الرئيسية / أخبار سوريا / التحالف الروسي التركي الإيراني ترتيب المصالح وتباعد الأهداف

التحالف الروسي التركي الإيراني ترتيب المصالح وتباعد الأهداف

التحالف الروسي التركي الإيراني ترتيب المصالح وتباعد الأهدافالتحالف الروسي التركي الإيراني ترتيب المصالح وتباعد الأهداف

مركز أسبار للدراسات والبحوث

مقدمة:

اجتمع زعماء الدول الثلاث، روسيا وتركيا وإيران ،في أنقرة، في الرابع من شهر أبريل /نيسان الجاري، و خ صصت القمة الثلاثية، بحسب أجندتها، لبحث “مستقبل سوريا،” وحمل البيان الختامي للقمة تأكيد الدول الثلاث على نجاح مسار “أستانة” في خفض التصعيد في الميدان السوري، كما أكدوا على “دعم مخرجات مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي، بما في ذلك تشكيل اللجنة الدستورية”، و”أنه لا حل إلا الحل السياسي”.

أتت القمة الثلاثية في ظل متغيرات نوعية في الميدان العسكري السوري، ابتداءً من الحسم العسكري للقوات التركية ومجموعات من “المعارضة المسلحة السورية” التابعة لتركيا معركة “غصن الزيتون” في عفرين ضد “قوات حماية الشعب” الكردية، بعد أكثر من شهر ونصف من القتال، وبعد تمكن روسيا من تفتيت مناطق الغوطة الشرقية، وإخراج مقاتلي “جبهة النصرة “و”فيلق الرحمن” )المدعومين من قبل تركيا وقطر والاخوان المسلمين(، منها، ما يمهد لاستعادة كامل المنطقة من مسلحي المعارضة.

الدول الثلاث، خلال السنوات الماضية من عمر الصراع السوري، كان لها رؤى مختلفة حول الصراع، كما أن الموقفين التركي والإيراني شهدا حالة تباين قصوى في الموقف من التغيير في سوريا، فقد دعمت إيران بقاء نظام الأسد، بينما دعمت أنقرة المعارضة المسلحة، وخصوصاً الإسلامية، من أجل تغيير نظام الحكم في دمشق.

طهران وأنقرة يدركان تماماً ما أحدثه التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر/ أيلول 2015 من تحوّل كبير في اتجاه الصراع، وقلب المعادلات الميدانية، وبروز موسكو في الساحة السورية بوصفها اللاعب الأول، لكنهما في الوقت نفسه لا يتوافقان كلياً مع الرؤية الروسية للحل، خصوصاً مع ميل موسكو إلى قبول الصيغة الفيدرالية للحل السياسي.

ضرورات التحالف في ظل التحولات الدولية:

شكّل قدوم الرئيس دونالد ترامب إلى سدّة الحكم في البيت الأبيض تحولات مهمة في السياسة الأمريكية، ومنذ قدومه إلى السلطة، بدأ الرئيس ترامب يعيد النظر في ملفات رئيسة وكبرى على المستوى الدولي، وفي مقدمة الملفات التي أعاد فتحها الرئيس ترامب ملف الاتفاق النووي بين مجموعة “خمسة زائد واحد” وإيران، ويشهد الملف خطوات ثابتة من أجل إضافة مزيد من الضغط على طهران، مع احتمال رفع سقف المطالبة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق.

وعلى الرغم من وجود دور مزعوم لروسيا في الانتخابات الأمريكية، ما سمح للرئيس ترامب بالوصول إلى الحكم، إلا أن سياسة الرئيس ترامب تجاه موسكو آخذة في التصعيد، فقد جدّدت الولايات المتحدة العقوبات على موسكو، بعد تدخل روسيا العسكري في أوكرانيا، كما وقفت الولايات المتحدة مع الخطوات البريطانية في التصعيد ضد موسكو، ودفع “الناتو” وأكثر من عشرين دولة أوروبية لطرد ديبلوماسيين روس من أراضيها.

الموقف الأمريكي والأوروبي تجاه أنقرة ليس في حالٍ جيدة، فقد رأى الأوروبيون في الخطوات التصعيدية التي اتخذتها الحكومة التركية ضد آلاف من المعارضين بأنها لا تتماشى مع التزامات أنقرة في ملف دخولها إلى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى التعديلات الدستورية لمصلحة منصب الرئاسة، بعد الانقلاب الفاشل في يوليو/ تموز 2015.

وعلى الرغم من حدوث تعاون استخباراتي بين واشنطن وأنقرة في الملف السوري، إلا أن دعم الولايات المتحدة ل “قوات سوريا الديمقراطية” أحدث تباعداً بين أمريكا وتركيا، بالإضافة إلى القواعد العديدة التي أنشأتها الولايات المتحدة في الشمال السوري، ودعمها للأكراد، وهو ما يحرج أنقرة، بل ويعقّد وضعها في الملف السوري، وفي عموم ملف الأمن القومي على حدودها الجنوبية.

مجمل المناخ الدولي يعكس عودة إلى الكثير من أجواء الحرب الباردة ،وفي هذا السياق فإن الدول الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، بما لديها من مشكلات جوهرية مع أمريكا والغرب، تجد أن تحالفها مع بعضها البعض هو بمثابة الضرورة التي تمليها المعادلات الدولية الجديدة ،فالدول الثلاث، في الملف السوري، بل وفي ملف الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، لديها مصالح مشتركة كبيرة، تحتاج إلى رفع مستوى التعاون والتنسيق، لكن في الوقت نفسه، فإن الدول الثلاث تمتلك استراتيجيات مختلفة، تمليها عليها ضرورات تتجاوز الملف السوري نفسه، بل وملف الشرق الأوسط، كما في حالة روسيا، التي تحاول أن تموضع نفسها كقوة ثانية في العالم.

تناقض مشاريع الحلف الثلاثي:

تختلف دوافع كل دولة من الدول الثلاث في الملف السوري، فروسيا وجدت في الانكفاء الأمريكي عن الشرق الأوسط، والذي بدأ في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، فرصة لملء الفراغ في الشرق الأوسط، والعودة مجدداً إلى منابع الطاقة، خصوصاً مع الاكتشافات الضخمة من الغاز في حوض المتوسط، وترى أن تواجدها العسكري المباشر في الساحل السوري ضرورة من أجل تحقيق نفوذ واسع مستقبلاً.

محاولة موسكو استعادة دورها الدولي عبر أوكرانيا في أوروبا، أو عبر سوريا في الشرق الأوسط، هو محور الاستراتيجية الروسية، أو على الأقل هو ما أكدته الوقائع خلال السنوات الثلاث الماضية، وبالتالي فإن نجاحها في الملف السوري يعدّ أساسياً لتحقيق تلك الاستراتيجية.

أما إيران، فقد كانت تطمح عبر تدخلها المباشر في الملف السوري من مدّ نفوذ واسع لها من طهران وصولاً إلى بيروت، وبالتالي تهديد أمن الخليج، عبر المشرق العربي، والذي يعد العمق الاستراتيجي لدول الخليج، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، لكن دخول روسيا على الخط، بعد فشل إيران في تحقيق نصر وازن على قوى المعارضة الإسلامية المسلحة، أدى فعلياً إلى تراجع المكانة السياسية لطهران في الملف السوري، وهي بما استثمرته، طوال السنوات الماضية، أرادت تحقيق مكاسب استراتيجية، تتناسب مع رؤيتها إلى مستقبل الشرق الأوسط ،انطلاقاً من مسألتين اثنتين كانت تعوّ ل عليهما، تتمثل الأولى في تسوية ملفها النووي مع أمريكا والغرب، والثانية تتمثل في ملء الفراغ الأمريكي، وبسط نفوذها على كامل المنطقة، وفرض شروطها على دول الخليج العربي.

من جهتها، عوّلت تركيا على جماعة الإخوان المسلمين، من أجل بناء نفوذ واسع لها في مصر وسوريا، مع الحفاظ على الدولة المركزية، وبالتالي اعتماد منظومة أمن واستقرار جديدة، تكون لتركيا فيها حصة وازنة، إلى جانب إيران وإسرائيل، وقد أدت التحولات في مصر إلى عرقلة طموحاتها، كما أن الدخول الروسي إلى سوريا قلصّ طموحاتها في هذا الملف، كما أدى تنامي نفوذ “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي PYD، ومن ثم الدعم الأمريكي للحزب، و”قوات سوريا الديمقراطية” في محاربة “داعش”، إلى إعادة الحسابات الاستراتيجية التركية، وخفض سقف التوقعات.

مشاريع الدول الثلاث، تجعل من الصدام المستقبلي أمراً وارداً، وفي بعض الأحيان لا مفر منه، خصوصاً مع عدم وضوح الاستراتيجية الأمريكية، فقد رفع تصريح الرئيس ترامب حول عزمه سحب قواته من سوريا منسوب الخطر لدى الدول الثلاث، حيث أن الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يعيد حساباتهم، بل وربما يدفع إلى التصادم فيما بينهم، كما أن عودة الرئيس ترامب عن الانسحاب هي الأخرى تخلط الأوراق من جديد.

التحالف الثلاثي كورقة ضغط:

فتح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جديد الحديث عن بيع بلاده منظومة بطاريات صواريخ “إس 400” إلى تركيا، والمزمع تسليمها إلى أنقرة في 2020، كما كانت زيارته تركيا هي الأولى إلى الخارج، بعد نجاحه في الدورة الرابعة للانتخابات الرئاسية، وأراد توجيه رسائل إلى أمريكا والغرب حول إعطائه ملف الشرق الأوسط أولوية في سياساته، كما في تحالفه مع تركيا وإيران، وبطبيعة الحال فإن الرئيس بوتين يريد استخدام الحلف الثلاثي كوسيلة ضغط قوية على أمريكا وأوروبا، وليس مؤكداً، في ظل حصول مفاوضات حول ملفات أكثر أهمية بالنسبة لموسكو، أن يتراجع عن تسليم منظومة “إس 400”.

في هذا السياق، فإن تأكيد الرئيس بوتين على الحلف الثلاثي هو خطوة في إطار التصعيد مع الغرب ،وللقول بأن موسكو تمتلك العديد من الأوراق في وجه التصعيد الغربي، خصوصاً في ظل حاجة كل من أنقرة وطهران لموسكو في مواجهتهما مع الغرب، وبالتالي فإن مستوى التنسيق بين هذا الحلف قد تمتد لاحقاً إلى التنسيق حول ملفات أخرى.

لدى طهران حاجة كبيرة للتحالف مع موسكو بالدرجة الأولى، في ظل إدارة ترامب، وتصعيد العقوبات الأمريكية عليها، وضغطه على دول أوروبية لاتخاذ مواقف حادة من طهران، وهو ما قد يهدد مصالحها الاقتصادية، كما أن موسكو ،بامتلاكها حق النقض “الفيتو” قد تكون سند اً مطلوباً في ظل تطورات قد تنشأ لاحقاً، وبالتالي فإن الحلف الثلاثي هو ورقة ضغط، وربما مساومة مع أمريكا والغرب، فيما لو تطلب الأمر تقديم طهران تنازلات.

أما أنقرة، وعلى الرغم من وجود مصالح تجارية واقتصادية كبيرة مع طهران وموسكو، إلا أنها تحتاج إلى بناء توازن لمكانتها الاستراتيجية، من خلال تحسين العلاقات مع واشنطن، وحل مشكلاها مع أوروبا، والتي من المتوقع أن تضغط على اقتصادها، في الأمد المنظور، لكن في ظل استمرار التباعد مع واشنطن والغرب فهي تمضي في تحالفها مع موسكو وطهران من أجل امتلاك ما يمكن التفاوض عليه لاحقاً، أو كاستعداد لتطور المواجهة مع الغرب.

هل من رؤية موحدة للتحالف للحل في سوريا؟

حمل البيان الختامي لقمة أنقرة بعض الملامح المشتركة ل “سوريا المستقبل”، عبر التأكيد على السعي إلى “الحل السياسي”، و”ضمان وحدة سوريا”، “محاربة الإرهاب”، و”إعادة الإعمار ،”وقال الرئيس بوتين” اتفقنا على توحيد الجهود لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع في سوريا. ويدور الحديث قبل كل شيء عن بناء منشآت البنية التحتية والمؤسسات العامة،” لكن من الناحية الفعلية فإن ثمة نقاط خلاف كبيرة بين الأطراف الثلاثة، خصوصاً بما بتعلق بشكل الدولة السورية، فموسكو تميل إلى “سوريا فيدرالية”، تضمن نوعاً من التهدئة في الشمال، وضمان أمن إسرائيل في الجنوب.

تتشارك أنقرة وطهران في الرؤية إلى إبقاء صيغة الدولة المركزية، حتى لو كانت دولة ضعيفة ،بل ربما بقاءها دولة مركزية ضعيفة، يخدم مصالحهما أكثر ،فدولة فدرالية تعني منح الأكراد نوعاً من الحكم الذاتي، وهو ما تعدّه أنقرة استمراراً لتهديد أمنها القومي، كما ترى طهران أن قيام دولة فيدرالية سيحدّ من نفوذها، خصوصاً مع افتقادها إلى قاعدة شعبية عريضة.

كما أن المضي نحو حل سياسي، عبر الرؤية الروسية، من شأنه أن يفتح باب الصراع المباشر بين موسكو وطهران، إذ أن موسكو ستكون مؤهلة لكسب مصالح أوسع، وذات بعد استراتيجي ،بل أنها قد تجد أنه من الأجدى التفاوض مع بعض دول الخليج للاستثمار في سوريا، وهو ما يعني أنه سيكون المطلوب من موسكو الإسهام في الحدّ من النفوذ الإيراني داخل سوريا.

خلاصة:

إذا كانت قمة أنقرة قد أكدت على استمرار الدول الثلاث في التنسيق فيما بينها، والمضي نحو صيغة تحالفية، تتطلبها الظروف الدولية، وتعقيدات الساحة السورية ،إلا أنه من المبكر الجزم بأن هذا التحالف قادر على إنجاز مهامه في بناء حل سياسي، كما أن وجود عدد من التناقضات الكبرى بين الدول الثلاث تجعل كل واحدة منها على درجة كبيرة من الحذر، خصوصاً في ظل تباعد المواقف الاستراتيجية للدول الثلاث، وحاجة كل منها إلى أمريكا والغرب في ملفات عديدة.

وإذا كانت أنقرة وطهران قد قبلتا بالريادة الروسية في هذا التحالف، فإن تلك الريادة نفسها تشكل تهديداً لمصالحهما، ولذا فإن هذا التحالف بما يمتلكه من نقاط قوة، لجهة كون الدول الثلاث، هي القوى الأكثر نفوذاً في الساحة السورية، إلى جانب الولايات المتحدة، إلا أن هذا التحالف يحتوي أيضاً العديد من نقاط الضعف، أهمها رؤية كل منهم إلى شكل الدولة المستقبلي، ومدى النفوذ الممكن تحقيقه، والمصالح المتوقع حصدها.

لقراءة الدراسة في مصدرها (موقع مركز أسبار للدراسات والبحوث) بإمكانكم زيارة الرابط التالي:
http://www.asbarme.com/ar/articles/قضايا-راهنة/298192878566786/التحالف-الروسي-التركي-الإيراني-ترتيب-المصالح-وتباعد-الأهداف

لمتابعة آخر منشورات مركز أسبار للدراسات والبحوث يرجى تسجيل الإعجاب بصفحة المركز في فيسبوك:
https://www.facebook.com/asbarme

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *