الرئيسية / مقالات / لا تنسحبوا… الحرب لم تنتهِ في سورية

لا تنسحبوا… الحرب لم تنتهِ في سورية

لا تنسحبوا… الحرب لم تنتهِ في سورية

الاتحاد برس- جنيفر كافاريلا:

لم تنتهِ الحرب الأهلية في سورية بعد، ولم يقيّض النصر فيها للرئيس السوري بشار الأسد. فالحرب في سورية دخلت مرحلة جديدة بالغة الخطورة. وأحرزت القوى التي تقاتل إلى جانب الأسد مكاسب بارزة في السنوات الأخيرة، من السيطرة على ثاني أكبر مدينة سورية، حلب، في 2016، الى ضمان أمن العاصمة ومحيطها، في 2018. واليوم، تشنّ حملة على معاقل الثوار في القنيطرة ودرعا، مهد الثورة. وهذه الانتصارات غيّرت مسار الحرب، وأضعفت المعارضة المعتدلة، وأوحت بأن الحرب شارفت على الانتهاء. لكن، على رغم أن تقدّم النظام لا يستهان به على الخرائط، لم تطوَ الحرب بعد. فالرئيس السوري أضعف مما يبدو. وحكمه يعتمد على دعم رعاته الخارجيين، مثل إيران وروسيا، وإنهاك الدول التي كانت تعارضه. وأرسى قراره تدويل الحرب أسس حروب مقبلة، ويساهم توسّله بالمجازر الكبيرة في تأجيج تمرد جهادي دولي في سورية.
وحريّ بواشنطن أن تصدع بأن تجاهلها ما يجري في سورية لن يقود إلى فوز الأسد وإرسائه سلاماً مستقراً، بل إلى النفخ في الفوضى. وتفادي هذا المآل يقتضي ترسيخ أميركا دالتها من طريق تعزيز قوة الشركاء عسكرياً وقدراتهم على الإدارة والحكم، وبناء القوات المعارضة، واستمالة السوريين من طريق مساعدة اللاجئين والنازحين الى الاستقرار في مناطق سيطرة القوات الأميركية و»قسد»، والامتناع عن إسباغ مشروعية دولية على الأسد، وهو يتوق إلى مثل هذه المشروعية.

ومدت روسيا وإيران الأسد بعشرات آلاف المقاتلين، وبالقوات الجوية، والمساعدات المالية، والدعم الديبلوماسي الحيوي. وعلى رغم أن هذا الدعم أرسى استقرار نظام الأسد في الأمد القصير، تعيد التدخلات الإيرانية والروسية رسم خريطة الشرق الاوسط رسماً يفاقم الاضطرابات، وينفخ فيها. فاليوم في وسع موسكو وطهران استخدام سورية منصة للعدوان الدولي. وبدأت روسيا التوسل بقاعدتها الجوية في سورية لدعم عمليات مرتزقة يدعمهم الكرملين في جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان. وتشيد إيران قواعد وتدرب قوات سورية «وكيلة» تأتمر بأوامرها، وتعد لفتح جبهة ثانية (إلى الجبهة مع لبنان) ضد إسرائيل في حرب مقبلة.
وتهجير الأسد مجتمعات الثوار الى الدول المجاورة يزعزع استقرار الدول هذه. فالأردن على شفير الانهيار بعد أن امتصّ أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين. لذا، اليوم، أوصد حدوده أمام آلاف السوريين الهاربين من حملة الأسد العسكرية الأخيرة. وهؤلاء مضطرون الى العيش تحت لواء نظام الأسد. وقد يستغل الإرهابيون مثل هذه الظروف. وتدفّق اللاجئين كان وراء التصعيد التركي. فغزو أنقرة في 2016 شمال سورية رمى من جهة، الى تقييد الأكراد، ولكنه رمى كذلك، ومن جهة أخرى، الى تخفيف حمل اللاجئين على تركيا من طريق القوة. واليوم، تعيد تركيا توطين اللاجئين في شمال سورية، وتعد قوات ثوار موالية لها لتولّي إدارة شؤونهم وحكمهم. وإهمال سورية لن يؤدي الى فوز كاسح للأسد بل إلى تفاقم الفوضى. وقد تنزلق حرب تركيا مع «قوات سورية الديموقراطية» ورد هذه بعميات في الداخل التركي، الى حرب إقليمية. والرئيس التركي، إثر فوزه بالانتخابات الشهر الماضي، صار أكثر اعتماداً على القوميين الأتراك ودعمهم السياسي. وهذا التحالف قد ينتهي الى تصعيد ضد «قوات سورية الديموقراطية».

والحق يقال، انسحاب أميركا من شرق سورية، حيث ينتشر حوالى ألفي جندي، يؤدي الى فراغ تسعى قوات عدائية الى ملئه. فكثر يسعون الى التربع محل القوات الأميركية في المناطق التي انتزعتها أميركا و»قسد» من «داعش»، ومنهم قوات الأسد وداعموه، وتركيا، ومجموعات «جهادية» مثل «القاعدة» و»داعش».

وإلى التنافس الاستراتيجي في شرق سورية، قد ينبعث تنظيما «القاعدة» و»داعش» في المنطقة هذه إذا انسحبت القوات الأميركية. فـ»القاعدة» كانت تنتشر هناك قبل بروز «داعش» في 2014، ويرجح أن شبكاتها لا تزال ناشطة هناك. وعلى رغم ضعف «داعش»، لم يُهزم التنظيم هذا في سورية بعد. فخلاياه النائمة وقواته تنتشران في جيوب صغيرة في أصقاع سورية كلها. وفي 22 حزيران (يونيو) المنصرم، تبنى داعش هجوماً في عاصمته السابقة، الرقة الواقعة اليوم في أيدي «قسد». ولن تطوي مكاسب الأسد في ساحة المعارك التمرد «الجهادي»، وهذا شريان حياته هو عنف الأسد. فتكتيكات النظام السوري – الأسلحة الكيماوية، والإعدامات الجماعية، والتجويع، والتعذيب – قصمت ظهر مجتمعات الثوار، لكنها شدت عود وعزيمة عشرات آلاف «الجهاديين» الذين سيواصلون قتاله في العقود المقبلة. ويرجح أن يتولى «القاعدة» توجيه دفة القتال هذا. فالتنظيم هذا صاحب أقوى المجموعات في غرب سورية. ودور «انتحارييه» راجح في خرق دفاعات النظام السوري، التي كانت منيعة أمام الثوار. ويجند «القاعدة» مقاتلين أجانب، الى مقاتليه السوريين، للتوسل بسورية منصة لهجماته الدولية المقبلة. والى اليوم، تتركز قوات «القاعدة» في شمال غربي سورية وفي بقايا مناطق الثوار جنوب سورية، لكن التنظيم يملك شبكات فاعلة في مناطق النظام. فهو شن في 2017 ومطلع العام الحالي، هجمات دورية على قوات النظام في محافظات حلب وحماه وحمص واللاذقية. وتبنى «داعش» كذلك هجمات على مناطق سيطرة النظام. وتركيا تسمح لمقاتلين مرتبطين بالـ»جهاديين» بدخول مناطق سيطرتها، وتغض النظر عن إنشاء مشروع حكم «قاعدي» في إدلب، على حدودها في شمال غربي سورية. وتوقُّع إمساك الأسد بأراضي بلاده وحؤوله دون تهديد «الجهاديين» الغرب، هو من بنات الخيال. فهو ساهم في بروز داعش و»القاعدة» لابتزاز الغرب في وقت كان يطيح أكبر خطر عليه: الثوار المعتدلون الذين أرادوا المفاوضة على السلام. وخسارة معقل الثوار المعتدلين في جنوب سورية تُسقط خيارات الغرب، وتجهض العملية الديبلوماسية الدولية من طريق إطاحة الثوار الراغبين في التفاوض. ويعبّد سقوط هذه المناطق وهزيمة القوات المعتدلة الطريق أمام إخراج تنظيمات مثل «القاعدة» صورة النزاع السوري على أنه معركة جهاد دولي.

لكن ما العمل وأي مقاربة على الولايات المتحدة أن تلتزمها؟ الحق يقال، أبرز ما يحول دون شراكة مع ما تبقى من الثوار هو الافتقار الى إرادة أميركية فعلية. وكان الفشل مصير المساعي السابقة الى بناء قدرات شركاء من الثوار، في وقت كانت واشنطن تحظر عليهم قتال الأسد. وإذا أعتقت أميركا القوات المعتدلة من القيد أو الحظر هذا، وسعت الى بناء قدراتهم القتالية، تغيّر مسار الحرب.

وحرّي بواشنطن الإقرار بفشل الديبلوماسية الدولية في سورية، والابتعاد عنها. وهذا النأي يشل مساعي روسيا الى السيطرة على هذه العملية وتخريبها من طريق ازدراء المفاوضات التي تدعمها الأمم المتحدة وتنظيم مفاوضات مستقلة في سوتشي. وحري بها كذلك، إبرام اتفاق مع تركيا ينهي حربها مع «قسد»، ويعيد أنقرة الى صفوف المواجهة مع نظام الأسد وداعميه. ومثل هذا الاتفاق يقتضي تنازلات أو مساومات تشرع الطريق أمام قوات تدعمها تركيا الى إرساء الأمن في مناطق الغالبية العربية في شرق سورية، وهي اليوم في يد «قسد». ومثل هذه الخطوات لن يطوي الحرب السورية ولن يحمل الأسد على التفاوض. لكنه يمنح الولايات المتحدة دالة، وهو جسرها الى الاستدارة نحو الالتزام في سورية، إثر هزيمة داعش الاسمية أو الشكلية. وهذه الخطوات باهظة الثمن وعسيرة، لكنها السبيل الأمثل في حرب وحشية وخبيثة لا تقترب من الختام، بل تتحول الى نزاعات أكثر دموية.

* مديرة التخطيط الاستخباراتي في معهد «ستادي أوف وور»، عن «فورين أفيرز» الاميركية، 11/7/2018، إعداد منال نحاس

المصدر: صحيفة الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *