الرئيسية / مقالات / بعد خراب البصرة في العراق وسوريا

بعد خراب البصرة في العراق وسوريا

حسام ميروبعد خراب البصرة في العراق وسوريا

الاتحاد برس – حسام ميرو

المشهدان العراقي والسوري، وعلى الرغم من اختلاف الكثير من التفاصيل، إلا أنهما بالعموم أبلغ تعبير عن انهيار المشرق العربي، وانهيار الدولة الوطنية، التي بدأت مسيرتها بعد الاستقلال عن الانتدابين الفرنسي والبريطاني، وتحول هذه الدولة إلى دولة فاشلة، بالمعايير الدولية التي وضعت جملة من المعايير لانهيار الدول الوطنية، ودخولها في حالة من الفشل، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

منذ أسابيع، خرج أهالي البصرة في تظاهرات منددة بالأحزاب الدينية والتواجد الإيراني، وأحرقوا مقرات لأحزاب دينية مهيمنة على المدينة واقتصادها، وتلك الأحزاب هي جزء من البرلمان العراقي، بعد أن تكرس نظام “ديمقراطية المحاصصة الطائفية والعرقية”، ويعاني اهل البصرة من الجوع والعطش، وهي مفارقة كارثية، نظراً لموقع البصرة الجغرافي، فهي المعبر المائي الأول للعراق، ومن غير المنطقي أن تشهد هذه المحافظة نقصاً في مياه الشرب.

محافظة البصرة منذ سنوات معرضة لحالة جفاف خطيرة، وقد تراجع فيها الإنتاج الزراعي بشكل كبير، خصوصاً بعد ازدياد التعدي على نهر الفرات من قبل إيران وتركيا، وقد طالب السكان المحليون مرات عديدة بالحصول على حصصهم المائية، وقادت عشائر بني حجيم والظوالم تلك الاحتجاجات، وقد نفذوا منذ نهاية العام الماضي وقفات احتجاجية عدة، من أجل المطالبة بتوزيع عادل للحصص المائية، وهذا الوضع المائي الكارثي أدى إلى تغيير في طبيعة اقتصاد المدينة، حيث بات اعتماد العشائر على عمليات التهريب عبر الحدود، وقد انطوى هذا الأمر على تغييرات كبيرة في الحياة الاجتماعية نفسها.

تشكل البصرة مكانة مركزية في احتياطي النفط العراقي، فهي تحتوي على 15 بئر نفطي من أكبر الآبار النفطية في العراق، باحتياطي نفطي يقدر بحوالي 65 مليار برميل، أي بنسبة 59% من أجمالي الاحتياطي النفطي في العراق، ومع ذلك فإن المحافظة تشهد حالة من نقص الموارد المالية لدى سكانها، ونسبة عالية من البطالة، وسوء الخدمات، بينما تتقاسم الأحزاب الدينية موارد التصدير عبر ميناء البصرة، الذي تسيطر عليه فصائل عسكرية تابعة للقوى الحزبية، بينما يحرم السكان المدنيون من عائدات النفط في محافظتهم، في الوقت الذي تتجمع فيه رؤوس الأموال بيد قلة من السياسيين.

في سوريا، وبعد تحوّل الصراع من صراع من أجل التغيير إلى صراع متعدد المستويات، محلي وإقليمي ودولي، فقد أفرزت الحرب مجموعة من الأثرياء، بعيداً عن قوانين السوق الطبيعية، وقد تقلص قطر دائرة الإنتاج في سوريا بشكل مريع، وبحسب بعض الدراسات، فإن قطر دائرة الإنتاج لا يزيد عن 70 كلم، مع تراجع في طبيعة الإنتاج نفسه، وتراجع التصدير، وغياب أي إمكانية فعلية لدى البنك المركزي من أجل تعديل أوضاع العاملين في مؤسسات الدولة، حيث يبلغ متوسط الرواتب حوالي 50 دولاراً.

وبالإضافة إلى تأثير عدد كبير من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراعين العراقي والسوري، فإن السمة الأبرز اليوم للدولتين هي الدور الشكلي للحكومة المركزية في البلدين، حيث تقف الحكومتان على أنقاض بلدين مدمرين، أنهكتهما الحروب، ومن غير الواضح، في المدى المنظور، متى وكيف ستحسم حروب الداخل والخارج، في ظل توفر كل المعطيات لاستمرار تلك الحروب، وفي ظل غياب ملامح أي توافقات إقليمية ودولية على مصير المشرق العربي.

المثل القائل “بعد خراب البصرة”، والذي استخدم لأول مرة عام 883 م، بعد القضاء على حركة “الزنج”، من قبل الخليفة الموفق، حيث قضى الصراع بين الحركة وجند الخليفة على كل مقومات البلاد، حتى أصبح نصر الخليفة على حركة الزنج من دون أي معنى، وهو المثل الذي ينطبق على العراق وسوريا، حيث تتصارع الأطراف على إحراز انتصارات هنا وهناك، من دون الانتباه إلى ما خسره البلدان من إمكانات ومقومات مادية وبشرية، خلال السنوات الماضية من الصراع.

ملايين العراقيين والسوريين لجأوا بشكل نهائي إلى الخارج، وتوزعوا في أصقاع الأرض، وملايين أخرى من السكان لم يتمكنوا من مغادرة البلاد، وهم مضطرون للعيش في ظل ظروف مأساوية، من انعدام الأمن، ونقص البنى والخدمات، وغياب الموارد، وتوجه كثيرين للعمل في أنواع رديئة من الخدمات، أو المشاركة في الصراعات، من أجل الاستمرار على قيد الحياة.

ما الذي بقي بعد خراب البصرة؟

ما الذي بقي من العراق وسوريا؟

ما الذي بقي من المشرق العربي بعد عودة الاحتلالات؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *