الرئيسية / مقالات / مشروع طريق طهران-بغداد-دمشق: تغيير جذري للمشرق العربي

مشروع طريق طهران-بغداد-دمشق: تغيير جذري للمشرق العربي

مشروع طريق طهران-بغداد-دمشق: تغيير جذري للمشرق العربي

الاتحاد برس – مركز أسبار للدراسات – وحدة تحليل السياسات:
 
كشفت مصادر عدة، مؤخراً، عن إبرام الحكومة الإيرانية عقداً مزدوجاً مع الحكومتين العراقية والسورية، من أجل إنشاء طريق بري “أوتوستراد”، يربط بين طهران ودمشق عبر بغداد في مرحلته الأولى، ليمتد لاحقاً نحو العاصمة اللبنانية بيروت، وبالتالي يصل طهران بالبحر الأبيض المتوسط، وفي تفاصيل العقد المزدوج أن شركة إيرانية )مقربة من الحرس الثوري الإيراني( ستتولى الإشراف على هذا المشروع الاستراتيجي، حيث يصل طول هذا الخط البري إلى حوالي 1700 كلم، ومن المتوقع تنفيذه خلال عامين، بمسارين ذهاب وإياب، على أن يضم كل مسار خطّاً خاصّاً بالشاحنات الثقيلة، وآخر مخصص للسيارات العادية، بحيث يحقق هذا المشروع فوائد تجارية وسياحية، عبر نقل البضائع والأفراد بين الدول الثلاث )إيران، العراق ،سوريا(، وستقوم طهران بتمويل المشروع، مع التخطيط لحراسة هذا الخط، عبر عناصر عسكرية ونقاط استخباراتية مشتركة من الدول الثلاث .
 
إن مشروعاً كهذا يطرح مجدداً جدية المتغيّرات التي حدثت خلال الأعوام الماضي، حيث أمكن لطهران مدّ نفوذها في منطقة المشرق العربي، والتكيّف مع حالة الفوضى الموجودة، والاستفادة منها لتنفيذ مشاريع استراتيجية وحيوية للنفوذ الإيراني، في المستويات كافة )السياسي ،والاقتصادي، والاجتماعي.(
 
في دلالات المشروع:
 
على الرغم من الخراب الكبير الذي حلّ بالعراق وسوريا، وعدم اهتمام إيران بمساعدة الحكومة العراقية على إعادة تأهيل البنى التحتية للمدن العراقية، إلا أن طهران تركز فعلياً على نفوذها السياسي بالدرجة الأولى، والذي يشكّل الخط البري أحد أكبر الوسائل اللوجستية لاستمرار النفوذ السياسي، وترسيخه كأمر واقع في المستقبل.
 
ولقد تمكّنت طهران، بعيداً عن الحكومتين العراقية والسورية، من بناء قوى سياسية وعسكرية موالية لها في البلدين، بالإضافة إلى “حزب الله” اللبناني، وهي تعتمد عليهما بشكل كبير من أجل تحقيق أجندتها في المشرق العربي، ومن الطبيعي أن تسهم هذه القوى في حماية المشروع، والاستفادة منه مستقبلاً، في تقوية نفوذها السياسي.
 
تحتاج طهران فعلياً، في ظل العلاقات دائمة التوتر مع الغرب، إلى إيجاد بدائل اقتصادية وتجارية، ومن الطبيعي أن تقوم باستثمار نفوذها السياسي العسكري لتحقيق أهدافها، وبالتالي فإن مثل هذا الخط من شأنه أن يشكّل مردوداً مالياً مهماً لطهران، وللنخب الإيرانية، مع توليد رئة يتنفس من خلالها الاقتصاد الإيراني، والقائم على صناعات لا تعتمد التقنيات العليا ،بالإضافة إلى الصناعات التحويلية، والتي لا يمكن أن تنافس في الأسواق المعولمة.
 
لقد كان أمل النخب الليبرالية والاقتصادية الإيرانية معقوداً على نتائج الاتفاق النووي مع الغرب، من مثل تحرير المبالغ المجمدة، ورفع القيود عن تعاملات البنك المركزي الإيراني ،وبناء شراكات مع الغرب في مجالات الصناعة المتط وّرة، لكن كل تلك الآمال خيبتها الوقائع ،حيث عادت الولايات الأمريكية، مع تولي الرئيس دونالد ترامب، إلى سياسة العقوبات، بل ودفع الأمور إلى التصعيد، مع احتمال عودة أمريكا عن الاتفاق النووي.
 
من هذه الزاوية، تصبح حاجة إيران كبيرة إلى إعادة التفكير في اقتصادها، وعدم التعويل علىتحوّل المواقف الأمريكية والغربية تجاهها، وهو ما يجعلها تندفع أكثر نحو تفعيل القطاعات الاقتصادية والتجارية مع العراق وسوريا، وإيجاد بنية تحتية، تخدم هذا التوجّه.
 
وفي المقابل، فإن “الحرس الثوري” الإيراني، والنخبة المحافظة، يدركان أن عدم حصد النتائج الاقتصادية للنفوذ الإيراني من شأنه أن يفاقم الأوضاع الاقتصادية سوءاً في البلاد، ولذلك فهما بحاجة إلى الإسراع في استثمار المكاسب السياسية، وتحويلها في أقرب وقت ممكن إلى نتائج اقتصادية، لكي تنعكس في عموم الدورة الاقتصادية والمالية لإيران.
 
وبناءً عليه، فإن النخب الإيرانية، وعلى الرغم من تناقضاتها الأيديولوجية، أو التضارب في مصالحها السياسية الداخلية، تقف مع مشروع خط طهران-بغداد-دمشق، فإذا كان “الحرس الثوري” الإيراني سيقف خلف الشركة التي ستنفذ المشروع، فإن الطبقة التجارية “البازار “ستكون من أكبر المستفيدين من نتائجه.
 
وبالمجمل، فإن طهران ترى بأن تقاسم النفوذ والمصالح في سوريا، يجب أن يكون لمصلحتها بالدرجة الأولى، فتركيا التي توسّعت في الشمال السوري لن تتمكن من حصد نتائج مباشرة ،خصوصاً في ظل الأوضاع غير المحسومة في الشمال، بالإضافة إلى استمرار “العنصر الكردي” كتهديد لأمنها القومي، وبالتالي فإنها في ظل انشغال أنقرة في ترتيب أوضاعها الجديدة في الشمال السوري، يمكن لإيران أن تحرز إنجازاً استراتيجياً، وتعمل مع الوقت على تدعيم حوامله الاجتماعية والتجارية والاقتصادية، بالإضافة إلى الحامل السياسي، متمثلاً بأتباعها في بغداد ودمشق.
 
وطالما أن المنافسة على النفوذ في سوريا، مقسّمة بشكل كبير بين موسكو وطهران، فإن طهران مضطرة لإيجاد صيغة تفاهم مع موسكو على المصالح الاقتصادية، والعمل على إرضاء موسكو في ملف الغاز، لكن موسكو لن تكون متأكدة تماماً من إمكانية وجود اتفاق قابل للصمود على المدى الطويل مع طهران، في ظل الضغوط المتزايدة على موسكو في الملف السوري، وملف الشرق الأوسط.
 
مخاطر المشروع بالنسبة للمنطقة:
 
هناك، دول عدّة ستكون متضررة حكماً من مشروع خط طهران-بغداد-دمشق، بالإضافة إلى فئات اجتماعية واقتصادية بعينها:
 
1- الخطر على أمن إسرائيل:
 
أوضحت السنوات السابقة في الصراع السوري جدية مخاطر الاشتباك المباشر بين إيران وإسرائيل، حيث قامت إسرائيل بتنفيذ عشرات الضربات لأهداف إسرائيلية داخل سورية، كما تم إسقاط طائرة F16 إسرائيلية من قبل مضادات جوية سورية، بدفع من إيران ،وحاولت إسرائيل عبر الزيارات المتكررة لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لموسكو أن تضبط إيقاع صراعها مع إيران بضمانات روسية، ومع ذلك، فإن موسكو لا تستطيع في
 
ساحة مثل الساحة السورية أن تمنع اندلاع شرارة المواجهة إذا ما تصاعدت الأمور بين طهران وتل أبيب.
 
الخط البري من طهران إلى دمشق عبر بغداد، ولاحقاً إلى بيروت، سيشكّل في حال قيامهنصراً استراتيجياً كبيراً لإيران، ومن شأنه أن يدفع إسرائيل إلى بناء تصورات استراتيجية مختلفة عما تبنّته حتى الآن، وبالتالي فإن إسرائيل ستجد نفسها في موقف الدفاع عن النفس الدائم أمام تنامي النفوذ والمصالح الإيرانية.
 
2- الخطر على تركيا:
 
دفعت أحداث المنطقة العلاقات السياسية بين تركيا ودول الخليج العربي إلى حالة من عدم الثقة، كما شهدت العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية تراجعاً كبيراً، خصوصاً لجهة دعم أنقرة لجماعة “الإخوان المسلمين” في مصر وسوريا، بالإضافة إلى وقوف أنقرة إلى جانب قطر في خلافها مع الدول الخليجية الثلاث )السعودية ،الإمارات، البحرين( ،وبالتالي فإنه على الرغم من تأكيدات أنقرة إلى استمرار العلاقات الاقتصادية مع الخليج، لكنه من الواضح أن السعودية تتوجه بشكل كبير نحو أمريكا والغرب، وهو ما يهدد بتدهور العلاقات الاقتصادية مع تركيا.
 
هل ستقبل أنقرة خسارة المشرق العربي لمصلحة نفوذ إيراني سياسي واقتصادي طويل المدى؟
 
العلاقات التركية المتوترة مع أمريكا والغرب، بالإضافة إلى العلاقات المتوترة مع الخليج، ستجعل أنقرة تشعر بخسارة كبيرة أمام احتواء إيران للمشرق العربي، وبالتالي حرمان تركيا من حصص مستقبلية، بل وإبعادها عن ساحة التنافس الاقتصادي لمصلحة اللاعب الإيراني، بينما كانت تتمتع قبل الصراع السوري بوضع اقتصادي تفضيلي في سوريا .
 
3- الخطر على المملكة العربية السعودية:
 
دخلت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى اليمن من أجل احتواء تمدّد النفوذ الإيراني، ودفعتا، ولا تزالا، ثمناً كبيراً من أجل تقليص نفوذ الحوثيين، وعدم تمكينهم من الاستحواذ على السلطة في اليمن، وبالتالي تمكين إيران من رسم سياسات اليمن .
 
وقد أصبح واضحاً أن الصراع السعودي الإيراني هو صراع ممتد على جغرافيا واسعة، ويشكّل المشرق العربي أهمية خاصة فيه، لكونه يمثل العمق الاستراتيجي لأمن الخليج، وأي استحواذ إيراني على المشرق العربي، وتطويعه اقتصادياً وتجارياً، سيعني حصاراً خانقاً على معظم دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
 
4- الخطر على سنّة المشرق العربي:
 
منذ عام 2003، سعت طهران إلى توسيع نفوذها في العراق، بجوار القوات الأمريكية ،التي أسقطت نظام صدام حسين، ولعبت على التناقضات الطائفية، وتمكنت من بناء نفوذ واسع لها، سواءً في الأحزاب العراقية، أو في الميليشيات الطائفية، واستطاعت أن تبقى في العراق، وأن تديره، في الوقت الذي اضطرت فيه الولايات المتحدة إلى تسحب جنودها، كما استخدمت طهران الفصائل الشيعية العراقية لمنع سقوط نظام الأسد، في
 
الوقت الذي أدّت فيه الحرب إلى مغادرة ملايين السوريين) في معظمهم من السنّة( بلدهم، كما قامت ببناء نفوذ واسع لها داخل المؤسسة العسكرية السورية، و”القوات الرديفة” لقوات الجيش السوري، وبالتالي فإن الخط البري من طهران إلى دمشق سيزيد من إمكانياتها على تغيير الوقائع الديموغرافية داخل سوريا، بل ربما الدفع نحو التشيّع وسط الفئات السورية التي أفقرتها الحرب، وهو ما سيضمن لها نفوذ اً واسعاً على مدارالعقود المقبلة، ليس فقط في العراق وسوريا، بل أيضاً في لبنان.
 
5- الطبقة المدينية في العراق وسوريا ولبنان:
 
لقد تراجعت مكانة الطبقة المدينية في العراق خلال العقود الأخيرة، كما أن السلوك الإيراني في العراق أسهم في صعود طبقة جديدة من الأثرياء، بناءً على توجهاتهم السياسية والطائفية ومقدار ولائهم لطهران، كما أنها بممارستها السلوك ذاته في الساحة السورية، وربط طهران بدمشق بخط بري، سيجعل من أثرياء الحرب السوريين المدعومين من طهران هم المستفيدون من التجارة عبر هذا الخط، ما سيوجّه ضربة قاضية للطبقة المدينية السورية، والمتمثلة بالبرجوازية الدمشقية التقليدية .
 
فرص نجاح المشروع:
 
تعوّل إيران في نجاح خط طهران-بغداد-دمشق على نفوذها المباشر على الأرض في العراق وسوريا، بالإضافة إلى الفصائل المقاتلة الشيعية في البلدين ،و”حزب الله” في لبنان ،لكن ثمة العديد من العقبات التي تقف في وجه نجاحه، وهي:
 
1- إن المناخ الدولي الراهن، والذي يحمل خطوات تصعيدية قوية ضد روسيا وإيران ،قد يدفع نحو الضغط على روسيا من أجل الإسهام في تقليص نفوذ إيران في الساحة السورية، في مقابل الاعتراف الغربي بمصالح روسية أكثر ثباتاً في سوريا، عبر تقاسم النفوذ على مصادر الطاقة والنفوذ في داخل الأراضي السورية، أو في المتوسط.
 
2- إن الضغوط الغربية عموماً قد تدفع نحو حلول سياسية في سوريا، من شأنها أن تقليص نفوذ إيران، والميليشيات التابعة لها، والدفع بطبقة سياسية ي دمشق، بعيدة في توجهاتها ومصالحها عن توجهات ومصالح إيران.
 
3- من جهتها، لن تقبل إسرائيل بتحويل النفوذ الإيراني من نفوذ عسكري مؤقت إلى نفوذ دائم، عبر ترسيخ المصالح الاقتصادية والتجارية والاجتماعية المتبادلة بين سوريا وإيران، وبالتالي فإنها ستدفع نحو خلط الأوراق، بما يعيق المشروع الإيراني، أو يوقف مسار اكتماله.
 
4- في ظل عدم رضا دول الخليج، مضافاً إليه عدم رضا تركيا، عن تحقيق إيران توسّعاً كبيراً في المشرق العربي، قد يدفع نحو تلاقي جديد بين مصالح أنقرة والعواصم الخليجية، وخصوصاً الرياض، وهو ما سيؤدي إلى تعاون بينهما، من أجل إفشال هذا المشروع الحيوي والاستراتيجي بالنسبة لنفوذ إيران المستقبلي.
 
خلاصة:
 
1- مشروع خط طهران-بغداد-دمشق في حال تنفيذه، سيكون مكسباً استراتيجياً كبيراً لطهران، من شأنه إعادة رسم ملامح السياسة والاقتصاد في دمشق، وأن يفرض هيمنة إيرانية لعقود مقبلة، سيكون من الصعب تخطيها.
 
2- سيكرّس المشروع تحوّلاً ديموغرافياً ومصلحياً في المشرق العربي، لمصلحة الطائفة الشيعية على العموم، ومن شأنه أن يدفع الفئات الأكثر فقراً نحو التشيّع.
 
3- من شأن البدء بتنفيذ المشروع أن يسرّع من المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران.
 
4- قد يدفع المشروع المملكة العربية السعودية وتركيا إلى إعادة حساباتهما، وعودة التوافق، انطلاقاً من مقاومة ترسيخ طهران لمصالحها في المشرق العربي.
 
5- ليس من مصلحة أمريكا والغرب أن ترسّخ طهران نفوذها حتى المتوسط، لتكون لاعباً فاعلاً في منابع الطاقة في حوض المتوسط، وبالتالي فإن الغرب سيكون مضطراً لمواجهة المشروع.
 
المصدر: مركز أسبار للدراسات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *