الرئيسية / مقالات / الأزمة البريطانية الروسية: الأسباب والتداعيات على النظام الدولي

الأزمة البريطانية الروسية: الأسباب والتداعيات على النظام الدولي

الأزمة البريطانية الروسية: الأسباب والتداعيات على النظام الدوليالأزمة البريطانية الروسية: الأسباب والتداعيات على النظام الدولي

مركز أسبار للدراسات والبحوث

إذا كان الحدث المباشر للأزمة الراهنة بين لندن وموسكو هو محاولة اغتيال العميل المزدوج الروسي البريطاني سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا، فإن ردة فعل لندن القوية تظهر وجود أسباب عميقة للخلاف، ليس فقط بين بريطانيا وروسيا، وإنما بين الغرب وروسيا، وبالتالي فإن ممارسة الغرب عموماً لسياسة ضبط النفس تجاه سياسات موسكو لم تعد مجدية من وجهة نظر أوروبية، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يصنفّ رد فعل لندن في هذا السياق.

الرد البريطاني أتى قوياً كمّاً وكيفاً على المستوى الديبلوماسي، فقيام لندن بطرد عدد كبير من الديبلوماسيين الروس، يظهر حجم الغضب البريطاني من سياسات موسكو

(طردت بريطانيا 32 ديبلوماسياً، مع تهديدها بتجميد أصول روسية مالية في بريطانيا)، كما أن رد الفعل الروسي لم يكن أقل حدّ ة، فقد قامت موسكو بطرد 23 ديبلوماسي بريطاني، وأغلقت المجلس الثقافي البريطاني، بحجة أن “وضعه ليس قانونياً”، وقامت بسحب إذن فتح قنصلية بريطانية عامة في سان بطرسبورغ، كما تدرس لندن، بحسب رئيسة الوزراء تيريزا ماي، “الخطوة التالية” تجاه موسكو، ما يعني أنه من المرجح أن نشهد خلال الأسابيع والأشهر المقبلة خطوات تصعيدية متبادلة بين البلدين، وربما انضمام بلدان أوروبية إلى الصراع بين لندن وموسكو.

حول أسباب الصراع:

منذ 2014، أظهرت روسيا ميلاً قوياً للعودة إلى التدخل العسكري المباشر، في القرم أولاً، ومن ثم في سوريا، ومنعت فعلياً انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، كما استخدمت تصدير الغاز إلى أوروبا كورقة ضغط، ولم يتوقف الأمر عند استخدام القوة العسكرية، بل تجاوزه إلى دخول موسكو على خط حرب المعلومات في أوروبا، حيث أسهمت بشكل قوي في دعم رأي عام رافض لعمليات التكسير النفطي

(تقنية استخراج النفط الصخري)، كما توجد العديد من الاتهامات الأمريكية لها بتدخلها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، وكل تلك المؤشرات تعد من الناحية الاستراتيجية مهددة للأمن الأوروبي ،كما توحي بعودة التنافس الروسي مع أمريكا والغرب ،وعدم وجود ضوابط لدى موسكو في استخدام وسائل عسكرية إذا لزم الأمر.

المخاوف الأوروبية من سياسات موسكو، عبرّ عنها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، ينس ستولتنبرغ، في 18 من مارس/ آذار الجاري، حيث قال “يجب على حلف الناتو أن يحسن من قدراته واستعداداته الدفاعية في أعقاب تصرفات روسية العدائية وغير المتوقعة على نحو متزايد.”

وقد طلب حلف الناتو كما أكّد أمينه العام من المستشارة الألمانية أنجيلا مركل ومن الزعماء الأوروبيين الذي سيجتمعون هذا الصيف، أن يقوموا بتعديل نهجهم “في ضوء خطر إمكان أن تعطي روسيا ثقلاً أكبر في شكل تدريجي للأسلحة النووية في تدريباتها وقدراتها العسكرية الجديدة”.

ومن الواضح أن حلف “الناتو” بدأ فعلياً بوضع تصورات واضحة للقادة الأوروبيين في اجتماعهم في قمة الحلف في بروكسل في يوليو/ تموز المقبل، وأن إجراءات جديدة سيتم اتخاذها لمواجهة خطر العودة الروسية المحتمل إلى تطوير الأسلحة النووية.

وعلى الرغم من اتخاذ أوروبا تدابير اقتصادية على شكل عقوبات تجاه موسكو بعد دخول القوات الروسية إلى القرم، إلا أن تلك العقوبات لا تبدو فعالة تجاه تقليص طموحات موسكو، بل على العكس من ذلك، فموسكو لم تظهر أية نية بالتراجع، بل أظهرت (من وجهة نظر غربية) استعدادها للمضي قدماً بالمواجهة مع الغرب، خصوصاً مع استخدمها المتكرر لحق النقض “الفيتو” فيما يخص المسألة السورية.

الاعتقاد الغربي، بل ومجمل التوجه الأوروبي، كان يمضي باتجاه بناء منظومة دولية تعتمد على العقوبات الاقتصادية بدلاً من اللجوء إلى المواجهة المباشرة، ولا يتعلق الأمر فقط بموسكو، بل بتوجه عام في السياسة، لكن هذا التوجه الأوروبي لا يبدو فعالاً في المثال الروسي، فلم تتراجع موسكو أمام العقوبات الأمريكية والغربية، بل قامت بهجوم مضاد، ودخلت ساحات صراع جديدة، بالإضافة إلى تطوير أدواتها في الحرب المعلوماتية والإلكترونية .

تحالفات موسكو لا تقل خطورة بالنسبة للغرب من عودة ميلها لاستخدام القوة العسكرية ،فقد أقدمت موسكو على تمتين تحالفها مع طهران، حتى أن هذا التحالف بين موسكو وطهران أصبح يكتسب مع الوقت صفة التحالف الاستراتيجي، وقد وجدت أمريكا والغرب أن” الاتفاق النووي” مع طهران لم يأتِ بنتائجه المطلوبة، بل أعطى طهران دفعة قوية في توسيع نفوذها داخل الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار ،شكّلت موسكو سنداً كبيراً لسياسات طهران في مواجهة الولايات المتحدة، كما أن تلاقي المصالح بين طهران وموسكو في الشرق الأوسط سيكون بطبيعة الحال مضرّاً بالاستثمار الأمريكي والأوروبي في أحواض الغاز في منطقة المتوسط، وبالتالي فإن عدم مواجهة هذا التحالف سيكون من شأنه على المدى المتوسط أن يعطي موسكو الأفضلية في سيطرتها على غاز المتوسط، وبالتالي التحكم بمنابع الطاقة.

ليس فقط التحالف الروسي الإيراني هو ما يقلق الغرب، بل أيضاً التقارب القوي بين موسكو وأنقرة، ومنذ الانقلاب الفاشل في تركيا في عام يوليو/ تموز 2015، قامت أنقرة باستدارة قوية تجاه موسكو، وارتفع منسوب التنسيق الديبلوماسي والعسكري بين روسيا وتركيا، كل هذا في ظل تباعد المواقف بين أوروبا وتركيا، وخلافات قوية بين أنقرة وحلف “الناتو”، وتجد أنقرة في حليفها الروسي سنداً مهماً في مواجهة الضغوط الأوروبية، خصوصاً في ظل تقارب المؤسستين الرئاسيتين في روسيا وتركيا، والتشابه الكبير بين طموحات الرئيسين فلاديمير بوتين وطيب رجب

أردوغان، حيث يسعى الرئيسان إلى حكم بلديهما بشكل شبه مطلق، مع تراجع في منسوب الحريات والتعددية السياسية وتراجع الحريات العامة.

التداعيات على النظام الدولي:

هل نحن إزاء عودة الحرب الكونية في أشكال أخرى غير الحرب المباشرة؟ هذا السؤال الذي يطرح نفسه في ظل الأزمة البريطانية الروسية، والتي تعبر عن حالة استعصاء كبيرة بين المصالح الأمريكية والغربية من جهة وبين المصالح الروسية وحلفاء موسكو من جهة ثانية، كما تعبر عن ميل بريطاني لإظهار صوت أوروبي قوي وقيادي تجاه سياسات موسكو في أوروبا والعالم بعيداً عن المصالح الأمريكية الخاصة، فعلى الرغم من حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مواجهة طموحات موسكو، لكن لا يمكن لأوروبا أن تضع كل آمالها في السلةّ الأمريكية، خصوصاً في ظل أزمات عديدة تعيشها السياسة الأمريكية، وفي ظل وجود حالة من تباين المواقف بين المؤسسات الأمريكية، والتي يحاول الرئيس دونالد ترامب أن يتجاوزها عبر إجراءات تبدو متسرّعة في بعض الأحيان، أو خارج الأعراف التقليدية السياسية، كما في إقالة وزير الخارجية الأمريكية عبر تويتر.

لقد استفادت روسيا من ارتفاع أسعار النفط في العقد الأول من الألفية الثالثة، لكن مجمل الناتج القومي بقي معتمداً على صادرات الطاقة (النفط والغاز والمشتقات)، حيث وصلت مساهمة صادرات الطاقة في بعض السنوات إلى حوالي ثلثي الناتج القومي الروسي، وهو ما يعني أن باقي القطاعات الإنتاجية، وخصوصاً التكنلوجيا والمعلومات لم تحظّ بالتطور الضروري في دولة مهمة مثل روسيا، كما أن النظام السياسي تحوّل إلى نظام احتكاري من قبل طبقة سياسية محدودة، وقد قامت هذه الطبقة باستعادة خط أيديولوجي قومي، يعارض توجهات السوق المفتوحة في أوروبا.

لقد فرض سياق النظام العولمي منظومات اقتصادية جديدة، وتوزيعاً جديداً في سوق العمل الدولي ،بينما بقيت روسيا معتمدة على الاقتصاد الريعي، مستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة، مع العودة إلى الاعتماد على صناعة السلاح، والتي باتت تشكل حصة مهمة من الصادرات الروسية، ويتناقض هذا الاتجاه الاقتصادي الروسي مع التوجهات الأمريكية والغربية، وهو ما تطلبّ من موسكو تبني سياسات مضادة لهذا السياق العولمي الجديد، وبناء التحالفات الضرورية اللازمة لمواجهته.

إن ضبط المواجهة الروسية الغربية في الإطار الديبلوماسي، وتحت سقف المؤسسات الأممية، مثل مجلس الأمن الدولي، صبّ في مصلحة موسكو، والتي تمكنت من تعطيل التوجهات الغربية من خلال مجلس الأمن نفسه، مستفيدة من الأسس التي بنيت عليها المؤسسة الأممية الأكبر (الأمم المتحدة)، وخصوصاً “حق سيادة الدول”، والمؤسس أصلاً على اتفاقية وستفاليا (1648).

إن المعطيات الكبرى التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية باتت جزءاً من الماضي ،كما أن العودة لسياسات القرن التاسع عشر، عبر التوسّع المباشر، تبدو منافية لجوهر النظام العولمي العابر للقارات والجنسيات، لكن هذا الأمر الذي يبدو صحيحاً من الناحية النظرية، يبدو مربكاً من الناحية العملية، فما زال باستطاعة العديد من الدول مواجهته، بل وعرقلته، وجرّ كل الأطراف إلى سياسات سابقة عليه، وتمثلّ روسيا الحالة الأبرز في هذا السياق، عبر محاولتها مدّ نفوذها من خلال السياسات القائمة على التدخل العسكري، أو تحالفات معرقلة.

يبدو سيناريو عودة المواجهة في النظام الدولي بين الغرب وروسيا هو السيناريو المرجح ،بل أن هذا السيناريو يكتسب حالة من الوضوح أكبر، وإذا كانت الساحتان الأوكرانية والسورية قد كانتا المسرح الرئيس للمواجهة غير المباشرة بين موسكو والغرب خلال السنوات الماضية، فإن تمدد مسرح المواجهة يبدو أمراً طبيعياً، كما أن اللجوء إلى عدد من الوسائل الجديدة سيكون أمراً لا مناص منه، مثل قطاعات المعلوماتية والإعلام الافتراضي والحرب الإلكترونية.

الشرق الأوسط يمثل في هذه المواجهة حالة نموذجية، مع حاجة الطرفين إلى الابتعاد قدر الإمكان عن المواجهة المباشرة، فضرب تحالفات موسكو في الشرق الأوسط سيكون ضرورياً للغرب، لذلك فإنه من الطبيعي بمكان عودة التنسيق الأمريكي الغربي ضد إيران أولاً، وهو ما ظهرت ملامحه الأولى مع تولي دونالد ترامب سدة الحكم في البيت الأبيض، وتوجه الغرب إلى زيادة العقوبات على طهران، لمواجهة طموحاتها في تطوير الصواريخ البالستية، ومواجهة مساعيها في مدّ النفوذ.

في هذا الإطار لن يكون مستبعداً تصاعد حدّة المواجهة بين الغرب وتركيا، وهو الأمر الذي بدأت ملامحه بالظهور، خصوصاً مع تصعيد بعض الدول الاسكندنافية خطابها تجاه أنقرة، كما حصل مؤخراً في المواجهة بين مندوب الدانمرك ومندوب تركيا في مجلس الأمن.

في سياق المواجهة الجديدة بين الغرب وروسيا، سيكون من الطبيعي أن يزداد الاعتماد الأوروبي على حلف “الناتو”، وهو ما سيعني بطبيعة الحال تبني الحلف توجهات جديدة، وزيادة في الميزانية، وردود فعل أكثر حدة، وبالتالي تنسيق استخباراتي أكثر من ذي قبل بين الولايات المتحدة والدول الأعضاء الأكثر فعالية في الحلف.

لقراءة الدراسة في المصدر (موقع مركز أسبار للدراسات والبحوث) بإمكانكم زيارة الرابط التالي
http://www.asbarme.com/ar/articles/تقاريرأسـبار/151194713196497/الأزمة-البريطانية-الروسية:-الأسباب-والتداعيات-على-النظام-الدولي/

للاطلاع على آخر منشورات مركز أسبار للدراسة والبحوث يرجى متابعة صفحة المركز في فيسبوك
https://www.facebook.com/asbarme

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *