الرئيسية / أخبار سوريا / تداعيات سياسة “رمي القفاز” الترامبية في وجه موسكو في الميدان السوري

تداعيات سياسة “رمي القفاز” الترامبية في وجه موسكو في الميدان السوري

تداعيات سياسة "رمي القفاز" الترامبية في وجه موسكو في الميدان السوريتداعيات سياسة “رمي القفاز” الترامبية في وجه موسكو في الميدان السوري

مركز أسبار للدراسات والبحوث

فاجأ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا مختلف الأطراف الفاعلة في الصراع السوري، كما فاجأ مسؤولين أمريكيين في وزارة الخارجية والبنتاغون، وكان الرئيس ترامب قد أعلن في خطابه في ولاية أوهايو في 29 مارس/ آذار الماضي ” سوف نغادر سوريا قريباً، وسندع الآخرين يهتمون بها. وستكون هناك بالتأكيد دولة الخلافة كما يطلقون عليها. سوف نعود قريباً جداً إلى بلادنا حيث ننتمي”، وأعلنت وزارة الخارجية في أول تصريح لها حول إعلان ترامب “ليس لدينا علم بخطة ترامب لسحب القوات الأمريكية من سوريا”.

تمتلك الولايات المتحدة عدداً من القواعد العسكرية (14 قاعدة) في مدن عدة شمال وشمال شرق سوريا، ويبلغ عدد العاملين فيها حوالي 2000 من أفراد القوات العسكرية الأمريكية، وقد أسهمت القوات الأمريكية عبر قواعدها العسكرية في تمكين “قوات سوريا الديمقراطية” في حربها ضد “داعش”، كما رسمت عبر تواجدها المباشر على الأرض حدود الصراع مع روسيا، كما في دير الزور، (معادلة غرب النهر وشرق النهر)، وأوقفت تقدم قوات روسية مشتركة كانت تسعى إلى التقدم شرق الفرات في فبراير/ شباط الماضي، وكبدت القوات المهاجمة خسائر مباشرة، حيث قتل عدد كبير من الجنود الروس فيها (قالت روسيا أنهم غير تابعين لقواتها بشكل مباشر).

تواجد القوات الأمريكية في منطقة التنف على الحدود السورية العراقية له بعد استراتيجي، يتعلق بشكل مباشر بمنع إيران من إقامة جسر بري متصل بين طهران والمتوسط، ويعتبر هذا المسعى الاستراتيجي لأمريكا جزءاً لا يتجزأ من التوافق الأمريكي السعودي، في منع إيران من تشكيل جسر بري يربط نفوذها على امتداد دول المشرق العربي.

على الرغم من عدم طرح واشنطن نفسها كوسيط مباشر بين الأطراف السورية، تاركة لموسكو القيام بهذا الدور، إلا أن التواجد الأمريكي في سوريا ضبط إلى حدّ كبير لعبة توازنات القوى، خصوصاً في ظل تواجد عدد كبير من اللاعبين الإقليميين، وفي ظل وجود عدد من المشاريع الاستراتيجية المتناقضة، وبناءً عليه فإن قرار ترامب سحب قواته، فيما لو تحوّل إلى أمر واقع، فإنه سيلقي بظلاله على الصراع الدائر في سوريا، وسيترك الباب مفتوحاً أمام صفحات جديدة من الصراع، والتي يمكن أن تتحوّل إلى صراع مباشر في لحظة ما.

سياسة “رمي القفاز” في وجه موسكو:

منذ بيان جنيف1 في 30 يونيو/ حزيران 2012، ظهر التناقض بين الموقف الأمريكي والروسي على سوريا، وقد أخذ هذا التناقض فيما بعد أشكالاً متعددة، ففي الوقت الذي آثرت فيه موسكو الوقوف مع النظام السوري، انطلاقاً من المبدأ الأممي حول “سيادة الدول على أراضيها”، فقد اكتفت واشنطن في تصعيد مواقف الإدانة ضد النظام السوري، وفي الوقت الذي آثر فيه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما التراجع عن قراره ضرب قواعد للنظام السوري في عام 2013، فقد اندفعت روسيا أكثر نحو التواجد المباشر على الأرض، وأصبحت منذ تدخلها المباشر في عام 2015 القوة الرئيسية في الصراع، واستطاعت مع الوقت تغيير الكثير من قواعد اللعبة العسكرية، خصوصاً في إخراج القوى المسلحة الإسلامية من حلب في نهاية عام 2016.

الالتزام الأمريكي الأكبر كان تجاه الشمال والشمال الشرقي، ومنطقة الجنوب، فقد دعمت “قوات سوريا الديمقراطية” ضد “داعش”، ما أسفر عن طرد عناصر التنظيم من “الرقة”، وفي الجنوب، أسهمت في المساعدة على حفظ أمن إسرائيل، من خلال تقوية جبهة الجنوب في وجه قوات النظام السوري والقوات الإيرانية وقوات “حزب الله” اللبناني.

لم تتمكن موسكو، على الرغم من إحرازها انتصارات عسكرية عدة، من بلورة حل سياسي في سوريا، كما سعت إلى تهميش دور واشنطن في هذا المسار، كما في مؤتمر “الحوار الوطني” الذي عقد في سوتشي في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، بل أن موسكو استفادت عملياً من وقوف واشنطن إلى جانب “قوات سوريا الديمقراطية” للتقارب مع أنقرة، على خلفية الصراع التركي-الكردي.

إن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيجعل من روسيا أكبر اللاعبين في الصراع السوري، لكن المهمة التالية ستكون أمام موسكو هي إقامة التوزان بين القوى المتصارعة في سوريا، فهل تستطيع موسكو فعلياً القيام بهذا الدور.

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال، أو لا تغدو الإجابة عنه مكتملة، من دون التطرق إلى الموقف الغربي الموحد تجاه موسكو، بعد محاولة اغتيال العميل المزدوج سيرغي سكريبال في بريطانيا، حيث قامت أمريكا وبريطانيا وأكثر من 20 دولة أوروبية بطرد ديبلوماسيين روس، في استعادة واضحة لديناميات الحرب الباردة، فثمة تصعيد أمريكي وغربي من أجل ضبط سلوك موسكو في أكثر من ساحة من ساحات الصراع، وتحجيم طموحاتها.

موقف ترامب الأخير يصب في خانة تصعيب الموقف على موسكو في الساحة السورية، إذ سيكون على موسكو أن تواجه طموحات عدد من اللاعبين المحليين والإقليميين، والحفاظ على حدّ معقول لمصالحهم، لكن هذا الأمر لا يبدو أنه سيكون متاحاً لموسكو، فعلى الرغم من امتلاك موسكو قدرات جوية كبيرة في سوريا، وعناصر من الشرطة العسكرية، إلا أنها فعلياً تفتقد إلى وجود بري كبير، وهو ما عوّضه الإيرانيون خلال السنوات السابقة، وبالتالي فإن موسكو ستكون في مواجهة المسعى الإيراني لزيادة النفوذ، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة بين الجانبين، خصوصاً مع إدراك موسكو العميق لمقدرة طهران الميدانية في كسب الولاءات على الأرض، كما حصل في العراق سابقاً.

الصراع الإيراني الإسرائيلي سيكون هو الأخر أحد أكبر التحديات أمام موسكو، وقد أظهر إسقاط طائرة F16 الإسرائيلية أن الصراع بين طهران وتل أبيب قد يتحوّل في لحظة ما إلى صراع مباشر، وهو ما يعني تهديداً مباشراً لموقف موسكو ومصالحها في الساحة السورية.

كما ستواجه موسكو تجدد الصراع التركي-الكردي على نطاق واسع، وهو الصراع الذي ضبطته واشنطن، وسيؤدي انسحاب واشنطن إلى ترك الشمال والشمال الشرقي أمام مواجهة مفتوحة بين أنقرة و”قوات سوريا الديمقراطية”، وهو ما سيضع موسكو أمام خيارين، كل واحد منهما أسوأ من الآخر، فإما أن تدعم تركيا، وهو ما سيعني زيادة النفوذ التركي على حساب مصالح موسكو، وإما أن تدعم الأكراد، ما يعني تعكير المصالح الاستراتيجية مع أنقرة.

من جهة أخرى، فإن غياب الدعم الأمريكي عن “قوات سوريا الديمقراطية” سيعني إضعاف هذه القوات، وعودة تنظيم “داعش” من جديد إلى الساحة، ويضع موسكو من جديد أمام مواجهة هذا التنظيم، وقد كان الرئيس ترامب واضحاً في تصريحه:” ستكون هناك بالتأكيد دولة الخلافة كما يطلقون عليها”، وهو ما كانت قد أكدت عليه هيذر نوايرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية بقولها “القتال في غرب سوريا على مدى الشهرين الماضيين بما في ذلك في عفرين صرف انتباهه عن هزيمة حملة داعش وأتاح الفرصة لداعش للبدء في إعادة التشكيل في بعض المناطق”.

خلاصة:

من الواضح أن الهدف الرئيس لتصريحات الرئيس ترامب حول انسحاب قوات بلاده هو خلط الأوراق من جديد أمام موسكو، وتوجيه رسالة مفادها أننا قادرون على تغيير قواعد اللعبة في الميدان السوري، بل أن انسحابنا من شأنه أن يغير من خارطة تحالفات موسكو، ويضعها أمام تناقضات جديدة مع الحلفاء أنفسهم، ودفعها إلى زيادة تواجد قواتها البرية المباشرة على الأرض، وهو ما سيعني بالضرورة جعل قواتها البرية هدفاً لعدد من القوى، من بينها قوات “صديقة”، ضمن إطار التنافس على المصالح والنفوذ.

إن موقف ترامب الجديد يعكس توجهاً جديداً في السياسة الأمريكية، ليس فقط تجاه روسيا، وإنما أيضاً أمام كامل المنطقة، لكن يبقى استهداف روسيا هو العامل الأساس، وستكشف الأسابيع والأشهر المقبلة مدى جدية الموقف الأمريكي، خصوصاً مع وجود تقديرات عسكرية أمريكية مختلفة عن موقف ترامب، كما ستظهر مواقف موسكو مدى استيعابها لمخاطر موقف ترامب، وقدرتها على التعامل معه، سواءً لمصلحة التوافق مع واشنطن لإبقاء قواتها، أو زيادة جرعة التجاهل للموقف الأمريكي، ما يعني فعلياً بدء مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية في سوريا.

بإمكانكم قراءة التقرير في موقع مركز أسبار للدراسات والبحوث من خلال الرابط التالي:
http://www.asbarme.com/ar/articles/دراسات-سورية/22182721136124/تداعيات-سياسة-رمي-القفاز-الترامبية-في-وجه-موسكو-في-الميدان-السوري/

لمتابعة آخر منشورات مركز أسبار للدراسات والبحوث يرجى متابعة صفحته الرسمية في فيسبوك:
https://www.facebook.com/asbarme

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *