الرئيسية / مقالات / مأزق إدلب

مأزق إدلب

محمد حلّاق الجرفمأزق إدلب

الاتحاد برس – محمد حلّاق الجرف

أمران كانا ملفتين للنظر في قمة طهران الأخيرة: نقل محادثات المجتمعين، وتالياً خلافاتهم، على الهواء مباشرةً (قيل أنّ هذا كان بخبثٍ إيرانيّ). ولا يخفى على المتابعين أنّ ما يجمع أطراف هذه القمة -على رغم كلّ خلافاتهم- هو العداء لأمريكا، أو على الأقل، التضارب الشديد للمصالح الإقليمية معها. وهكذا كانت الولايات المتحدة هي الحاضر الغائب في قمة طهران.

ورغم أنّ عدم تبنّي القمة صراحة للعمل العسكريّ من قبل الدول الراعيّة لمسار الآستانة الخاصّ بخفض التصعيد، وهو ما اعتبر بمثابة نجاح دبلوماسي طفيف للرئيس التركي أردوغان، إلاّ أنّ القصف الجويّ الرّوسيّ الممنهج والكثيف الذي تتعرّض له محافظة إدلب يشير إلى أنّ القرار بشأن عملية الاقتحام البرّي للمحافظة قد اتخذ من قبل الرّوس والإيرانيين، لكنّ الخلاف مع الشريك- الخصم التركي يتمحور على ما يبدو حول شكل العملية، وتوقيتها.

ينتظر الجميع ما سيحصل في إدلب، ولكنهم في الحقيقة يتناسون أنّ العملية العسكرية باتجاهها كانت قد بدأت منذ حوالي العام، وهو ما أفضى في الخريف الماضي إلى استعادة النّظام السّوريّ لكامل الجنوب الشرقي من ريف المحافظة بما فيها قاعدة أبو الضهور الجوية الهامة. يومها أعلن أردوغان غضبه الشديد وهدّد دمشق علناً، إلاّ أنّه سرعان ما هدأ بعد أن أضاء له الرّوس الضوء الأخضر لاحتلال مدينة عفرين الكردية. كان ذلك الثمن مجزياً وقتها. إلاّ أنّ الأمور تغيرت في الوقت الحالي، فتركيا تحتل من الأراضي السّورية في الشمال ما يفيض عن حاجتها لمنع إقامة الكوريدور الكرديّ، كما أنّ التواجد الكثيف للأمريكان هناك سيمنع أي هجوم تركي جديد على المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية التابعة للأكراد، خصوصاً في ظلّ الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الشدّاديّ بمحافظة الحسكة يعتقد أنها ستكون القاعدة الجوية الأكبر في سورية منافسة بذلك قاعدة حميميم الروسية.

أمام الرّوس سيناريوهات عدة:
1. اتفاق روسي-تركي تمّ تسريب بعض تفاصيله في جريدة صباح التركية المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، يقضي بمبادرة تركية تُفضي إلى سحب الأسلحة الثقيلة من جبهة النصرة وتسليمها لميليشيات تتبع لتركيا، ونقل عناصر الجبهة إلى مناطق معزولة داخل الأراضي التركية.

لكن هناك مشكلتان قد تعترض عليهما روسيا في المبادرة التركية. أولاهما الوقت، فتركيا طلبت ستة أشهر لإنهاء عملية نزع الأسلحة ونقل المقاتلين، وهي مهلة طويلة جداً بالنسبة لروسيا. والنقطة الثانية هي أنّ روسيا، والنظام السّوري، لا يثقان بالعناصر الموالية لتركيا. كما أنّ روسيا تريد القضاء على النصرة، لا مجرّد نقلها إلى مكان آمن.

2.السيناريو الثاني: عملية عسكرية برية محدودة تُحقّق بعض الأهداف لروسيا، أهمها حماية قاعدة حميميم من طلعات الطائرات بدون طيار التي تنفذها المعارضة بين فترة وأخرى.

3. السيناريو الثالث، وهو القيام بهجوم عسكري شامل سوف يؤدّي إلى مأساة إنسانية عميقة وموجة نزوج هائلة من مدينة يقطنها أكثر من أربعة ملايين نسمة.

هذه سيناريوهات ثلاثة تبدو ممكنة، لكن الأرجح أن تعتمد روسيا نفس الاستراتيجية التي اعتمدتها عندما انتزعت حلب، والغوطة، ودرعا. فالقوات البرية الممثلة في الجيش السوري وحلفائه سيبدأ بمهاجمة النقط الأضعف أولاً، وهي في حالة إدلب الحدود الجنوبية، والجنوبية الغربية للمحافظة على حدود حماة واللاذقية. ثمّ يحصر المقاتلين المعارضين في منطقة صغيرة ومحدودة جداً، في شمال المحافظة على الحدود مع تركيا، وأخيراً يبدأ بعملية التفاوض على تسليم الأسلحة بشكل منفصل مع كل فصيل على حدة.

في إدلب، سيكون من السهل بالنسبة للعملية البرية البدء من سهل معرة النعمان، وتأجيل جسر الشغور ذات التضاريس الصعبة إلى مرحلة لاحقة.

هذا عن السيناريوهات العسكرية، أما سياسياً فالأوراق جداً مختلطة، إلاّ أنّ قادة القرار الحقيقيين، أي الرّوس، لا يأخذون باعتبارهم سوى ورقتين، الإيرانية والتركية. فرغم أنّ إيران هي حليفتهم العسكرية على الأرض إلاّ أنّهم لا يحبذون تدخل الميليشيات الشيعية الموالية لها في المعركة البرية، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى التفاف الفصائل الجهادية المقاتلة في إدلب أكثر حول هيئة تحرير الشّام، فرع تنظيم القاعدة في سورية، وهذا سيضعف كثيراً المحاولات التركية الرامية إلى عزل الهيئة عن بقية المقاتلين، خصوصاً بعد أن أعلنت تركيا هيئة تحرير الشّام، هيئة إرهابية قبل أسبوع واحد من قمة طهران. وتالياً، ستحاول روسيا، باعتقادنا، لجم إيران قدر الإمكان في معركة إدلب. هذا من جهة، من جهة أخرى، تُشكّل الورقة التركية المعضلة الأكبر في وجه روسيا بخصوص اقتحام إدلب، وروسيا لا تريد تركيا ضعيفة أو مهزوزة، لأنها تُدرك جيداً أهمية تركيا بالنسبة لها، فهي بمثابة حصان طروادة داخل حصن الناتو. واهتزاز مسار الآستانة الهشّ، كما هدّد أردوغان صراحة في طهران، سيكون الضربة الأكبر التي يمكن أن تتلقاها الدبلوماسية الرّوسية منذ تدخلّها في سورية.

الحل السياسيّ قادم عاجلاً أم آجلاً، هذا ما يقوله الرّوس والأتراك والإيرانيين، وإذا كانت روسيا قد اضطرت للتحالف مع إيران في زمن الحرب، فهي تعرف جيداً أنّها لا تستطيع الاستغناء عن تركيا في زمن السّلم. وروسيا ستلعب على توازن الحليفين، ومعركة إدلب قد تكون الشّاهد على جدوى النظرة الرّوسية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *