الرئيسية / مقالات / محنة «الإخوان» في الولاية الثانية

محنة «الإخوان» في الولاية الثانية

محنة «الإخوان» في الولاية الثانية

محمد صلاح

بعيداً من القصص الوهمية عن المصالحة مع الحكم التي يروج لها الإخوان، ومواويل «الانقلاب الذي يترنح» التي لا يكل ولا يمل عناصر الجماعة من غنائها ليل نهار، فالمؤكد أن معاناة الإخوان ستزيد خلال الولاية الثانية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعدما تعرضت الجماعة خلال الولاية الأولى إلى ضربات شديدة جعلتها تخرج من فشل لتدخل إلى آخر، وتفقد مزيداً من الحضور والشعبية والجماهيرية التي ظلت تحظى بها على مدى عقود.

سيلقي السيسي الأسبوع المقبل اليمين الدستورية أمام أعضاء البرلمان مدشناً ولايته الثانية، بعدما عبر في الولاية الأولى بالدولة المصرية مخاطر كانت تهدد وحدتها، ليس أولها تردي أحوال الاقتصاد وانهيار البنية التحتية وتدني مستوى الخدمات وارتفاع طموحات الناس، ولكن الأهم تعرض البلد إلى تهديدات من الخارج بواسطة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي يلقي دعماً مادياً ولوجستياً وإعلامياً من الدوحة، ومساندة معنوية وسياسية من أنقرة، إضافة بالطبع إلى وقوف جهات غربية ومنظمات حقوقية ومراكز بحثية أميركية وأوروبية خلف الجماعة، إما لتلقيها دعماً مالياً صريحاً من الدوحة، أو لاختراق تلك المؤسسات بواسطة عناصر إخوانية تمكنت من سرطنة مفاصلها، أو لأن بعض القائمين عليها ما زال معتقداً بالنظرية الأميركية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس، من أن تمكين الجماعات الإسلامية السلمية كالإخوان المسلمين من الوصول إلى الحكم يضمن كبح جماح التنظيمات الراديكالية كالقاعدة وداعش! دون النظر إلى تاريخ الإخوان في العمل الإرهابي واستخدام العنف وتصفية معارضيهم.

المهم أن السيسي استطاع أن ينقذ مصر خلال فترة ولايته الأولى من الإرهاب وتمكن من محاصرته في سيناء وباقي المدن المصرية، وكل متابع لأحوال مصر والتطورات فيها يلحظ انخفاض وتيرة العمليات الإرهابية في الأشهر الأخيرة. نجح السيسي في ولايته الأولى أيضاً في كشف الصورة الحقيقية لتنظيم الإخوان الذي ظلت الجماهير تتعامل معه باعتباره فصيلاً شعبياً وجماعة مسالمة تتعرض للاضطهاد والمطاردات، وأثبتت التطورات التي مرت بها مصر بعدما ضربها الربيع العربي أن الإخوان تنظيم دموي صار الآن يطلب الثأر من المصريين بعدما أطاحت ثورة شعبية حكم محمد مرسي. فشل الإخوان في استخدام كل الوسائل خلال الولاية الأولى للسيسي في إسقاط الدولة أو تقسيمها، ولم يفلح تحريض القوى الخارجية، أو استخدام جموع المتعاطفين مع الجماعة وأعضائها، أو إضرام الحرائق في المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة إلا في فضح الجماعة وإنهاء رصيدها لدى الشعب المصري. حوَّل السيسي الصورة الانطباعية لدى الناس عن الإخوان من تنظيم سياسي يستخدم الدين لتحقيق هدف الوصول إلى السلطة إلى تنظيم ثأري، يسعى بكل الطرق إلى إسقاط الدول المصرية وهدمها على من فيها، ما جعل المصريين يكتشفون حجم الخداع الذي تعرضوا له، والحيل التي مورست ضدهم، والحقائق التي أجاد الإخوان تزييفها على مدى سنوات طويلة. لا يعني كل ذلك أن الجماعة انتهت وأن نشاطها توقف أو أن التنظيم في طريقه لإعلان الاستسلام، فالحقيقة أن الجماعة تأثرت ولم تنته، وما زالت تمثل في مصر التنظيم الأكبر قدرة على التحرك الجماعي دون الأحزاب أو أي تنظيم سياسي آخر، ونشاطها لم يتوقف لكنه صار محدوداً بفعل الضربات الأمنية والكراهية الشعبية للإخوان في الشارع، وتحاول الجماعة بكل الطرق العودة إلى واجهة الأحداث لكنها تفشل، فتعيد المحاولة فتفشل مجدداً في كل مرة.

ظل الإخوان على مدى عقود يجيدون لعبة الصدام أو المهادنة مع أنظمة الحكم المتعاقبة، واستخدمت الجماعة دائماً المواءمة السياسية سبيلاً للتعاطي مع الحكومات وفق الوقت والظروف، واستطاعت من خلال استخدام خطاب المظلومية والاستعطاف كسب ود بعض رموز السلطة في عهود مختلفة، وانعكس كل ذلك في نجاح مرشحي الإخوان في الانتخابات، لكن تصرفات الجماعة وسلوكها وفشلها في الحكم جرف الأرضية التي كانت تقف عليها.

في كل مرة يتحدث فيها السيسي عن الإرهاب أو الإخوان، حتى وإن لم يسم الجماعة أو أحداً من قادتها، يظهر من كلامه أنه لا يفرق بين الإخوان و «داعش» أو أي تنظيم إرهابي آخر، والمؤكد أن الولاية الثانية له لن تشهد أبداً مهادنة أو مواءمة مع ذلك التنظيم، الذي يبدو وكأنه خرج من محنة فقدانه للسلطة إلى محنة الولاية الأولى للسيسي، وفي طريقه الآن إلى المحنة الجديدة في الولاية الثانية.

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *