الرئيسية / أخبار سوريا / مآلات المعارضة العلمانية السورية

مآلات المعارضة العلمانية السورية

مآلات المعارضة العلمانية السوريةمآلات المعارضة العلمانية السورية

مركز أسبار للدراسات والبحوث

مع اقتراب العمليات العسكرية الكبرى في سوريا من نهايتها، ثمة العديد من الأسئلة التي تجد مشروعيتها إزاء الأوضاع الميدانية الجديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالحياة السياسية، فالحاجة إلى إطلاق ديناميات جديدة للسياسة تبقى قائمة، بل ستصبح ربما أكثر راهنية من ذي قبل ،من أجل تحفيز عمليات إعادة الإعمار، وما يتصل بها من ضرورات، وهو ما سيتطلبّ-بشكلٍ من الأشكال-استحداث توليفة جديدة للعمل السياسي ومؤسساته، ومنها الأحزاب.

إن تصفية النظام لبعض الجيوب الحيوية من أجل تتويج انتصاراته العسكرية، مثل الغوطة الشرقية، ليست كافية لتأمين شرعية جديدة له، بل أن نهاية الفصول العسكرية ستطرح مهمّات جديدة أمام ما تبقى من مؤسسات الدولة، كما ستطرح أهلية النظام بشكله الحالي لإعادة بناء الحياة العامة في سوريا.

لقد أوضحت المعارك العسكرية، منذ سقوط حلب في نهاية عام 2016، أن الفصائل الإسلامية المسلحة لم تتمكن من بناء مشروع سياسي مساند لعملها العسكري، وبقيت أسيرة الواقع الميداني من جهة، وأسيرة توجهات الداعمين الإقليميين من جهة ثانية، وبالتالي فإن تواجد الإسلاميين السياسي والمؤسساتي لن يكون ممكن اً خارج نطاق الأراضي التي تتحكم بها تركيا بشكل مباشر أو غير مباشر.

إن محاصرة المشاريع الإسلامية المتعددة، بل هزيمتها، خلال السنوات الماضية، مع ازدياد حدّة المواقف الدولية تجاهها، يجعل الساحة السورية في حالة فراغ ،تحتاج إلى قوى سياسية تقوم بملئه، وطالما أن صعود قوى إسلامية بصيغة واضحة لن يكون ممكناً في المدى المنظور، فإن

حظوظ القوى العلمانية ستكون كبيرة في ملء الفراغ السياسي من الناحية النظرية، لكن من دون أن يعني ذلك أن تكون القوى العلمانية جاهزة فعلياً للتعاطي مع الواقع الجديد، وهو ما يجعل من دراسة أوضاعها الحالية مسألة في غاية الأهمية، من أجل تحديد مدى إسهامها المستقبلي، في بناء الحياة السياسية في سوريا.

قراءتان مختلفتان ونتيجة واحدة:

الأحزاب العلمانية السورية المنضوية في “التجمع الوطني الديمقراطي”، وجدت نفسها أمام حالة جديدة عليها كلياً مع انطلاق المظاهرات الأولى في آذار من عام 2011، وعلى الرغم من وجودها في كيان سياسي واحد، والعلاقات التي تجمع بين قياداته تاريخياً، إلا أنها لم تتمكن من تبني قراءة واحدة للتعاطي مع الحدث السوري، وقد جرت اجتماعات عديدة في الأشهر الثلاثة الأولى من بداية الانتفاضة السورية بين قيادات تلك الأحزاب في دمشق، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى تفاهمات فيما بينها.

ظهرت قراءتان أساسيتان من قبل أحزاب “التجمع الوطني الديمقراطي”، ترى الأولى أن تغيير النظام يجب أن يتم من الداخل، بينما ترى القراءة الثانية أنه من دون التعاون مع الخارج لا يمكن إسقاط النظام، وستسمر القراءتان على مدار سبع سنوات في تحديد تحالفات ممثلي القراءتين، وقد ذهب أصحاب القراءة الأولى لاحقاً نحو تأسيس “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي”، وأبرزهم حزب “الاتحاد الاشتراكي”، برئاسة حسن عبد العظيم، بينما ذهب أصحاب القراءة الثانية، وفي مقدمتهم “حزب الشعب” بقيادة رياض الترك نحو التحالف مع الإخوان المسلمين، من خلال تأسيس “المجلس الوطني السوري.”

بقيت “هيئة التنسيق” وقياداتها في الداخل السوري، بينما عمل “المجلس الوطني” من الخارج ،وقد انضوت تيارات علمانية تأسست لاحقاً في “الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة” الذي خلف “المجلس الوطني”، مثل تيار “مواطنة”، و”تجمع اتحاد الديمقراطيين السوريين”، انطلاقاً من رهان واضح على الدول الإقليمية، وقد شهدت السنوات السابقة محاولات للتقارب بين “هيئة التنسيق” و”الائتلاف الوطني”، لكنها لم تكن محاولات ناجحة، بل رهينة ظروف مؤقتة.

بعد سنوات من عمر الصراع السوري، والهزائم العسكرية المتتالية لفصائل المعارضة، فإن القوى العمانية التي ذهبت نحو التحالف مع الإسلاميين، بقيت مرهونة لظرف تواجدها في الخارج، وخسارة عملها في الداخل، لكن وضع الأحزاب المنضوية في “هيئة التنسيق” ليس أفضل حالاً، فهي، ولظروف وأسباب عديدة، تحولت إلى مجرد لافتة سياسية، من دون أي تأثير حقيقي على الرأي العام السوري، كما تحوّلت تلك الأحزاب إلى بنى قيادية، وعوضاً من أن تعمل على ضم كوادر وأعضاء جدد إلى صفوفها، فقد خسرت الكثير من كوادرها، وخروج الكثير من الأعضاء، الذين انضم بعضهم إلى تيارات أخرى، أو هجروا العمل السياسي.

كيانات وأحزاب علمانية جديدة:

كانت الأحزاب العلمانية السورية التقليدية قد خرجت من رحم حركات التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية “الحديثة”، وعرفت في تاريخها انشقاقات عديدة، ودخل كثر من قياداتها وأعضائها السجون، خصوصاً في عهد الرئيس حافظ الأسد، لكن الانتفاضة السورية أوجدت مناخاً مختلفاً لم تعرفه سوريا منذ تأسيسها في عام 1920، فللمرة الأولى يضطر ملايين السوريين إلى اللجوء أو النزوح، وهو ما خلق ظاهرة جديدة في الحياة السورية، تتمثل في أن يكون معظم العمل المعارض من الخارج.

في خضم الصراع السوري، ومآلاته الكارثية، خصوصاً على صعيدي السلاح والأسلمة، وبروز الحركات الإرهابية كجزء رئيس من المعادلة، ظهرت تشكيلات سياسية وأحزاب علمانية، تتخذ من دول الإقليم أو أوروبا مقراً لها، فلم يعد الناشطون السياسيون قادرون على العمل بفعالية في المناطق الخاضعة للنظام ولا في المناطق التي خضعت لسيطرة الفصائل الإسلامية، باستثناء عامي 2012 و2013، حيث كان من الممكن نسبياً ممارسة أنشطة مدنية وسياسية بصبغة علمانية ضيقة في مناطق تواجد ما سمي فصائل “الجيش الحر.”

ثمة مرجعيتان سياسيتان رئيستان لقيام تلك التشكيلات والأحزاب، تتمثل الأولى في رغبة بعض قيادات المعارضة المعروفة لعب دور متميز، عبر تشكيل أجسام سياسية، مثل دخول “الائتلاف الوطني” وأخذ حصة فيه، أو اكتساب شرعية من أجل بناء علاقات مع الدول المنخرطة في الصراع السوري، ومن ثم الحصول على حصة في التفاوض، أما المرجعية السياسية الثانية فتتمثل في قراءة للوضع السياسي السوري، مؤسسة على مخاوف من أن يتمكن الإسلاميون من احتلال الساحة السياسية المعارضة، وبالتالي فإن إحداث نوع من التوازن يتطلب وجود قوى وأحزاب علمانية.

التشكيلات السياسية العلمانية التي انطلقت من المرجعية السياسية الأولى ،أي بالاستناد إلى أهمية الخارج في الصراع السوري، وضرورة التأثير فيه، اضطرت للارتباط مع مرور الوقت ببعض الدول الإقليمية )تركيا، السعودية، الإمارات، قطر، مصر(، وثمة شكوك بأن بعضها على صلات غير معلنة مع إيران، وبناءً على تلك الارتباطات فإنها لم تمنح صرورة بناء تنظيمات متينة على المستويين الفكري والتنظيمي الأهمية المطلوبة، على الرغم مما حظيت به من دعم سياسي ومادي ولوجستي، وتحّول بعضها إلى أشبه بمنظمات مدنية، متجهاً نحو بناء مؤسسات إعلامية وثقافية، عوضاً عن الانخراط المباشر في العمل السياسي والتنظيمي.

أما التشكيلات والأحزاب التي انطلقت من ضرورة التوازن في المعارضة، سواءً مع الإسلاميين، أو مع القوى الأخرى المدعومة إقليمياً، فقد بقيت محدودة الأثر، خصوصاً في ظل أوضاع اللجوء، والأوضاع المادية غير المريحة لأعضائها، وعدم وجود أي شكل من أشكال الدعم لها، ونتيجة لرغبتها بتحقيق شكل من أشكال الاستقلالية عن الدول الإقليمية، فقد بقيت بعيدة عن الفعاليات الدولية المخصصة للقضية السورية.

في مواجهة معطيات جديدة:

من الطبيعي بمكان أن يعاني العمل السياسي من أزمات في زمن الحروب، وليس المثال السوري باستثناء، فطبيعة الاصطفافات التي أوجدتها الحرب تنتمي إلى صيغ ما قبل الدولة الوطنية )الدينية، المذهبية، الإثنية، المناطقية(، أو ما فوق وطنية )التبعية لمشاريع الدول المؤثرة في الحرب(، وبالتالي فإن تقييم العمل السياسي خلال الصراع السوري، ومن ضمنه عمل القوى والأحزاب العلمانية، سيحتاج إلى عدد كبير من الدراسات للإلمام بمختلف جوانبه.

إن المرحلة المقبلة، والتي تتجه نحو بلورة مصالح اللاعبين الخارجيين ونفوذهم، وانتهاء العمل العسكري في مناطق كثيرة من سوريا، تشكّل بحد ذاتها معطىّ جديداً للقوى السياسية، وخصوصاً القوى العلمانية، وتتفرع عن هذا المعطى عدد من المعطيات الرئيسة:

الحاجة إلى وجود خطط لإعادة الإعمار، لن يكون من الممكن تأمينها من دون وجود توافقات دولية وإقليمية ومحلية.

فقدان النظام وحزب البعث للمشروعية بنظر قطاعات واسعة من الشعب السوري، حتى بين شرائح مهمة من مؤيديه في زمن الصراع العسكري.

الحاجة الإقليمية والدولية لتظهير نفوذها عبر قوى محلية جديدة.

حاجة السوريين لإعادة بناء الحياة العامة.

تراجع مكانة الأحزاب التقليدية، وفقدانها لمصداقيتها.

كيف ستتعاطى القوى والأحزاب العلمانية مع هذه المعطيات؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى ح د كبير مصير القوى العلمانية الموجودة حالياً، خصوصاً لجهة إمكانية تلك القوى على المواءمة بين مبادئها وأهدافها وما يتطلبه الواقع من تنازلات، قد تطال تلك المبادئ والأهداف بشكل جوهري.

السيناريوهات:

يقوم السيناريو الأول على افتراض توافق إقليمي بشأن وضع نهاية سياسية للصراع السوري، وبالتالي فإن الكيانات السياسية العلمانية التي ارتبطت بدول إقليمية قد تجد نفسها مضطرة للتعامل مع التوافقات الناشئة، وهو ما يعني إعادة بناء استراتيجيتها لتكون جزءاً من الحياة السياسية، بكل مشكلاتها الجديدة.

أما السيناريو الثاني فيفترض عدم وجود توافقات إقليمية، ما يعني أن القوى العلمانية الموجودة في الخارج ستبدأ رحلة معاناة جديدة بالنسبة له، خصوصاً أنها لن تكون مفيدة لداعميها السابقين.

السيناريو الثالث يفترض وجود تحالفات بين أحزاب علمانية نشأت حديثاً وبين داعمين محليين، من رجال أعمال وتجار وصناعيين، ساعين إلى الاستفادة من ظروف ما بعد الحرب، وموضعة أنفسهم سياسياً ومالياً.

وجدير بالذكر أن السيناريوهات الثلاث السابقة لا تناقش السيناريوهات المتعلقة بالقوى والأحزاب العلمانية التي نشأت في الواقع السوري خلال السنوات الماضية.

خلاصة:

إذا كان مأزق الإسلام السياسي السوري يتمثّل في خسارة رهانه على الصراع المسلح من أجل الوصول إلى السلطة السياسية، فإن مأزق القوى العلمانية يتمثل في الضعف متعدد الجوانب الذي تعاني منه، خصوصاً أنها لم تكن قادرة على التأثير في زمن الحرب، كما أن متطلبات زمن ما بعد الحرب )ليس بالضرورة زمن السلام( سيفرض عليها أعباءً جديدة، منها إعادة قراءة الواقع السوري، ليس انطلاقاً من رغباتها وأهدافها وشعاراتها، وإنما انطلاقاً من تعقيداته ومشكلاته وأزماته.

لقراءة الدراسة في موقع مركز أسبار بإمكانكم زيارة الرابط التالي:
http://www.asbarme.com/ar/articles/دراسات-سورية/236192569781556/مآلات-المعارضة-العلمانية-السورية

رابط صفحة مركز أسبار للدراسات في فيسبوك:
https://www.facebook.com/asbarme

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *