الرئيسية / منوعات / الصراع على بشار

الصراع على بشار

الصراع على بشار

عمر قدور

لم يأتي تهديد نتنياهو بجديد، حين يتوعد بتدمير قوات الأسد إذا أطلقت النار على إسرائيل. نتنياهو يعلم أن قرار إطلاق القذائف لن يأتي من بشار أو من موسكو وإنما من طهران، والتهديد يهدف أولاً إلى إنذار بشار بأن خضوعه للأوامر الإيرانية سيكلفه غالياً. وعلى هذا المستوى ليس من جديد، فتل أبيب أعلنت مراراً وتكراراً أنها نأت بنفسها عن الصراع السوري، بل أعلنت مراراً وتكراراً تفضيلها بقاء بشار في السلطة على قاعدة فك ارتباطه بإيران. ومن الملاحظ هنا أن تل أبيب لا تتوقف بشكل خاص عند دور ميليشيا حزب الله في سوريا، لأنها رأت في استنزافها سورياً مكسباً لها، طالما لم يؤدِّ إلى تعزيز النفوذ الإيراني في المحصلة النهائية.

وإذا وجدت تل أبيب في بشار وزمرته أفضل حارس للاستقرار، بشرط تحييد إيران، فهذا إلى حد كبير ما تراه دول إقليمية أخرى، بخاصة المعنية منها بما يُسمى الصراع الشيعي-السني. هذه الدول سحبت من التداول رغبتها في إسقاط بشار، لصالح الاكتفاء بتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا واليمن، وعدم سيطرة حزب الله سيطرة مطلقة على لبنان. أما دولياً فإدارة ترامب لم تعلن يوماً عزمها على إسقاط بشار، والأوروبيون لا يخفون رغبتهم في إعادة تدويره، حيث يتولى الرئيس الفرنسي ماكرون الوساطة على أكثر من جهة لإقرار تسوية بأقل قدر من المواجهات.

الوضع الحالي يغري بالقول بأننا انتقلنا من الصراع على سوريا، الذي بدأ يبرز بقوة منذ عام 2012، إلى الصراع على بشار الأسد. وإذا كانت فترة الصراع على سوريا تتضمن مشاريع متغايرة لمستقبلها، مع ربط ذلك بملفات أخرى، فإن الصراع على بشار لا ينطوي على أي مشروع مستقبلي للسوريين، ولا يحمل أية تغييرات جذرية في المحيط، بقدر ما ينطوي على الإبقاء على الوضع الحالي عموماً مع تغيير في تقاسم النفوذ. بعبارة أخرى، نحن إزاء قوى لا تختلف جذرياً حول أدوات نفوذها، ولا حول أساليب تكريس هذا النفوذ، بقدر ما تختلف حول حصصها منه.

سورياً، رغم إقرار جميع الأطراف بأن تنظيم الأسد ارتكب جرائم غير مسبوقة، ثمة إصرار على بقائه، وفي أحسن التصورات الإبقاء على بشار حتى ضمان الإبقاء على التنظيم بدون انهيار. لنتجاوز ما في ذلك من قهر وإهانة إضافيين للسوريين، فهو يدل أيضاً على ماهية القوى التي تتصارع على النفوذ، والتي ترى أنه لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود قوة قهر محلية، وأن هذه القوى ليست مستعدة لاستثمار طويل الأجل يكلفها التشبيك مع قوى اجتماعية محلية حقيقية، بدل التشبيك والتعويل على إمارات الحرب ومرتزقتها.

بدءاً من عام 2012، الذي سيشهد سقوطاً دراماتيكياً لسيطرة الأسد، سنجد تركيزاً من الدول الفاعلة بالملف السوري على إسقاطه من دون اهتمام برؤية القوى الدولية حول طبيعة البديل. الصراع الشيعي-السني الذي راح يطغى على الصراع السوري الداخلي أدى إلى استثمار طاغٍ في التنظيمات الإسلامية، وإلى إنشاء عشرات الفصائل الإسلامية الجديدة، من دون أدنى اكتراث بأساليب سيطرتها على المجتمعات المحلية، الأساليب التي تتنافى تماماً مع مطالب الثورة في الحرية والديموقراطية. سنشهد قادة العديد من الفصائل وهم يستهزئون علناً بتلك المطالب، ولن يشترط أي من الدول الداعمة على تلك الفصائل اعتماد نهج مغاير.

دولياً لم يكن المثال المطلوب أفضل من ذلك، فالخشية الدولية المعلنة كانت على الدوام هي حالة الفوضى التي قد تعقب سقوط الأسد. ذلك أدى ببعض الفصائل إلى إظهار قدرتها على ضبط مناطق سيطرتها وقهر سكانها، مع القضاء على الفصائل الأصغر، في رسالة مفادها الاستعداد للقيام بمهمات تنظيم الأسد الأمنية على أكمل وجه. في الحرب على داعش مثلاً، بعدما فشلت محاولة الإدارة الأمريكية إنشاء جيش مرتزقة، لم تضع شروطاً على الميليشيات الكردية التي أصبحت شريكاً في الحرب، وبسبب الرعاية الأمريكية لم يطرأ تحسن على سلوك الميليشيات سواء إزاء مخالفيها من الأكراد أو في المناطق التي راحت تنتزعها من داعش. على العكس من ذلك استقوت الميليشيات بالدعم الأمريكي، وزاد منسوب انتهاكاتها على أكثر من صعيد، بما في ذلك التغيير الديموغرافي والتجنيد القسري حتى للنساء والقاصرين.

القوى الدولية التي صمتت عن انتهاكات الميليشيات الكردية ستصمت أيضاً عن الانتهاكات الواسعة في حق السكان الأكراد ضمن عملية “غصن الزيتون” التركية، ورغم أن الدخول التركي إلى عفرين تم بصفقة دولية إلا أن الصمت حول الانتهاكات الضخمة جداً يوحي بقبولها واستدراجها أيضاً. الواقع أنه ليس هناك أفضل من هذه الانتهاكات لتبرير كافة الجرائم الأخرى، ولاعتبارها جميعاً من طبيعة الحرب في سوريا، وبالتأكيد ليس هناك أفضل من محاولات فرض مظاهر الأسلمة على الأكراد لمعاندة مزاج دولي يرفضها، ولخدمة من يصوّرون الأسد كحامي العلمانية.

بالطبع لا يكفي لوم القوى الخارجية على مجمل الانتهاكات، والحق أن الواقع السوري انكشف عن عدد ضخم ممن تطبّعوا بنوازع سلطوية، بصرف النظر عن الأيديولوجيا التي يستخدمونها، وانكشف أيضاً عن عدد ضخم من المستفيدين من أمراء الحرب الذين لا تعني القضية السورية لهم شيئاً خارج ارتزاقهم منها. وجود هذا الكمّ يطعن في فرضية التآمر الخارجي المبكر لتعويم الأسد، مع عدم استبعاد وجود هذه النوايا سلفاً. على الأقل لا يمكن إعفاء هؤلاء من مسؤولية تسهيل الوصول إلى هذه المرحلة، بخاصة أولئك الذين توهموا منافسة الأسد في ملعبه المفضّل.

لم تكن مصادفة أن يستهدف الأسد وحلفاؤه أولاً المناطق التي قدّمت نماذج أفضل نسبياً على إدارة ذاتها، مثلما لم يكن مصادفة ألا تحظى تلك المناطق بدعم خارجي قوي، على العكس من مناطق سيطرة الفصائل التي ضربت المثال الأسوأ. كان مطلوباً طوال الوقت تعزيز الخيارات الأسوأ أمام السوريين، فوز بشار في هذه المناقصة لا ينطوي بالتأكيد على ميزة أخلاقية. هو، من وجهة نظر المتنافسين الخارجيين، تفضيل من يعرفونه جيداً، ومن أثبت بلا أدنى شك تضحيته بكل المعايير الإنسانية من أجل الاحتفاظ بكرسيه، وهي مزايا يُضنّ بها أن تبقى ملكاً لطهران. ولأن إيران لن تضحي به، بعد أن كانت أول من أنقذه من السقوط، لا يُستبعد أن تكون مقتله على نحو أو آخر.

المصدر: المدن

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *