الرئيسية / مقالات / الطبقة التجارية السورية والحياد السياسي

الطبقة التجارية السورية والحياد السياسي

الطبقة التجارية السورية والحياد السياسي

حسام ميرو

خرجت الطبقة التجارية السورية من حقل السياسة منذ عقد السبعينات في القرن الماضي، فقد آثرت هذه الطبقة أن تتخلى عن المشاركة المباشرة في السلطة، مقابل الحفاظ على مصالحها، فتركت للسلطة السياسية كل ما يتعلق بتشكيل الفضاء العام السوري، من نقابات وأحزاب وجمعيات واتحادات، كما أنها تكيفت مع توجهات السياسة الخارجية للنظام، في مختلف محطاتها، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحها المباشرة، ففي غير محطة من محطات الصراع الإقليمي كان على الطبقة التجارية أن تقبل بخسارة ساحات خارجية لعملها، أو تقليص التبادل التجاري بشكل مجحف، من دون أن تمتلك القدرة على التأثير في قرارات السلطة السياسية.

وحين نتحدث عن الطبقة التجارية السورية فذلك يستدعي بالضرورة الطبقة الصناعية، حيث لا فصل واضحاً بين الطبقتين في بلد مثل سوريا، حيث تتداخل أعمال هاتين الطبقتين بشكل كبير، كما أن بعض العائلات التجارية تعمل في حقل الصناعة، وبالتالي فإن الحديث عن خروج الطبقة التجارية من حقل السياسة هو بالضرورة حديث عن خروج الطبقة الصناعية، مع التأكيد دوماً على أن الطابع الاقتصادي لسوريا هو طابع هجين، لا تلعب فيه الصناعات الخاصة دوراً وازناً، خصوصاً لجهة كونها صناعات تحويلية في معظمها.

وبموازاة الخروج من عالم السياسة، فإن الطبقة التجارية بقيت بعيدة عن الجيش، فلم يسعَ أبناء هذه الطبقة إلى التطوع في الكليات العسكرية، كما بقي انخراطهم في السلك البيروقراطي للدولة محدوداً، وقد أحدث هذا الابتعاد عن الجيش والبيروقراطية خللاً كبيراً، لمصلحة فئات أخرى من منبت فلاحي، اضطرت نتيجة ضعف أوضاعها الاقتصادية أن تكون تابعة كلياً للسلطة السياسة، وأن تتحول إلى أدوات تنفيذية، مقابل تحسين شروط حياتها المعيشية.

وإذا كانت الطبقة التجارية السورية تاريخياً هي عصب المدينة السورية، فإنها بتخليها عن دورها السياسي، وفقدانها للطموح البيروقراطي، فقدت قدرتها أيضاً على تشكيل المدينة السورية، وتحولت من مركز للمدنية إلى هامش منغلق ومتعالٍ، وتمسكت بإرثها المحافظ والتقليدي كشكل من أشكال الهوية المجتمعية، للمحافظة على نوع من التمايز عن باقي الفئات الاجتماعية، خصوصاً أبناء الريف الذين أصبحوا يشكلون القسم الأكبر من سكان بعض المدن، كما في العاصمة دمشق.

وفي سياق المقايضة التي أجرتها الطبقة التجارية السورية مع السلطة السياسية، والمتمثلة بالتخلي عن أي طموح في السلطة، مقابل الحفاظ على مصالحها المالية، فقد خسرت فرصة تاريخية في التحول نحو الليبرالية، بل إنها بتلك المقايضة تراجعت عن المكتسب الليبرالي للطبقة التجارية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وبدلاً من أن تقترن الطبقة التجارية بقيم الليبرالية، راحت تميل أكثر فأكثر نحو شكل انتهازي، يقوم على التلفيق بين البراغماتية العملية والمحافظة الاجتماعية والدينية، وقد كان هذا التلفيق مكسباً للسلطة السياسية، وتعبيراً عن انتصارها على تلك الطبقة، وفي الوقت ذاته خسارة للمجتمع السوري، الذي فقد واحدة من أكثر الفئات تأثيراً، وستثبت الوقائع لاحقاً أن خسارة المجتمع لتلك الطبقة ستكون واحدة من عوامل تحول الثورة نحو الحرب.

مع بدء الحراك الشعبي في سوريا منتصف 2011، بدت الطبقة التجارية السورية خارج المعادلة تماماً، مع بروز حاجة كبيرة لاتخاذ هذه الطبقة، عبر رموزها، موقفاً واضحاً من الأحداث، أو تقديم تصور للخروج من الاستعصاء السياسي، لكن مجمل رموز هذه الطبقة وقفوا، عبر صمتهم، وغياب أي قراءة سياسية خاصة بهم، مع السلطة السياسية، وهو ما يعني فعلياً وصول هذه الطبقة إلى حالة غير مسبوقة من النفعية، بعيداً عن أي رؤية وطنية، فإذا لم يكن بمقدور هذه الطبقة اتخاذ موقف مضاد للنظام السياسي فإن ذلك لا يعفيها من تقديم تصورها الخاص، وتقديم مقترحات، لضمان عدم ذهاب البلاد إلى ما ذهبت إليه من تمزق للتعايش المجتمعي، وتقسيم الجغرافيا السورية، وتدخل القوى الإقليمية والدولية.

إن أي قراءة فكرية-اقتصادية للواقع السوري في تحولاته نحو هذه الكارثية التي وصلت إليها البلاد لا يمكن أن تستبعد الدور السلبي للطبقة التجارية، فهي بتحولها إلى مجرد تابع للسلطة السياسية تخلت عن أي دور تاريخي لها، وأفصحت عن عدم قناعتها بضرورة التغيير السياسي والاقتصادي، هو ما يتناقض مع إمكاناتها المالية، ومع أبسط حاجاتها في التمايز كطبقة خاصة، ويكشف هذا الأمر فقدانها لأي طموح كان يمكن أن ينمو مع تراجع هيمنة السلطة السياسية خلال السنوات السابقة.

وإذا كان الذكاء المصلحي لدى الطبقات التجارية يحتم عليها التقاط جوهر اللحظات التاريخية، واللعب على تناقضاتها، من أجل تغيير موازين القوى لمصلحتها، فإن الطبقة التجارية السورية لم تلتقط جوهر اللحظة التاريخية التي أطلقتها انتفاضة السوريين، والتي كان يمكن لها أن تستفيد منها من أجل تغيير موقعها في المعادلة السياسية، والتحرر من دور التابع للسلطة السياسية، واستعادة دورها الطليعي كقاطرة للتقدم والازدهار الاقتصادي.

إذن، هل يمكن لهذه الطبقة التجارية أن تلعب دوراً مهماً وفاعلاً في مستقبل سوريا؟

قياساً إلى تجربتين مجاورتين لسوريا، وهما لبنان والعراق (مع الفوارق الجوهرية والتاريخية بين التجربتين)، فإن الطبقتين التجاريتين في البلدين الجارين لم تتمكنا من لعب دور مهم في صناعة المستقبل السياسي بعد الحرب، كما لم تتمكنا من المشاركة في صياغة النظام السياسي-الاقتصادي، أو بلورة قيم مدنية وحداثية مضادة للطائفية، وبالتالي فإن الطبقة التجارية السورية لا تبدو أنها تمتلك فرصة أفضل من مثيلاتها في لبنان والعراق، إلا إذا توافرت ظروف موضوعية وذاتية، تدفع بالطبقة التجارية نحو أفق ليبرالي وطني، تتمكن من خلاله إعادة إنتاج نفسها في الوقت الذي تسهم فيه في قيامة سوريا من الكارثة.

المصدر: تلفزيون سوريا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *