الرئيسية / مقالات / سوريا بين هيجل وجورج صبرا

سوريا بين هيجل وجورج صبرا

سوريا بين هيجل وجورج صبرا

الاتحاد برس- حسام ميرو:

مثّل جورج صبرا، الماركسي القديم، والمعتقل السابق (1987-1995)، والمناضل والقيادي في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي ، صوتاً بارزاً في المطالبة بالتدخل الخارجي، بعد خروجه من سوريا، وانضمامه إلى المجلس الوطني، ممثلاً عن حزبه الذي اتخذ اسماً جديداً منذ عام 2005، وهو حزب الشعب الديمقراطي، وطوال السنوات السابقة، بقي جورج صبرا، عبر تصريحاته الإعلامية عند موقفه بضرورة وجود تدخل خارجي، من أجل إنهاء نظام الأسد، وبغض النظر عن عدم رؤية جورج صبرا لكل التدخلات الخارجية التي حدثت في سوريا، ومنها بالطبع التدخل لحماية النظام، والتدخل تحت اسم دعم المعارضة، أو مكافحة الإرهاب، فما يهمنا هنا هو الموقف الفكري-السياسي ليس لشخص جورج صبرا، بل لتيار يساري-ماركسي، رأى في التدخل الخارجي الحلّ الوحيد لسقوط النظام.

التيار الماركسي السوري متنوع، وفيه رؤى متباينة من العلاقة مع الخارج، لكن تياراً رئيساً فيه، يمثله حزب الشعب الديمقراطي، أجرى تحولات عديدة، في مواقفه، ويمكن القول إنه مع موت حافظ الأسد، وانطلاقة ربيع دمشق، وما شهده من آمال وخيبات، حدث تحوّل في النظر إلى علاقة الداخل بالخارج، وإعادة ترتيب الأولويات، وقد أطلق رياض الترك، في مقابلته مع صحيفة النهار اللبنانية، في 28 سبتمبر/ أيلول 2003 نظريته الشهيرة “الصفر الاستعماري”، فقال إن “الأمريكان نقلوا العراق من تحت الصفر إلى الصفر”، معتبراً أن “الاستبداد أسوأ من الاحتلال”.

ذاً، كان بعض الماركسيين السوريين قد تحوّلوا نحو موقف ليبرالي، أكثر تصالحاً مع الغرب، ومع الماضي الاستعماري للقوى الأجنبية، وقد رأوا أنه لا مفر من الاستعانة بالخارج للإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية والفاسدة، وبالتالي فقد استقبلوا الاحتلال الأمريكي للعراق بوصفه خطوة نحو الديمقراطية، وأن الأمريكان في نهاية المطاف سيخرجون من العراق، لكن الديكتاتورية ستكون قد انتهت إلى الأبد، وسيحلّ مكانها نظام ديمقراطي، يسمح بتداول السلطة.

لا مجال هنا لضرورة مناقشة ما وصل إليه العراق، بعد الاحتلال الأمريكي، فالعراق اليوم دولة فاشلة بكل المعايير الدولية، والمحددة وفقاً لصندوق السلام الدولي، ولا مجال للحديث عن ديمقراطية سوى ديمقراطية المحاصصة الطائفية، ولا مجال للحديث عن استقلالية القرار السياسي في ظل النفوذ الإيراني الواسع، لكن ما يهمنا هو القول إن نظرية الصفر الاستعماري نفسها كانت نظرية بلا مقدمات فكرية جدية، ومن دون قراءة لواقع موازين القوى، أو لمستوى الفوات التاريخي للبنى العراقية، والتي كان نظام صدام حسين قد قضى على حيويتها ورموزها.

إن الحديث عن نظرية الصفر الاستعماري يقودنا، بشكل أو بآخر، إلى مسألة ومفهوم الدولة، والموقف الفكري للقوى السياسية من هذه المسألة، واختزال الصراع من أجل الديمقراطية بثنائية الاستبداد/الخارج، بحيث يصبح كل رفض للاستبداد هو قبول بالخارج، وحين يكون ذلك الاختزال من قوى ماركسية، أو محسوبة تاريخياً على القراءة الماركسية للصراع، فإن ذلك يستدعي، بطبيعة الحال، موقف هيجل من الدولة، وهو الموقف الذي هرب منه ماركس، وقفز عنه نحو “الثورة الاشتراكية”.

اعتبر الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831) أن الدولة هي “غاية وليست وسيلة”، رافضاً بذلك المقولات الليبرالية حول الدولة، والتي تحيلها إلى علاقات تعاقدية، مؤسسة على الملكية، بشكل رئيس، ورأى أنه من الصعوبة بمكان تقديم نظرية عن الدولة لو افترضنا أنها تمثل فقط الإطار التعاقدي لمواطنيها، وبالتالي فإن هيجل قد وضع الدولة قبل النظام السياسي، وفي نقده للثورة الفرنسية، وعلى الرغم من حماسته لها، ولضرورتها، اعتبر أن الهدم، أي هدم النظام السياسي القديم، ليس غاية بحد ذاته، ما لم يتم الوعي بضرورة الدولة.

في فلسفة هيجل، تمثل الدولة “الغاية المطلقة للوعي الذاتي الفردي”، والتي من دونها لا يمكن الحديث عن أي شكل من أشكال التعاقدية، أو الديمقراطية، وهو ما يطرح مهمّات معقدة على السياسيين في البلدان التي لم تنخرط في المسار الليبرالي، وما تزال خاضعة لأنظمة ديكتاتورية، حيث تختزل تلك الأنظمة الدولة في حضور سلطتها، بل واستمرارها، ما يجعل من النضال ضد السلطة السياسية، في بنيتها الصلبة، مغامرة كبرى، قد تؤدي، كما الحال في سوريا، إلى تكسير الدولة، وتحويلها إلى دولة فاشلة.

إن إحراز انتصار نهائي وحاسم ضد الديكتاتوريات مسألة معقدة، وهو ما يجعل من خيارات القوى السياسية المناهضة لها أساسية في تحديد مآلات الصراع، ووضع خيارات من شأنها رسم العلاقة بين الأهداف والتكتيك المتبع، تمنع حلول التكتيك محل الأهداف، وفي المثال السوري، ونتيجة للفشل المتكرر لليسار في معركته مع الاستبداد، فقد ذهب نحو مقولات سطحية وساذجة لموازين القوى، ولم يقم برسم ملامح محددة بين الأهداف الرئيسة للثورة وبين التكتيك، وقد غابت أولوية إبقاء الصراع تحت مستوى خطر الانتقال إلى مستوى آخر، هو الذي نحصد نتائجه اليوم، بوجود عدد من الاحتلالات الخارجية، من دون أي أفق واضح لإحداث تحوّل نحو الديمقراطية.

القراءة الخاطئة لمسألة الدولة ليست سمة قسم من اليسار الماركسي، بل سمة كل التيارات التي انخرطت في الدعوة للتدخل الخارجي، أو الصمت عن التحولات في طرق مواجهة القمع، والقبول بالذهاب نحو خيار العسكرة، وفي مقدمتها الإخوان المسلمين، لكن تناولنا لنموذج من نماذج اليسار الماركسي هو لقناعتنا بأن هذا اليسار، بخلفيته الفكرية، كان مطالباً بقراءة دقيقة للصراع الوطني، وعدم الانجرار وراء أي خيار من شأنه أن يعيد الدولة إلى زمن الاحتلالات، ولقناعتنا بأن السلطة السياسية، كسلطة لا تتمتع بحس وطني أخلاقي، لا يعّول عليها، في تبني قراءة تمنع انزلاق الدولة إلى ما قبل الدولة، أو تضع الدولة تحت تصرّف القوى الخارجية.

المصدر: قناة سوريا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *