الرئيسية / لقاءات وحوارات / خبير اقتصادي للاتحاد برس: الحد من استقلالية البنك المركزي وعقوبات ترمب من أهم عوامل تراجع الاقتصاد التركي

خبير اقتصادي للاتحاد برس: الحد من استقلالية البنك المركزي وعقوبات ترمب من أهم عوامل تراجع الاقتصاد التركي

خبير اقتصادي للاتحاد برس: الحد من استقلالية البنك المركزي وعقوبات ترمب من أهم عوامل تراجع الاقتصاد التركي

مسلم طالاس دكتوراه في الاقتصاد المالي والنقدي، استاذ سابق في جامعة حلب، ويعمل حاليا أستاذ محاضر في جامعة” ماردين ارتوقلو” في تركيا.

شهدت العملة التركية هبوطا في قيمتها أمام الدولار قبل توتر العلاقة بين واشنطن وأنقرة، ولكنها هبطت مستويات قياسية بعد الازمة السياسية بين البلدين هل كان للازمة تأثير في ذلك؟

بالتأكيد الازمة السياسية أثرت، لكن يمكن أن نقول بأن للأزمة مصدر اقتصادي استثمر سياسيا في الصراع بين الحكومتين، على كل حال اقتصاديا يعود المصدر الاساسي للأزمة إلى ضعف الادخار المحلي وعجز الحساب الجاري، بسبب تفوق المستوردات على الصادرات، ومن ثم الاعتماد على رؤوس الاموال الاجنبية، وخصوصا القصيرة الاجل منها أي الساخنة، في تمويل الاستثمار المحلي وسد العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، ينتج عن هذا تراكم الديون الأجنبية.

وهنا يفترض أن يتم فرض بعض القيود الاحترازية على النظام المالي من حيث التوفيق بين اجال الاقتراض والاقراض وبين العملات التي يتم الاقتراض والاقراض بها، أعنى هنا مثلا أن يتم التوفيق بين آجال مصادر الأموال من حيث كونها قصيرة أو طويلة الاجل واقراض تلك الأموال لفترات قصيرة أو طويلة، وكذلك بين مصادر الأموال واقراضها بمختلف العملات، تحوطا من هروب الأموال القصيرة الاجل أو هبوط العملة المحلية، لكن ما حدث هو أن الازمة الاقتصادية التي حدثت بدءاً من عام 2008 في الدول المتقدمة فرضت عليها اتباع سياسات تسهيل كمي نقدية تنطوي على ضخ السيولة في السوق وخفض الفائدة حتى مستويات سلبية في بعض الدول، نتج عن ذلك فائض في السيولة الساخنة التي تبحث عن فرص استثمار بمعدلات مرتفعة لا تجدها في الدول المتقدمة.

واتجهت تلك الاموال إلى الدول المسماة أسواق ناشئة مثل تركيا والبرازيل والهند وجنوب افريقيا، لكن بعد انتهاء الازمة بدأت الدول المتقدمة باتباع سياسات التشديد الكمي ورفع الفائدة وهذا يعني أن نسبة كبيرة من الاموال الساخنة ستخرج من الاسواق الناشئة ومن بينها تركيا، ويسبب لها ضغوط على العملة ومشكلات في النظام المالي والمديونية.

وهذا ما دفع بالليرة التركية للهبوط بأكثر من موجة قبل الازمة الحالية، وهنا يجب أن اشير بأن اقتصادي البنك المركزي التركي والمسؤولين الاقتصاديين في الحكومة التركية كانوا على علم بهذه المخاطر.

وقد انعكس ذلك من خلال الدراسات العلمية التي قاموا بها منذ عام 2010 تقريبا، وكذلك في نهاية نفس العام تقريبا تم تعديل استراتيجية السياسة النقدية من استهداف التضخم إلى استهداف التضخم والاستقرار المالي، لكن على الارض تم التغاضي عن/ وحتى تشجيع القطاع الخاص على الاقتراض بشكل مفرط من المصادر الخارجية وبعملات أجنبية, وهذا ما جعل النظام المالي مكشوفا لأي تقلب في سعر العملة.

كان يمكن لمصداقية الاجهزة الحكومية المعنية بإدارة السياسات الاقتصادية ومهنتيها في التعامل مع التقلبات الاقتصادية, وتلك الثقة عنصر مهم في استقرار النظام المالي والمصرفي والاقتصاد بشكل عام، أن تخفف من آثار هذا الانكشاف. لكن المسؤولين السياسيين الاتراك أصروا في تصريحاتهم على معاكسة المنطق الاقتصادي والتقليل من شأن أداة البنك المركزي في ادارة السياسة النقدية, أي معدل الفائدة، وهذا ما قلص من مصداقية واستقلالية تلك المؤسسة الحساسة والتي يبنى دورها على المصداقية والمهنية بشكل أساسي.

بنيت على ذلك حالة من الغموض الاقتصادي عادة ما تدفع رؤوس الاموال الاجنبية للهرب أو تجنب الدخول للبلد، الخلاصة أن هناك ضعف ادخار ناتج عن ضعف مستوى انتاجية العمل وارتفاع مستوى الاستهلاك، وهذه من خواص غالبية الاسواق الناشئة، يناظرها عجز في الحساب الجاري يمول بأموال خارجية تجعل الاقتصاد مكشوفا للصدمات الخارجية.

وجاءت الصدمة اقتصادية، أي رفع الفائدة في الدول المتقدمة, وسياسية بشقين: في الشق الداخلي اساءت تصريحات بعض المسؤولين السياسيين لمصداقية واستقلالية البنك المركزي، في الشق الخارجي يمكن أن نشير لنقطتين: الأولى سلوكيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الاقتصاد العالمي ومبادرته لحرب تجاربه فرضت حالة من الغموض على مستقبل الاقتصادي العالمي، هذا الغموض عادة ما يكون أول ضحاياه هي الاسواق الناشئة (بينها تركيا) حيث تهرب منها رؤوس الأموال الساخنة عند أول بوادر للغموض والقلق في الاقتصاد العالمي، النقطة الثانية هي فرض العقوبات الامريكية على تركيا والتي استثمرت في آثار الصدمة الاقتصادية من أجل دفعها للتفاقم وفرض شروط ما على تركيا.

بشكل عام ماهي العوامل التي تؤثر على العملة الوطنية في أية دولة من حيث ارتفاع أو هبوط قيمتها أمام العملات الصعبة؟

هناك عوامل عديدة اقتصادية وسياسية وتقنية وثقافية تؤثر على قيمة العملة (أو سعرها)، وهي هنا مثلها مثل أي سلعة أخرى، أعنى أن العامل الاقتصادي المتمثل في العرض والطلب هو المحدد الاساسي لسعر أي عملة وتأتي بقية العوامل لكي تعرقل أو تعزز من أثر تفاعل العرض والطلب، مع الاشارة إلى أن حجم العرض تحدده السلطة النقدية أساسا مع وجود دور معين للنظام المصرفي وحالة الاقتصاد.

أما الطلب فيتحدد أساسا من خلال حجم الاقتصاد وحالته من حيث الركود (تراجع الطلب) أو الازهار (زيادة الطلب)، دعني ابين ذلك بمثال رقمي شديد التبسيط، قد لا يشمل كل المتغيرات لكن يفيد في فهم اساس العملية.

لنفرض أن هناك دولة اسمها المريخ ارادت أن تبدأ بإصدار عملتها الخاصة بعد الاستقلال وسمتها (دراف)، وكان لدى بنكها المركزي ما يعادل 100 مليار دولار من الاحتياطيات من العملات الاجنبية والذهب…الخ، بفرض أن البنك المركزي قدر أنه يكفي أن يطبع ما يعادل 100 مليار دراف لتلبية حاجة الاقتصاد من العملة، وهنا سعر 1 دراف = 1 دولار. وهنا تحدد العرض بـ100 مليار والسعر الاولي 1 دراف = 1 دولار.

لنفرض الان أن اقتصاد دولة المريخ نشط في الانتاج والتصدير هذا يعني أن سيكون هنا مصدرين لزيادة الطلب على الدراف: الاول، هو حاجة الاجانب لشراء المنتجات المريخية المتزايدة (بالمقارنة مع المستوردات، وظهور فوائض الميزان التجاري أو الحساب الجاري) وربما رغبتهم في ادخار اموالهم بالدراف، والثاني هو حاجة الفعاليات الاقتصادية المحلية المتزايدة للتعاملات بسبب ازدهار النشاط الاقتصادي وقيام الناس بعمليات شراء وبيع واستهلاك واستثمار اكثر، زيادة الطلب هذه ستعني ارتفاع سعر (صرف) الدراف مقابل الدولار من السعر الاولى 1 دراف = 1 دولار إلى سعر جديد ربما يكون 0.90 دراف = 1 دولار.

ويحدث العكس في حالة زيادة المستوردات نسبة للصادرات وضعف النشاط الاقتصادي أو ركوده بما يؤدي إلى انخفاض الطلب على الدراف وزيادة العرض منه ومن ثم انخفاض سعره وقد يصبح 1.2 دراف = 1 دولار.

هذا هو الاساس الاقتصادي الطويل الاجل والمتوسط وهو يعتمد على حالة الاقتصاد بشكل عام، في المدى القصير يتأثر سعر الدراف بالغموض الذي يحيط باقتصاد البلد، والغموض يعني ضعف الثقة بإمكانية معرفة مستقبل الاقتصاد والعوامل التي يمكن أن تؤثر فيه, وعادة ما يكون هذا الغموض ناتجا عن مصدر سياسي داخلي متعلق بالحكومة أو خارجي يتعلق بسياسات الدول الاجنبية.

وكلما زاد الغموض ينخفض الطلب على العملة ويزداد عرضها ومن ثم تنخفض قيمة الدراف، والعكس صحيح كلما ازدادت درجة الشفافية واليقين والثقة يزداد الطلب على العملة وينخفض العرض منها وهذا يرفع سعرها أو على الاقل يحافظ على السعر الحالي.

وفي الفترة القصيرة جدا هناك عامل نفسية القطيع وهو عامل يتغذى من الغموض حيث ان انتشار شائعة ما أو حدث مالي صغير يدفع المتعاملين بشكل جماعي لبيع عملة ما ومن ثم زيادة العرض منها وخفض الطلب ويليه تدهور السعر.

عرف الاقتصاد التركي ازدهار بقيادة حكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات السابقة ما أدى إلى استقرار الليرة التركية، وعاد هذا الاقتصاد يواجه مصاعب مع أن نفس الحزب يحكم الدولة واقتصادها ما الذي تغير حتى يتعثر الاقتصاد التركي؟

ربما أشرت لبعض الجوانب في الاجابة على السؤال الأول، لكن أعتقد أن هناك متغيرات داخلية وخارجية، داخليا لم يجاري الادخار الاستثمار والاستهلاك بسبب ضعف انتاجية العمل.

واستمر العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وهو ما استدعى الافراط في المديونية الخارجية من اجل تمويل النمو الاقتصادي، والدين لا بد أن تأتي ساعة سداده، كذلك كان هناك نوع من المؤسسية والاستقلالية للسلطة النقدية اي البنك المركزي مما منح درجة جيدة من الثقة بالبنك المركزي واستقلاليته وحفز الاستثمار الاجنبي، لكن تلك الاستقلالية تراجعت خلال السنوات الاخيرة وضعف الفريق الاقتصادي في الحكومة، وخارجيا كان هناك فائض ضخم من رؤوس الاموال الساخنة يبحث عن فرص استثمارية في الاسواق الناشئة، وكانت حالة التعاون والتنسيق الاقتصادي العالمي تدفع بذلك الاتجاه.

الآن مع رفع الفائدة في الدول المتقدمة والقلق الذي احدثه ترامب في الاقتصادي العالمي، بدأت رؤوس الاموال تغير اتجاهها خارجة من الاسواق الناشئة( تركيا من بينها) متجه للدول المتقدمة.

وكانت تركيا حليفا موثوقا للولايات المتحدة الان هناك عقوبات ترامب، وأخيرا لم يكن الظرف الاقليمي بمقدار السوء الذي نعيشه الآن.

خروج أحمد داوود أوغلو من حكومة حزب العدالة والتنمية تسبب في تراجع الاقتصاد والعملة التركية، باعتبار أوغلو كان المهندس الذي وضع عجلة الاقتصاد التركي على السكة الصحيحة، هل هذا صحيح أم تبدلت السياسة الاقتصادية للحكومة بعد ذلك؟

لا أعتقد أن داوود أوغلو هو من هندس السياسة الاقتصادية، بل هناك محمد شيمشك وزير المالية ونائب رئيس الحكومة السابق وشخص أخر اعتقد أن كنيته بابا جان.

والطريف في الأمر أن هناك باحثين معادين لحكم حزب العدالة يشتكون من ركوب حزب العدالة لموجة الليبرالية الاقتصادية منذ توليه الحكم في بداية الالفية وتخليه عن مبادئه السابقة.

الحقيقة هي أن الأمر كان سياسة اقتصادية صحيحة بنت على ريح عالمية مؤاتيه (اقصد ازمة 2008 واجتذاب رؤوس الاموال الاجنبية). سياسة الحكومة جوهريا لم تتغير رغم أن بعض التفاصيل تغيرت، فهي قائمة على تشجيع الاستثمار الخاص والتصدير واعتماد آلية السوق، لكن ربما كانت النقطة القاتلة هي القلق على الحضور المؤسسي لمؤسسات السياسة الاقتصادية، وخصوصا البنك المركزي، حيث تم ادخال بعض التعديلات على آلية تعيين المحافظ.

كذلك الامر يتعلق بتغير النظام السياسي إلى رئاسي والخشية من زيادة تمركز السلطة وشخصنتها أكثر، طبعا لا ننسى الشرط الاقليمي القاسي.

ماهي الاجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية للحد من هبوط قيمة الليرة، وهل هي اجراءات إسعافيه ام سيكون لها تأثير على المدى البعيد؟

الاجراءات حتى الان انتقائية وذات طابع سياسي اداري اكثر منها اقتصادي، مثلا تغيير المعاملة الضريبية للودائع لمصلحة ودائع العملة المحلية ورفع البنك المركزي لسقف السيولة المقدمة للبنوك وخفض بعض أنواع الاحتياطي القانوني للبنوك ورفع معدل الفائدة على مصادر السيولة القصيرة الاجل(ليلة واحدة للبنوك) والتضييق على التعامل المحلي بالدولار…الخ، مع الاصرار على عدم رفع معدل فائدة السياسة المرجعي (ريبو الاسبوع الواحد) الذي يقود معدلات الفائدة.

وهذا ما اضر بهيبة ومصداقية واستقلالية البنك المركزي كجهة مؤتمنة على السياسة النقدية واضعف من تأثير تلك الاجراءات، وربما ادركت الحكومة التركية ضرر الحد من دور البنك المركزي، ليعود احد مسؤولي البنك معلنا عودته للساحة منذ بضعة أيام بشكل مباشر ورغبته في تشديد السياسة النقدية خلال جلسة مجلس السياسة النقدي في 13 أيلول/ سبتمبرالحالي، وهو اشارة شبه مؤكد على عزمه رفع معدل الفائدة المرجعي.

وقد كان لذلك أثر ايجابي واضح على سعر الليرة، هذه الاجراءات ذات طابع اسعافي تحتاج لإجراءات قصيرة وطويلة ومتوسطة. القصيرة والمتوسطة أيضا ربما بدأت مع تحرك البنك المركزي، والاجراءات الطويلة والمتوسطة تتضمن العمل على تغيير بنية الائتمان في تركيا من حيث التوفيق بين الآجال والعملات.

والنقطة الاكثر أهمية هي رفع الادخار بالاعتماد على رفع الانتاجية التي تستمد من الاستثمار في التطوير التكنولوجي والتعليم.

بحكم اعتماد الاسواق المحلية بشمال سوريا على الاسواق التركية في توفير السلع، وكذلك بحكم وجود اللاجئين السوريين في تركيا، أصبحت العملة التركية متداولة بين ملايين السوريين، هل تؤثر قيمتها على السوريين؟

السوريين سيتأثرون بالتضخم الذي نتج عن هبوط الليرة من حيث تراجع مداخيل من يكسبون دخلهم بالليرة التركية، والنقطة الأخطر هي أن تتحول الأزمة إلى ركود اقتصادي ومن ثم تفاقم البطالة التي ستؤثر على السوريين من حيث فقدان فرص العمل.

هل توجد علاقة بين مستجدات الأزمة السورية في الآونة الاخيرة سياسيا وعسكريا وبين المشاكل المالية والاقتصادية التي بدأت تواجه انقرة؟

أعتقد أن الأزمة السورية بشكل عام اضرت سلبا بالاقتصاد التركي وليس فقط المستجدات الأخيرة.

اتخذ البنك المركزي التركي موقف الدفاع وتمكن الى حد ما من ايقاف تدهور الليرة، هل هذا مؤشر على ان البنك عرف العلاج، وان الليرة بدأت تتعافى، وهل يمكن أن تنتكس لأسباب اقتصادية أو سياسية؟

كما اشرت البنك المركزي بتصريحه عن تشديد السياسة النقدية أوقف التدهور, والعلاج بالنسبة للبنك المركزي معروف، وهو أن يكون مؤسسة مؤسسية مستقلة تستخدم تغيرات معدل الفائدة المرجعي.

لكن الضغط من طرف الساسة منعه من الحركة في هذا الاتجاه فتحول لمعالجات هامشية، بانتظار مقدار الارتفاع في معدل الفائدة في الاجتماع القادم, إن لبى تطلعات الاسواق وهو حوالي 5% أو أكثر (وهناك استقصاءات تحدده ما بين 2,5-7% تقريبا) ستستقر الليرة لفترة تكفي لالتقاط الانفاس وترتيب الحلول المتوسطة والطويلة الاجل، وإن لم يلبي مقدار الارتفاع تطلعات الاسواق سيعود الضغط على الليرة من مصادر سياسية واقتصادية، وقد تتسبب بانتكاسها.

حاوره: زاكروس عثمان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *