الرئيسية / مقالات / الريفي والمديني في تجربة الثورة

الريفي والمديني في تجربة الثورة

الريفي والمديني في تجربة الثورة

علي العبد الله

انطوى العرض الذي قدمه الصديق الأستاذ سمير نشار لخلافه مع شخصيات في المعارضة السورية (دفاعاً عن المدينيّة والمدن، «الحياة»: 24/7/2018) حول تغريدة له على «تويتر» تناول فيها قادة فصائل المعارضة السورية، على خلل منهجي وسياسي في آن. من حيث المنهج لا يمكن إطلاق توصيف واحد على قادة متعددين ومتنوعين عقائدياً وسياسياً وعسكرياً ووضعهم في سلة واحدة، ولا إسقاط فهمنا أو تأويلنا لمسيرة هذه الفصائل خلال مراحل الصراع لينسجم مع تقويمنا لهم وموقفنا منهم. نحن هنا أمام فصائل كثيرة متنوعة ومتمايزة وما ينطبق على بعض قادتها لا ينطبق على الكل؛ فما ينطبق على القادة الذين ينتمون إلى السلفية، بتفرعاتها الكثيرة، لا ينطبق على قادة فصائل من الجيش السوري الحر لا ينتمون إلى السلفية، ولا ينطبق بالتأكيد على قادة التحقوا بالثورة بعد انشقاقهم عن جيش النظام. فتربيتهم وثقافتهم تختلف كثيراً عن مواطنين التحقوا بالثورة وانحازوا إلى العسكرة وشكلوا فصائل محلية، ليسوا جميعاً «قادة ريفيين بعقول عشائرية وطائفية ومذهبية ومناطقية وجهوية».

هنا يمكن التساؤل عن المعيار الذي يحدد الريفي والمديني، هل الريفي هو من له امتداد في الريف حتى لو كان يعيش في مدينة سنينا طويلة، حال عبدالناصر وحافظ الأسد وصدام حسين الذين اعتبرهم النشار ريفيين، أم الذي ما زال يعيش في الريف؟. وهل المديني هو فقط من ولد في مراكز المحافظات: دمشق، حلب، حمص، حماة… الخ أم هناك حواضر، بلدات، ينطبق عليها وصف مدن ويعتبر ساكنوها مدينيين في ضوء طبيعة العلاقات اليومية الاجتماعية والمالية والتجارية في حواضرهم؟ وهل كل ريفي عشائري طائفي مذهبي مناطقي جهوي؟ كون المرء ريفياً لا يعني بالضرورة انه عشائري وطائفي، فالعشائرية سلوك غالب على أهل الريف لكن الطائفية ليست كذلك؛ هي منتشرة في الأوساط التي تأثرت برؤى حركات الإسلام السياسي عامة والسلفية بخاصة.

أما من حيث السياسة، ومع الاعتراف بالأخطاء الخطيرة والممارسات الشاذة التي مارسها كثير من قادة الفصائل، والتي لا تتسق مع القضية النبيلة التي خرجت الثورة من اجلها، فمن غير المنطقي الذهاب إلى القول: «والفصائل العسكرية غالبيتها من بيئة ريفية، وهذا ساهم في تعقيد نمو الثورة وامتدادها، وإعاقة تقدمّها، وربما ساهم في انحدارها»، فالخلفية الريفية لا تفسر وحدها كل ما حصل مثل «الفشل في تشكيل جسم عسكري موحد» و «الفشل في إدارة المناطق المحررة» و «الفشل في تطبيق مفردات الخطاب الوطني السوري، المتمثل بأهداف الثورة في الحرية والكرامة، والتخلي عنه لمصلحة تبنّي خطاب إسلامي، وتشكيل المحاكم الشرعية والهيئات، وتبني أسماء الغزوات في المعارك»، التي ذكرها النشار، حيث ثمة عوامل قادت إلى هذه النتائج يجب تحديدها وتفنيدها، عوامل تبدأ من الفشل في إدارة الصراع على المستويين السياسي والميداني لتنتهي عند الصراعات البينية بين الفصائل مرورا بدور الدول والجماعات السياسية التي انخرطت في الصراع في سورية وعليها. مع ملاحظة عدم منطقية قوله «الفشل في تطبيق مفردات الخطاب الوطني السوري» لأن لذلك علاقة بالعقيدة والمشاريع السياسية التي تترتب عليها إذ ليس من المنطق في شي مطالبة سلفي بتطبيق برنامج تيار ديموقراطي؟! وان الاقتتال الذي وقع بين الفصائل الإسلامية لم يكن في معظمه من اجل المال والسيطرة بل معظمه وقع على خلفية الصراع على تمثيل التيار العقائدي حيث كل فصيل إسلامي يرى نفسه الإسلامي الحقيقي الوحيد.

في فقرة تالية يقحم النشار ما أسماه «إقصاء النخب المدينية السورية عن الحياة العامة وعن الاهتمام بالشأن العام» في سجال لا يتعلق بها، من جهة، وقد انزلق، من جهة ثانية، في محاجة إشكالية حول القرارات الاشتراكية التي أصدرها عبدالناصر أيام الوحدة السورية المصرية (1958- 1961) وتبنيه للايدولوجيا الاشتراكية واعتماده على «تأييد فئات العمال والفلاحين، وفئات عدة من الطبقة الوسطى»، وما سماه «رحيل» غالبية النخب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى بلاد المهجر(واقع الحال أن من رحلوا هم الرأسماليون وليس النخب السياسية والاجتماعية)، واعتماد نظام انقلاب آذار (مارس) 1963 الذي قامت به نخبة عسكرية ريفية تنتمي إلى الأقليات (معظم الضباط الذين قاموا بالانقلاب مدينيون لكن بينهم ريفيين من اللجنة العسكرية التي شكلها ضباط بعثيون بعد قرار عبد الناصر حل الأحزاب، بما في ذلك حزب البعث، انقلبوا على حلفائهم من التيارات الأخرى وانفردوا بالحكم)، فأقصت النخب كافة المدينية السياسية والاقتصادية في غالبية المدن السورية»، واقتصر الأمر على العمال والفلاحين، واعتماد سياسة إعطاء الأولوية لأبناء الريف في الوظائف العامة أيام حافظ الأسد، ليصل إلى حكم حاد ومبالغ فيه بقوله: «لم تعد تجد أو تسمع باسم أحد من أبناء المدن، بخاصة في المؤسسة العسكرية، ولاحقاً حتى في المؤسسات الحرفية داخل المدينة ذاتها، لأن أبناء الريف حلّوا في جميع الأمكنة».

الحديث هنا يتعلق بمرحلة خمسينات وستينات القرن الماضي حيث كانت غالبية الشعب السوري ريفيين والعلاقة بين سكان الريف والنخب المدينية، التي يدافع عنها النشار، قائمة على استغلال الريف ونهب ثمار عمل سكانه فكانت القرارات الاشتراكية، بغض النظر عن نجاحها أو عدمه، محاولة لتصحيح العلاقة لكنها أضرت بمصالح أصحاب رؤوس الأموال ودفعتهم إلى الرحيل إلى دول تسمح باستثمارات مربحة لأموالهم، الذي «رحل» لأنه تضرر مادياً، ولم يرحل لأنه من نخبة مدينية تعرضت للإقصاء.

لم تكن فرضية النشار: الذهنية الريفية، كافية لتفسير الفشل والهزيمة التي لحقت بالفصائل المسلحة، كما لم تكن الهزيمة العسكرية السبب الوحيد لإجهاض ثورة الحرية والكرامة.

المصدر: الحياة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *