيد” وثلاث سيناريوهات محتملة
 
الاتحاد برس- مركز أسبار للدراسات:
 
نهاية اتفاقية “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية:
 
أنهت الضربات الجوية التي شنتها منذ أسابيع القوات الجوية السورية والروسية اتفاق “خفض التصعيد” الخاص بالغوطة الشرقية ،والذي كان قد أبرم تحت رعاية مصرية، في 22 يوليو /تموز من العام الماضي، وبدأت من جديد عملية عسكرية عنيفة، طالت المدنيين، وأدت فعلياً إلى استصدار القرار 1401 من مجلس الأمن، لبدء هدنة في كافة أنحاء سوريا، لكن القرار الذي استثنى “تنظيمات إرهابية” لم يمنع قوات النظام السوري من استكمال عملياته في الغوطة الشرقية، تحت ذريعة وجود ارتباط بين الفصائل الموجودة في الغوطة الشرقية وبين “هيئة تحرير الشام” )جبهة النصرة- القاعدة سابقاً(.
 
كانت روسيا فعلياً قد عوّلت على “اتفاقية خفض التصعيد” لسحب جميع الأطراف إلى رؤيتها للحل السياسي، بحيث يكون وقف العمليات القتالية مقدمة أولى نحو بناء سكة للحل السياسي تتوافق بالدرجة الأولى مع مصالح موسكو الاستراتيجية، وبالتالي فإن إدخال الغوطة الشرقية ضمن مسار “أستانة” كان مهماً لموسكو والنظام السوري معاً، خصوصاً أن الغوطة الشرقية هي المنطقة الأوسع في محيط دمشق التي تمتلك فيها قوات معارضة للنظام السوري قوة لا يستهان بها، بعد أن خضعت أماكن أخرى لهدن ومصالحات، أدت إلى ترحيل مقاتلين ومدنيين منها، كما في داريا وقدسيا، أو كما حصل في مضايا والزبداني، بعد اتفاق “المدن الأربع”.
 
أهمية الغوطة الاستراتيجية:
 
لا تمتلك الغوطة الشرقية أهمية استراتيجية ذات مغزى، فقد تمّ عزلها على مدار السنوات السابقة، كما لا تشكل القوات المتواجدة فيها خطراً كبيراً على دمشق، خصوصاً بعد فشل كل المحاولات السابقة من قبل الفصائل الموجودة فيها إحراز تقدم نحو العاصمة، كما أن تجربة حصار مدن وبلدات في ريف دمشق من قبل النظام، ومن ثم عقد هدن ومصالحات مع الفصائل الموجودة فيها، لا يزال يشكل تجربة ماثلة في أذهان قيادات فصائل الغوطة الشرقية، فقد قامت استراتيجية النظام العسكرية تجاه ريف دمشق على مبدأ قطع التواصل بين بلدات ومدن ريف دمشق، وعزلها عن بعضها البعض، وحصارها لوقت طويل، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات في المناطق المحاصرة، خصوصاً لجهة نقص الغذاء والدواء، وهو ما يجعل من المدنيين أداة ضغط كبيرة على الفصائل العسكرية.
 
تبغ مساحة الغوطة الشرقية حوالي 110 كيلومتراً مربعاً، وهي تضم عدد من المدن والبلدات )دوما، عربين، سقبا، حمورية، زملكا، حرستا، وغيرها( ،كما تتصل بالمليحة وجرمانا، وقد تقلص عدد سكان الغوطة الشرقية من أكثر من مليوني نسمة قبل 2012 إلى حوالي 400 ألف نسمة في الوقت الراهن، وقد كانت مدن الغوطة الشرقية من أوائل المدن التي شهدت انتفاضة السوريين ضد النظام، ثم انخرطت في الصراع العسكري في 2012، وتشكّلت فيها عدد من الفصائل المسلحة، وكان أبرزها “جيش الإسلام” الذي تشكّل في الأول من يونيو/ حزيران 2012، ومؤسسه زهران علوش الذي تمّ اغتياله لاحقاً، ويضم حوالي 10 آلاف مقاتل، وقد انخرط “جيش الإسلام” في العملية التفاوضية، عبر ممثليه في “الهيئة العليا للتفاوض.”
 
تتواجد في الغوطة الشرقية عدد من الفصائل المسلحة الإسلامية الأخرى ،أبرزها “فيلق الرحمن”، ويضم حوالي 9 آلاف مقاتل، بالإضافة إلى “هيئة تحرير الشام”، و”أحرار الشام.” التوقيت الزمني والسياق السياسي:
 
أتى استهداف الغوطة الشرقية بالتزامن مع عملية “غصن الزيتون” التي شنتها تركيا ضد عفرين، وقد كانت روسيا وتركيا ضامنتين لاتفاق “خفض التصعيد”، وبالتالي فإن تزامن العمليتين يعدّ مؤشراً مهماً لفهم التوقيت الزمني، فموسكو وأنقرة-بعد أن مال مؤتمر سوتشي نحو كفة الفشل-أرادتا تحقيق انتصارات ميدانية مباشرة، عبر توافق بين الدولتين، من أجل رسم حدود النفوذ، وتمهيد الأرضية لمصالح مستقرة لاحقاً.
 
تعدّ الغوطة الشرقية من وجهة النظر العسكرية منطقة معزولة، ومقارنة بالمنطقة الجنوبية فهي أصغر من حيث المساحة بأضعاف، ويمكن لروسيا أن تستفيد من الصراعات بين فصائل المعارضة المسلحة فيها، كما أن وجود “هيئة تحرير الشام” وارتباطها بتنظيم “القاعدة” يعطي ذريعة قوية لروسيا من أجل استهدافها.
 
وفي ظل غياب التوافق الدولي بين موسكو وواشنطن على حل سياسي واضح المعالم في سوريا فإن موسكو تجد بأنه من الأفضل لها اتباع سياسة القضم التدريجي لمناطق المعارضة المسلحة، وبناءً عليه فإن استهداف الغوطة الشرقية ودفع الفصائل فيها نحو اتفاق على خروجها وتسليم أسلحتها سيكون انتصاراً لموسكو يمكن استثماره سياسياً، من أجل إعادة بناء المسار السياسي، ورفع سقف التفاوض مع الدول الإقليمية، بالإضافة إلى واشنطن.
 
الموقف الميداني:
 
أدى القصف الجوي على مدن وبلدات الغوطة الشرقية إلى قتل أكثر من 500 من المدنيين ،ويعد هذا القصف من أشد أنواع الاعتداءات التي شهدتها الغوطة الشرقية منذ عام 2012، وهي التي كانت تعرضت إلى اعتداء كيماوي في 2013، وتؤكد شدّة القصف واستمراره لأيام أن الهدف ليس عسكريا ً مباشر اً بالدرجة الأولى، وإنما دفع المدنيين إلى الضغط لإحداث نوع من الاتفاق لإخراج الفصائل المسلحة، على غرار ما حدث في داريا وقدسيا ومعضمية الشام سابقاً.
 
الرد الدولي جاء عبر القرار 1401 في 24 فبراير/ شباط الماضي، والذي نصّ على “إيقاف النار الفوري في سوريا لمدة 30 يوماً، والسماح بإخلاء المصابين من المدنيين، وإدخال المساعدات الطبية(، وقد وافقت روسيا على القرار، لكنها فعلياً ما زالت ماضية في خطتها تجاه الغوطة الشرقية، حيث بدأت العمليات العسكرية البرية.
 
استراتيجية النظام وروسيا تتجه نحو تقطيع أوصال الغوطة الشرقية، عبر الاستيلاء على مناطق محددة، تسمح للنظام بفصل مدن الغوطة عن بعضها البعض، واستنزاف المقاتلين على جبهات متعددة، ودفع الفصائل إلى توقيع اتفاقات من أجل خروج القسم الأكبر منهم، وتحديداً القيادات، مع تسوية أوضاع أعداد كبيرة من المقاتلين العاديين.
 
بينما تتجه استراتيجية الفصائل إلى الصمود أكبر قدر ممكن من الوقت، مع استخدام تكتيك الانسحاب المؤقت أحياناً، ومن ثم القيام بهجمات نوعية، ويستند المقاتلون في الفصائل المسلحة على معرفتهم بطبيعة أرض المعركة، على خلاف القوات المهاجمة، وبالتالي استنزاف القوات البرية للنظام، أو القوات الرديفة له.
 
السيناريوهات:
 
ثمة عاملان رئيسان يحكمان السيناريوهات المحتملة في الغوطة الشرقية، وهما:
 
– مدى توافق الفصائل داخل الغوطة الشرقية على استبعاد خلافاتها والتنسيق المشترك فيما بينها.
 
– موافقة واشنطن على إحراز موسكو لنصر عسكري كبير .
 
العاملان السابقان يحكمها جدل كبير، فالصراع بين الفصائل هو صراع استراتيجي على خارطة الوجود والنفوذ، لكن استهدافهم بشكل مشترك قد يعزز من التحالفات بينهم، كما أن واشنطن التي سلمّت بدور رئيس لموسكو في العاصمة دمشق، وفي “سوريا المفيدة”، قد تجد أن عرقلة موسكو في الغوطة الشرقية أمر ضروري، من أجل تحجيم موسكو في أي توافق مقبل حول مستقبل النفوذ في سوريا.
 
السيناريو الأول: أن تتمكن قوات النظام من إحراز تقدم بطيء، لكن مهم، ما يسمح بتفتيت الموقف المشترك للفصائل، وبالتالي فتح المجال أمام تهجير أكبر عدد من المدنيين من جهة ، وعقد اتفاقات مع الفصائل بشكل منفرد.
 
السيناريو الثاني: أن تستمر عمليات الاستنزاف ضد قوات النظام، وإلحاق خسائر كبيرة بها، ما يعزز من صمود الفصائل داخل الغوطة الشرقية لوقت طويل.
 
السيناريو الثالث: أن يتم الاتفاق بين “جيش الإسلام” والنظام على إضعاف الفصائل الأخرى (فيلق الرحمن، هيئة تحرير الشام).
 
السيناريوهات الثلاث تمتلك الكثير من العناصر التي تجعلها واقعية، وما سيحدد السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التوافقات الإقليمية والدولية، وخصوصاً موقف واشنطن، وطريقة مقاربتها لرسم خارطة النفوذ المستقبلية، والدور الروسي فيها، وحدود نفوذه.
المصدر: مركز أسبار للدراسات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *