الرئيسية / أخبار سوريا / أبعد من التغيير الديموغرافي

أبعد من التغيير الديموغرافي

أبعد من التغيير الديموغرافيأبعد من التغيير الديموغرافي

الاتحاد برس:

دراسة واقعية من عدة باحثين حول ما وراء عملية التغيير الديموغرافي والآثار الغير مباشرة التي حدثت بعد تقسيم الغوطة جغرافياً وبشرياً وإنهاء الملف المجتمعي داخل أهم مناطق ريف دمشق في الوقت الراهن والمستقبل القريب.

الخطوات التمهيدية من النظام السوري والحلفاء في ملف الغوطة

كباقي الأنظمة السياسية المتمرسة في العمل على الحفاظ على مصالحها في المقدمة واستغلال أي عامل خارجي أو داخلي للحفاظ على هذه المصالح، قام النظام السوري وحفاظاً على ما تبقى من المناطق التي يحكمها أو المناطق التي تٌعتبر بالنسبة له أو الحلفاء إيران وروسيا مناطق استراتيجية بالعمل على خطوات تمهيدية تكون بالنسبة له عامل وقتي يجب استغلاله قبل انهائه بشكل كامل استغلال للعوامل الدولية والداخلية وبكافة الأحوال فإن النظام الحاكم في دمشق عمل منذ عام 2011 على التحضير لخطط بعيدة المدى تكون في النهاية نتائجها قادرة على بناء نصر استراتيجي أو قلب للمعادلة العسكرية وتغيير لملف الحاضنة الشعبية انتهاءً بتغيير ديموغرافي عله يكون سبباً في بناء خارطة سورية كما يُريد لها اللاعبين الرئيسيين في الملف السوري.

الغوطة كغيرها من المناطق السورية التي وقفت في وجه النظام الحاكم في دمشق منذ بداية الأحداث السورية في الشهر الثالث عام 2011 تحولت في مجمل أحداثها من مظاهرات مدنية الى الحالة العسكرية التي كانت ضرورة ملحة لحماية أبناء الغوطة الشرقية استناداً لما يقوله معارضي الأسد في تلك المنطقة وأتت عسكرة المدنيين بعد عدة اقتحامات قام بها النظام السوري أدت لعملية تصفية واسعة بحق المدنيين بأوامر من بعض الضباط السوريين على رأسهم ماهر الأسد وأوس اصلان وعصام زهر الدين والعقيد على خزام فيما يسمى حكومياً بذاك الوقت بالتخلص من مناهضي السلطة الحاكمة في سورية وبالمحصلة فقد تحولت الأحداث في تلك المنطقة تحديداً من عملية هجوم متكرر من قوات النظام السوري على الأحياء والبلدات تلك وما رافقها من تصفية واعتقال طالت الآلاف الى حالة عكسية تماماً وهي خروج الغوطة الشرقية بشكل تدريجي من يد الحكومة في دمشق حتى باتت الغوطة الشرقية بشكل خاص منطقة عسكرية كاملة تسيطر عليها المعارضة السورية العسكرية وباتت هذه المنطقة في أقرب نقاطها تبعد عن القصر الجمهوري وسط دمشق مسافة 5 كم.

استغل النظام السوري أفضل استغلال اتساع مساحة الغوطة واشرافها على عدة مناطق في دمشق من أجل فتح معارك ضد المعارضة السورية من عمق المدينة وفتح مجال لوقوع خسائر من المدنيين في تلك المناطق نتيجة الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة التي أدت لوقوع العشرات في تلك الفترة بين قتيل وجريح إضافةً للقذائف المجهولة المصدر التي كانت تسقط وسط دمشق وكل هذه الحالة الفوضوية التي حدثت والتي عمل النظام السوري على تنميتها كان الهدف منها هو استنزاف المعارضة السورية من جهة إضافة الى توجيه رسالة واضحة من النظام السوري الى أهالي دمشق بأن أي انقلاب على الحكومة السورية سيكون مصيرهم كمصير أهالي الغوطة الشرقية وبذلك استغل النظام السوري حالة الفوضى لصالحه في عدة مجالات عطفاً على استغلال الحالة العسكرية المتوترة في دمشق في عمليات التجنيد والسوق للخدمة العسكرية بحجة وجود خطر محدق يهدد دمشق.

بعد عام 2013 بدا النظام السوري وبعد تحويل الغوطة الى منطقة عسكرية دخلت الخطوة التمهيدية الثانية على واجهة العمل النظام السوري وهي ضرورة خلق شرخ مجتمعي في سورية على أساس العلويين والسنة وأنه لا يمكن الجمع بين الطرفين في منطقة واحدة وأن الأرض سيحكمها أحد الطرفين لا الاثنين معاً وقد استغل النظام السوري ظهور الجماعات المتشددة التي اوعزت للقوى الإقليمية والدولية ان الاحداث في سورية تحولت الى حرب طائفية وأن هناك فئة إسلامية متشددة قد ظهرت ستتخلص من كل شخص يقف ضد معتقداتها وهذا الأمر كان عاملاً كافياً لدى الحكومة السورية لإقناع الدول الغربية والاقليمية بضرورة إيجاد حل للتخلص من هذه المجموعات والتي اظهرتها الحكومة السورية بانها الأخطر في سورية وباتت هذه الدول تعمل فقط للبحث عن هذه الجماعات وعن الحاضنة الشعبية التي تتواجد فيها هذه الجماعات وكان من الضروري في ذاك الوقت ان يسمح النظام في دمشق لعدد كبير من المتشددين بالدخول الى الغوطة الشرقية عبر القلمون السوري وشرق السويداء من اجل جر المتشددين تدريجياً الى الغوطة حتى يكون للنظام السوري مستقبلاً سبب مقنع دولياً في التخلص من معارضيه في الغوطة.

الخطوة التي سار عليها النظام السوري لعزل الغوطة الشرقية تمت عبر تطبيق حالة الحصار التي كانت الخطوة الرئيسية لتحويل الغوطة الشرقية لمجتمع منفصل معزول ومحاصر يمكنه تقبل كل ما يحدث ضمنه من حالة صراع بين المعارضين إضافة لتحويل الغوطة من منطقة غنية جغرافياً لمنطقة محاصرة فقيرة غير قادرة على تخطي حالة الحصار مع مرور الوقت.

عوامل تقسيم الغوطة

أهم عوامل تقسيم الغوطة كانت ناتجة عن الاقتتال الداخلي الناتج عن التدخل الإقليمي وتبعية بعض الفصائل لدول محددة في الخارج جعلت هذه الفصائل بشكل تدريجي مرتبطة مالياً بالدول الخارجية ومرتهنةً بقراراتها للدول الاقليمية وباتت هذه الفصائل المرتبطة بمصالح خارجية قد دخلت ضمن ساحة الصراع الدولية وعاملاً من عوامل تصفية الحسابات بين الدول وهذا ما ساهم بشكل فعلي في تقسيم الغوطة عسكرياً انعكس بشكل مباشر على تقسيم الغوطة جغرافياً وسكانياً نتيجة سيطرة الفصائل على الغوطة الشرقية على قواطع جغرافية كاملة وانضمام السكان لهه التشكيلات عسكرياً للحصول على مرتبات مالية لتأمين الحالة المعيشية اليومية إضافة لرغبة جزء كبير بالانتقام من الحكومة السورية التي كانت السبب الرئيسي في تطبيق حالة الحصار على الغوطة بشكل كامل وبالتالي باتت الغوطة الشرقية مقسمة لثلاثة قطاعات القطاع الأوسط والذي تسيطر عليه قوتين متحالفتين هما جبهة فتح الشام (هيئة تحرير الشام) وفيلق الرحمن وقطاع حرستا الحليف الرئيسي لفيلق الرحمن وكانت حرستا تقبع تحت سيطرة فعلية من قوات أحرار الشام إضافة لقطاع دوما الذي كانت تسيطر عليه قوات جيش الإسلام ومن حيث التبعية فإن فيلق الرحمن وقوات احرار الشام هما الأكثر ارتباطاً بتركيا وقطر عبر الاخوان المسلمين في سورية بينما كانت قوات جيش الإسلام قوة تعمل مع عدة دول إقليمية لذا فكان من الصعب إيجاد عوامل مشتركة بين التشكيلات الثلاثة في ظل حالة الفقر والانقسام القائم بين قطاعاتها.

اختراق النظام الحاكم في دمشق للبنية الاجتماعية في الغوطة عبر التجار ورجال الاعمال السوريين وكان لهذا الاختراق اثر سلبي للغاية في مجالات المصالحات مع النظام السوري إضافة لمعرفة الحكومة السورية لأدق المعلومات حول ما يحدث داخل قطاعات الغوطة وكان لهذا الأمر دور كبير في مجال تخطيط النظام السوري للخطوات المستقبلية ضد المعارضة السورية داخل الغوطة الشرقية وعلى سبيل المثال فق لعب التاجر السوري محي الدين المنفوش دوراً كبيراً في مصالحات حدثت داخل الغوطة الشرقية حدثت فعلياً بين النظام السوري وبعض تشكيلات وكتائب المعارضة السورية في القطاع الأوسط مؤخراً وكان هذا التاجر سبباً في عقد صلح دائم وتسليم لمواقع كاملة لصالح الحكومة السورية وهذا الأمر كله فضلاً عن تدخل بعض الدول الاقليمية في قرارات فصائل المعارضة السورية والتي مكنت النظام الحاكم من استعادة السيطرة على أكثر من 605 من الغوطة.

سياسة القضم والحرب النفسية التي اتبعتها الحكومة السورية كان لها أثر كبير في مجرى العمليات العسكرية وعمليات التسوية التي تمت في الغوطة حيث انتقل النظام السوري في عملياته من عمليات المصالحة التي تتم على المدى الطويل الى عملية فرض الاجندة السياسية العسكرية الخاصة به نتيجة تقدمه في مضمار المفاوضات مع الفصائل العسكرية وكانت وتيرة مطالب النظام ترتفع بعد كل عملية مصالحة كانت تتم في ريف دمشق ولا سيما بعد احرازه نجاحاً على مستوى عدد من المناطق أولها منطقة القلمون الغربي وصولاً الى التل ووادي برى وداريا والمعضمية ومن ثم الغوطة الغربية وصولاً الى الغوطة الشرقية وما مرت به من مراحل للتسوية والمصالحة التي طالت مناطق البرزة والقابون والتي تحولت فيها الفصائل العسكرية المسلحة بالغالبية العظمى الى قوات تابعة للحكومة السورية وهذا الأمر قد شكل نسبة من الضغط على المعارضة السورية في مناطق الغوطة الشرقية وأدت بالنهاية الى تعميق حالة الانقسام من خلال الاتهامات بالخيانة وتسليم الحكومة السورية لمواقع كانت تتبع للمعارضة السورية وفي مجمل الاتهامات التي حدثت كانت مصلحة النظام السوري تسير بوتيرة متفاوتة في مجال تحقيق التقدم في المجال الجيو سياسي والجيو عسكري داخل الغوطة.

العوامل الإقليمية في الغوطة الشرقية

كما ذكرنا سابقاً في مجال البحث فإن لعوامل الإقليمية هي أحد أهم الأسباب التي ساهمت في عمليات تسليم مناطق في الغوطة الشرقية للحكومة السورية ولعل أبرز العوامل التي اثرت في ملف الغوطة هي ما يلي:

تغير الموقف الدولي من القضية السورية بشكل كامل حيث باتت الدول الإقليمية والدولية تبحث عن موطئ قدم في سورية بغض النظر عن انهاء حالة الاقتتال داخل سورية او تحقيق المطالب الشعبية التي بدأت منذ عام 2011 او محاسبة المسؤولين عما آلت إليه الأوضاع في سورية بل على العكس فقد ساهمت بعض الدول في تعميق حالة الانقسام في الملف السوري من خلال اقتطاع بعض المناطق السورية نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية كانت الغوطة جزءً منها بشكل أو بآخر.

تغيير بوصلة الصراع القائمة في سورية والانتقال من حالة الدعم الإقليمي للمعارضة السورية لمواجهة النظام السوري والميليشيات التابعة له الى دعم بعض التشكيلات العسكرية لتحقيق مصالح الدول الإقليمية داخل مواقع جغرافية محددة ولا سيما شمال سورية والتي ظهرت فيها بشكل واضح البوصلة الجديدة للصراع والذي انتقل من صراع مع الحكومة السورية الى صراع من اجل اقطاع أراضي لصالح تركيا وصولاً لدعم فصائل في الغوطة الشرقية من اجل ضرب فصائل أخرى تصفيةً للحسابات الدولية.

عملية المقايضة التي تمت في سورية نتيجة تقارب مصالح الدول التي كانت أعداء في الأمس القريب وتحولت إلى دول صديقة فيما بينها اليوم , وتقاربت بناءً على تقاسم المصالح في الغوطة الشرقية ومناطق أخرى وهذا الامر يمكن اسقاطه على الواقع من خلال الاستناد لعدة وقائع وظهر هذا الأمر بشكل واضح بعد أن تحدثت بعض المصادر السياسية منذ بداية العام الجاري عن معلومات تقول أن الحكومة التركية والقطرية اتفقت مع الحكومة الروسية على اجراء مقايضة في سورية تكون فيها عفرين من حصة تركيا مقابل ان تكون مناطق النفوذ التركي القطري في الغوطة لصالح روسيا والحكومة السورية وهذا ما تحقق بشكل سريع للغاية كما انه يمكن الاستناد الى عملية مقايضة سابقة حدثت وبشكل علني حين تم تسليم مدينة حلب للحكومة السورية على ان تتخلى الحكومة عن مناطق ريف حلب الشمالي والتي تمت تسميتها اصطلاحاً بمناطق درع الفرات.

تقسيم الغوطة ليس مجرد تقسيم جغرافي

السوريون بشكل عام وأهالي دمشق يعون تماماً ان الغوطة الشرقية كمنطقة جغرافية ليست مناطق متعددة او مدن مقسمة بل هي منطقة جغرافية متكاملة موحدة يٌطلق عليها أهالي دمشق هذا الاسم منذ عشرات السنين وعملية تقسيمها ليست مجرد تقسيم لجغرافيتها الموحدة بل هي مثال حي لما يحدث في سورية من حالة تغيير كاملة لنسيج مجتمعي كان يوماً يعبر عن لوحة سياسية مجتمعية يُحتذى بها على المستوى العالمي , عملية التقسيم التي حدثت في الغوطة لم تكن تمزيقاً لوحدة الغوطة فحسب بل كانت تمزيقاً للنسيج الاجتماعي الواحد من خلال تحويل جزء من المعارضة الى لجان شعبية تعمل مع النظام السوري وجزء آخر يتم ترحيله الى الشمال السوري وجزء آخر يتم العمل على التخلص منه من خلال نقله الى دمشق وتحويله الى فئة نازحة قد لا تعود الى الغوطة في المستقبل القريب ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن أهالي الغوطة الشرقية تحولوا من فئة منتجة كانت دمشق تعتمد على ما ينتجوه من المواد الزراعية الى فئة مهجرة تمت بناءً على اتفاقات دولية كان ضحيتها فقط النسيج الاجتماعي في الغوطة.

وبالنظر الى حالة الانقسام القائمة في الوقت الحالي في الغوطة يمكن أن يظهر بشكل واضح أن هذه الحالة لا يمكن اعادتها الى ما كانت عليه قبل عدة سنوات قادمة نتيجة الشرخ الذي حدث في مناطق التهجير بعد أن تحول أصدقاء اليوم من قوات المعارضة الى أعداء بعد انتقال البعض الى ما يسمى تسوية الأوضاع والعمل في اللجان الشعبية التابعة للحكومة السورية وما رافقها من حملات تخوين لأصدقاء الأمس.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *