الرئيسية / أخبار سوريا / احتمالات التدخل العسكري في إدلب بعد قمة طهران

احتمالات التدخل العسكري في إدلب بعد قمة طهران

احتمالات التدخل العسكري في إدلب بعد قمة طهراناحتمالات التدخل العسكري في إدلب بعد قمة طهران

مركز أسبار للدراسات والبحوث – دراسات سورية

مقدمة:

تشكل محافظة إدلب ذات الموقع الجيواستراتيجي أهمية سياسية بالغة الخطورة لدى جميع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في معادلات الصراع في سوريا؛ فمنذ أن تم الإعلان عنها في جلسة اجتماعات استانا المتسلسلة بأنها واحدة من أهم مناطق خفض التصعيد في الشمال السوري، حتى راحت تتجه الأنظار إليها من كل الأطراف الفاعلة في مسألتي الحسم العسكري والتفاوض السياسي .

اكتست المدينة أهميتها الحيوية لكونها أصبحت الآن رأس المثلث الجغرافي الذي بات يربط ربطا جيوسياسيا بين مناطق النفوذ الخاضعة للتنظيمات الإسلامية المتاخمة لمناطق تواجد القوات التركية كسلطة أمر واقع من جهة، والمناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية من جهة الشمال الشرقي المتاخمة لحدودها الإدارية، فضلا عن المناطق الكائنة في أقصى جنوبها والملاصقة للحدود الشمالية مع مدينة حماة، والتي أصبحت بصورة حاسمة تحت سيطرة قوات النظام .

ما نود أن نلفت الإشارة إليه في مطلع هذه الدارسة؛ أن محافظة إدلب لم تكن قبل بضع سنوات بذات الزخم السياسي الذي تبدو عليه اليوم، لدرجة أن الأتراك أصبحوا يحذرون من انهيار مسارات الحل السياسي في حال تم التسبب بموجة نزوح بشرية جديدة باتجاه حدودهم الجنوبية، لا بل وصل بهم الحال إلى جعلها جزءً لا يتجزأ من الأمن القومي التركي) 1( وهي سابقة سياسية وربما تاريخية لم تحدث من قبل إلا عندما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من جزيرة قبرص في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهذا ما يدفعا للتساؤل؛ هل باستطاعة تركيا أن تكرر هذا السيناريو في سوريا أو على الأقل في مدينة إدلب لحماية ما تراه مصالح أمنها القومي .

إدلب بين زمنين متباينين ومرحلتين حاسمتين:

مرت مدينة إدلب منذ مطلع عام ألفين وأثني عشر وحتى منتصف هذا العام، بسلسلة طويلة من التقلبات العسكرية والأمنية والسياسية، فكان وجهها السياسي دائم التغير كلما توالت على إدارتها إحدى المجموعات العسكرية المسلحة، وحتى لا ننسى أن أوائل الضباط المنشقين من الجيش السوري كانوا من أبناء هذه المدينة، ولعل الذاكرة تسعفنا لنذكر هنا وبعجالة قضية المقدم حسين الهرموش الذي أ ر قت تحركاته ونشاطاته المحمومة النظام وتيارات الإسلام السياسي المتمثلة بجماعة الإخوان المسلمين، فكان التخلص منه هد فًا مشتركً ا لكليهما، وعلى هذا الأساس نجح النظام نجاحً ا باهرً ا في اجتياز الحدود التركية إلى أن وصل إليه بتسهيل كبير، وبغض الطرف من القائمين على ضبط الحدود .

ما يهمنا قوله في هذا السياق العرضي، أنه ومن خلال هذا الضابط المنشق الذي اختفت آثاره حتى اليوم، تأسست أولى التشكيلات العسكرية في الشمال السوري انطلاقا من مدينة جسر الشغور، ثم توالت سلسلة الانشقاقات إلى أن طالت عددً ا غفيرً ا من أبناء المدينة والريف الذين شكلوا تنظيماتهم المسلحة؛ مرة تحت مسمى” الجيش الحر” كما فعل العقيد رياض الأسعد المنتمي إلى ذات المدينة، أو تحت مسمى المجالس العسكرية المشتركة- القيادة الموحدة- تحت أمرة العميد مصطفى الشيخ المنتمي أيضً ا إلى المدينة عينها.

ولا يخفى على أحد الدعم الكبير الذي حظيت به تلك التشكيلات العسكرية من الأموال الخليجية

)2( إلى جانب الرعاية التركية التي وصل بها الحال إلى التدخل في عمل تلك الفصائل والتشكيلات التي كان قد انحل معظمها، وكذلك الدعم غير المحدود من الأموال الأجنبية التي أخذت تنهال عليها بشكل غير منظم، وكذلك من بعض الشخصيات العربية المنتسبة إلى منطقة الخليج.

في مدينة إدلب عينها، تم الإعلان عن أكبر التشكيلات العسكرية في مطلع عام ألفين واثني

عشر، باسم ما كان يعرف” جبهة ثوار سوريا” ثم تطور الأمر إلى أن أصبحت المدينة بحدودها المترامية الأطرف إلى بوابة تهريب رئيسة للمحروقات والوقود إلى تركيا )3( وذلك عبر تجار النفط ،وهذا ما أثار شهية التنظيمات الإسلامية التي كان على رأسها تنظيم القاعدة الذي لم يكن يعلن عن اسمه الصريح باسم “داعش .”

ففي إدلب تأسست كذلك أولى الإمارات الإسلامية )4(التي خضعت لرايات تنظيم القاعدة، في الوقت الذي لم يكن لهذا التنظيم المتطرف أي موطئ قدم في سوريا، رغم فقدان قوات النظام سيطرتها الفعلية على مناطق عديدة في الشمال السوري، إلا أن إدلب كانت بالنسبة للتنظيمات الجهادية المتطرفة أرضا خصبة لاستقطاب المقاتلين الأجانب “المهاجرين” من وراء الحدود ،وتجنيد الشبان المتحمسين من أبناء المدينة أو أولئك الذين انعدمت أمامهم فرص الحياة بسبب الفقر والفاقة وقلة فرص العمل في زمن الحرب .

إدلب أصبحت اليوم واحدة من أهم بؤر الاهتمام الدولي في مسألة محاربة الإرهاب المتجسد في ما بات يعرف اليوم بهيئة تحرير الشام التي هي أحد أهم فروع تنظيم القاعدة، رغم محاولاتها الخجولة في النأي بنفسها عن تعاليم المدرسة الراديكالية المتشددة لتكسب لنفسها تعاطفا واسعا من الحاضنة المحلية وقبولا شعبيا من الشارع السوري) 5( إلا أن ذلك كله أصبح غير مجٍدٍ أمام انهيار الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وتدهور الحالة الإنسانية التي بلغتها المدينة أمام غارات الطيران الروسي )6( وانعدام الأمن والأمان، فضلا عن اتساع رقعة الاغتيالات السياسية التي طالت عشرات العاملين في الكوادر الإغاثية أو من صفوف الناشطين المناوئين لهيمنة التنظيمات الإسلامية المتشددة) .7(

فجميع هذه التحديات بلا استثناء وضعت المدينة أمام خيارين سيئين أحلاهما مر، فلا التدخل العسكري سيؤتي بثماره دون إراقة المزيد من الدماء وبالتالي الإتيان على ما تبقى من البنية التحتية التي يكفيها ما أصابها من دمار وخراب، ولا بقاءها تحت سيطرة التنظيمات الإسلامية المتطرفة فيه مصلحة لأبنائها الذين باتوا يستشعرون قرف العيش والحياة تحت حكم “الغرباء “وفي الوقت عينه، أصبحوا يلومون أنفسهم لقبولهم الصمت والسكوت عن بقاء هذه التنظيمات الدخيلة عن ثقافتهم وبيئتهم) .8(

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر:

كان مسئولون رفيعو المستوى في الأمم المتحدة قد دقوا ناقوس الخطر في أكثر من مرة، وحذروا في أكثر من مناسبة من خطورة أي عملية عسكرية واسعة النطاق من شأنها أن تفتح الباب واسعً ا أمام موجات نزوح جديدة، وبالتالي تتسبب في حدوث كارثة إنسانية غير متوقعة ،فلو لم يكن لدى هؤلاء المسئولين معطيات جدية ودقيقة حول أوضاع المدنيين، لما كانوا قد أطلقوا تحذيراتهم الصاخبة )9( فعندما تعرب باتشيليت المفوضة السامية لحقوق الإنسان عن قلقلها العميق من معاناة المدنيين في إدلب، وتدعو في الوقت عينه جميع الدول لاتخاذ التدابير اللازمة والعاجلة لضمان حمايتهم، فهذا يعني أن ثمة أزمة إنسانية كبرى قد تنشب على هامش العمليات العسكرية، وهو ما دعاها إلى مناشدة فرقاء الصراع في سوريا إلى مراعاة مبادئ القانون الإنساني الدولي أثناء خوضهم للعمليات العسكرية .

وفي الوقت عينه ،فقد رأى ستيفان ديمستورا المبعوث الأممي إلى سوريا أن مكالمة هاتفية واحدة بين الرئيسين التركي والروسي يمكن أن توقف أي حمام الدم في إدلب، وإنهاء مأساة الناس هناك) 10( كما كان قد ع بر عن مخاوفه من إراقة المزيد من الدماء في مدينة إدلب، ودعا كل الأطراف إلى تجنب المواجهة العسكرية، والانخراط بصورة أفضل وأقوى في المفاوضات السياسية؛ بغية التوصل إلى نقطة انطلاق رئيسة لعملية التسوية السياسية من خلال مسار جنيف .

بؤرة استقطاب جديدة اللاجئين:

يعيش في هذه المدينة المضطربة أكثر من مئات الآلاف من اللاجئين المحليين، وكذلك الذين نزحوا من مناطقهم التي تعرضت لدمار كبير بسبب رحى الحرب الطاحنة منذ سبع سنوات ،كالنازحين الذين وفدوا من أرياف مدينة حلب وحماة، وكذلك أيضًا قادة الفصائل المسلحة الذين تجمعوا في ريف إدلب وف قًا لمسارات الاتفاق السياسي في اجتماعات استانا، بعد أن تم الاشتراط عليهم في حرية السماح في الانتقال بالباصات الخضراء إلى شمال سوريا مقابل تسليم أسلحتهم ،وهو ما كان قد حدث فعلا في مدن الزبداني ومضايا التي أجلي سكانها بموجب اتفاق المدن الأربعة المبرم في شهر أبريل عام 2017 بين حركة أحرار الشام والوفد الأمني الإيراني)11( فضلًا إجلاء مدن وبلدات الغوطتين الشرقية والغربية، وكذلك أيضًا التسويات التي تمت في حمص وريفها، وهو ما جعل المدينة تستوعب كل هذه الأعداد الكبيرة من المهجرين والنازحين واللاجئين القابعين تحت سيطرة الجماعات الإسلامية المسلحة، والتي يأتي في مقدمتها هيئة تحرير الشام .

تحتوي محافظة إدلب ذات التقسيمات الإدارية المعقدة والمتنوعة على أكثر من ثلاثة ملايين قاطن) 12( وهو رقم كبير جدً ا، فما كان لهذه المحافظة الصغيرة أن تستوعبه بمثل هذه السرعة القصوى لولا أن طالت دوامة الحرب، واتسعت رقعتها وامتد لهيبها إلى مناطق سكن النازحين ،فضلا عن انعدام الأمل في التوصل إلى صيغة اتفاق سياسي من شأنها أن تنهي سنوات الحرب المريرة .

خريطة انتشار التنظيمات المسلحة في إدلب:

يقدر عدد المقاتلين في إدلب بحوالي سبعين ألف مقاتل) 13( منهم حوالي عشرة آلاف مقاتل يتبعون بصورة مباشرة للتنظيمات الجهادية المتطرفة، أما بقية المقاتلين فمعظمهم ينتسب إلى الفصائل والتشكيلات التي وفدت إلى أطراف المدينة ضمن صفقة التسويات السياسية التي أدارتها اجتماعات استانا، وذلك بعد أن سلم قادة تلك الفصائل أسلحتهم الثقيلة، وانسحبوا بعتاد فردي خفيف، فهؤلاء لا يمكن الاعتماد عليهم بصورة قطعية من تلك التنظيمات الإسلامية، لا بل أن الخلافات بينهم تفاقمت حدتها، ووصلت إلى مراحل بعيدة من الصدام المباشر حتى طالت اعتقال بعض القادة العسكريين وإيداعهم في سجون ومعتقلات ” جبهة النصرة” التي تسمي نفسها الآن بهيئة تحرير الشام .

أما التنظيمات العسكرية الخاضعة للتأثير التركي بشكل مباشر أو غير مباشر، فنذكر منها هنا:

الجبهة الوطنية للتحرير والتي تضم في صفوفها:

“جيش تحرير إدلب، وحركة نور الدين الزنكي، وحركة أحرار الشام التي تلعب على حبال العلاقات المتوترة بين الأطراف كلها، دون أن تعدم علاقتها الحميمة مع جماعة الإخوان المسلمين ودول إقليمية داعمة كقطر وتركيا “)14(

ولعل أخطر هذه التنظيمات وأشدها تطر فًا وإثارة لشهية القوات العسكرية الراغبة في شن مواجهات عسكرية دامية، والتي نقصد فيها هنا قوات النظام المدعومة من القوات الجوية

الروسية “تنظيم حراس الدين” الذي تأسس في مطلع هذا العام حيث تم الإعلان عنه في السابع والعشرين من شهر فبراير بقيادة أبو همام الشامي وهو قيادي سابق في تنظيم القاعدة، وكان هذا الأخير قد أعلن بيعته العلنية لتنظيم القاعدة. )15(

يتألف تنظيم حراس الدين من حراس الشام وسرايا الساحل، وسرية كابل، وجند الشريعة ،وجيش الملاحم، وجيش البداية وجيش الساحل، فضلًا عن عشرات المقاتلين المنضويين تحت راية تنظيم القاعدة ممن لهم باع طويل في القتال والتنقل من بلد لآخر، والذين كان من بينهم أبو جليبيب طوباس، وأبو خديجة الأردني، وسامي العريدي، وأبو عبد الرحمن المكي؛ إضافة إلى ما يعرف بالأمراء المنشقين عن جبهة النصرة الذين كانوا قد رفضوا فك الارتباط عن تنظيم القاعدة، وذلك بعيد الإعلان عن تشكيل تنظيم حراس الدين .

والجدير بالذكر، أن هذه التنظيمات المتطرفة التي أخذت تتكاثر في إدلب أكثر مما كان عليه الحال في مدينة الرقة عندما كانت تخضع لسيطرة تنظيم داعش، لأن هذا الأخير لم يكن يسمح لأي تشكيلات جديدة بالظهور، لئلا تشق طريقها إلى منافسته، بخلاف نظيرته “جبهة النصرة “التي أسست لظهور هذه التشكيلات العنقودية، عندما أعلنت عن إعادة تسمية تنظميها، لتعيد تلميع نفسها وتصدير صورتها ” الجهادية الجديدة” دون أن تفكر للحظة واحدة في فك ارتباطها الوثيق بتنظيم القاعدة.

كما أن الصراعات بين هذه التنظيمات الإسلامية نفسها تكاد لا تهدأ بل وصلت إلى حدود الاقتتال والتصفيات والاغتيالات المنظمة؛ التي دفعت بعض المقاتلين إلى الهروب من مناطق تواجدهم إلى مناطق أخرى أكثر قربًا من الحدود التركية؛ بغية النجاة بأرواحهم من الموت الرخيص) 16( ولعل أبرز أشكال الصراع ما وقع مؤخرً ا من اشتباكات عنيفة بين جيش تحرير إدلب من جهة، وهيئة تحرير الشام من جهة ثانية، في الوقت الذي اضطر فيه تنظيم حراس الدين إلى الوقوف موقف المتفرج لئلا يفتح على نفسه بابًا واسعًا للانخراط في الاقتتال، وليجنب نفسه الانزلاق في أتونه، لكن مثل هكذا تنظيمات متشبعة بثقافة العنف والقتال لا يمكن لها أن تصمد لوقت طويل دون أن تقحم نفسها في لجة القتال، والذي ظهر هذه المرة بكل وضوح بينها وبين هيئة تحرير الشام ،ولكنه انحصر على هيئة اشتباكات محدودة لم تدم طويلًا مقارنة بالاشتباكات الدامية التي وقعت مع التنظيمات ذات الصبغة العسكرية غير الإسلامية) .17(

لكن هذا التنظيم المتطرف لم يحتمل سكوته لوقت أطول مما هو كان متوقع، حاله في ذلك كحال الكثير من التنظيمات الإسلامية التي تهوى الدخول في صراعات عبثية مع التنظيمات الإسلامية الأخرى التي تشترك معه في وحدة النهج العقائدي، وإنما تختلف على تقييم الأهداف ووضع الأجندات، فدخل في صراع مسلح مع هيئة تحرير الشام في منطقة ريف حماة الشمالي التي تعتبر نقطة ثقله الأساسية المتاخمة للحدود الإدارية مع محافظة إدلب) 18( ولعل هذا ما يذكرنا أيضً ا بالاقتتال الدموي بين جبهة النصرة وتنظيم داعش أثناء سيطرتهما على الرقة في أواخر عام 2013.

احتمالات الحسم العسكري:

تتوفر المواجهة في محافظة إدلب على قدر كبير من الاحتمالات والرهانات، فلا النظام وحليفه الروسي قادر على التراجع عن خوضها، ولا الجانب التركي قادر على إرغام التنظيمات المسلحة التي يحتفظ لنفسه بعلاقات جيدة بمعظمها في دفعها على التراجع أو الاستسلام الكامل دون قيد أو شرط .

وقبل أن تبدأ قمة طهران الثلاثية التي ضمت كل من روسيا وإيران وتركيا، بدأت وسائل إعلام التابعة للنظام في نشر العديد من الأخبار التي تتحدث عن “دحر الإرهابيين” في إدلب) 19( بالتوازي مع بث العديد من الرسائل التي جاءت على لسان بعض المسئولين الذي كان آخرهم بشار الأسد الذي تحدث بشكل وثيق عن بسط سلطة الدولة على هذه المدينة؛ بغية تخليصها من الإرهاب) .20(

وفي الوقت عينه تصاعدت حدة التصريحات الغربية المناوئة لأي عمليات عسكرية في إدلب، دون الأخذ في عين الاعتبار المسألة الإنسانية، بل وصل الحال في بعض الدول الفاعلة في الاتحاد الأوروبي إلى التهديد باللجوء إلى استخدام القوة العسكرية الرادعة )21( في حال تمادى النظام في استهدافه للمدنيين وتجمعات النازحين بذريعة تطهير المدينة من الإرهاب أو في حال تمادى في استخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دول يًا التي سبق أن استخدمها ضد بعض المناطق ضمن الاتهامات الموجهة له من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا .

فألمانيا وفرنسا وبريطانيا أصبحت على موقف واحد من رفض التدخل العسكري الروسي في إدلب على غرار تدخله السابق في محافظة حلب؛ الذي تسبب بحسب العديد من السياسيين الغربيين بأزمة إنسانية كبرى، وفي الوقت عينه، تشدد على أهمية الحل السياسي لتسوية الأزمة السورية الذي لا ترى بديلا عنه في الوقت الراهن)22( بل إن هذه الدول الثلاث التي كانت قد ربطت مساهمتها الكبيرة في مشاريع إعادة الاعمار للمناطق المتضررة بفعل الحرب في تقدم مسار المفاوضات برعاية الأمم المتحدة بما في ذلك تطبيق عملية الانتقال السياسي) .23(

من جهتها لزمت روسيا الصمت حيال العمليات العسكرية في محافظة إدلب خاصة بعد أن كان المسؤولون الروس قد امتنعوا عن الإدلاء بأي تصريحات سياسية حاسمة بشأن الأوضاع في مدينة إدلب مثلما كان قد فعل دميتري بيسكوف المتحدث الصحفي باسم الرئيس الروسي) 24( إلا أن حديث أوليغ سيرومولوتوف نائب وزير الخارجية الروسي بأن التحضر للعملية العسكرية من أجل تحرير إدلب من الإرهابيين يجري بعناية وسرية مع الأخذ بعين الاعتبار مراعاة الجوانب الإنسانية، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن التحضيرات العسكرية لاستهداف المجوعات المسلحة قد بدأت بصورة فعلية) .25(

لكن روسيا كانت واضحة وصريحة في هذا الإطار للرد على الادعاءات الأميركية التي جاءت على لسان جيم جيفري الممثل الخاص لوزير الخارجية الأمريكي للحوار السوري والتي قال فيها إن بلاده دعت روسيا أكثر من مرة إلى السماح لها بالعمل في محافظة إدلب للقضاء على آخر معقل لتنظيم” الدولة الإسلامية” والمتطرفين الآخرين) 26( هذا الرد الروسي الذي جاء على لسان ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية ،هو بحد بذاته إعادة اعتبار لموقفه الرسمي المعلن من إدارة الصراع في سوريا، فيما يتعلق بتنفيذ أجنداته الرامية إلى إعادة فرض السلطة على كافة الأراضي السورية تمهيدً ا للحل السياسي، وهو أيضً ا لإعادة التأكيد على حتمية السير قدمً ا في عملية عسكرية حاسمة .

الاستراتيجية الروسية في إدلب:

بات من الواضح أن العمليات العسكرية التي شنها الجيشان السوري والروسي على مدينة، والتي استبقت عقد قمة طهران وتلتها ببضع ساعات قليلة، كان دليلًا واضحً ا على حتمية المسار العسكري الذي اتخذه الطرف الروسي؛ بغية فرض الوقائع على الأرض، رغم الحالة الضبابية التي ظهر عليها المسئولون الروس، والتي تراوحت بين الامتناع والصمت والإيماءات والإيحاءات بحقيقة العملية العسكرية ،وكان أجلى تعبير لهذه الحالة ما كانت قد أدلت به ماريا زاخاروفا التي قالت إن الإرهابيين يمنعون المدنيين من مغادرة مناطق خفض التصعيد في إدلب عبر الممرات الإنسانية المفتوحة، ويسحبون سكان القرى الواقعة على خط التماس مع القوات الحكومية إلى داخل المحافظة في مسعى منهم لاستخدامهم كدروع بشرية. )27(

يمكن إدراج الاستراتجية الروسية في إدلب ضمن ثلاثة مراحل متتالية:

المرحلة الأولى: تبدأ هذه المرحلة بشن سلسلة غارات جوية وهجمات صاروخية على معاقل هيئة تحرير الشام والفصائل العسكرية المتحالفة معها، دون الاصطدام بنقاط المراقبة التركية البالغ عددها اثني عشر نقطة موزعة في مناطق ريفية مختلفة، بعض هذه النقاط يقع في أقصى بقعة في الشمال المتاخم للحدود، وأخرى تقع في الجنوب المتاخم للحدود الإدارية مع محافظة حماة ،وثالثة تقع في القسم الشرقي المتاخم لمناطق النفوذ التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وقوات النظام في ريف حلب .

المرحلة الثانية: تبدأ هذه المرحلة في شن هجمات برية محدودة من محورين أساسيين، وهما محور ريف حلب الشرقي، ومحور ريف إدلب الجنوبي الممتد باتجاه الحدود مع محافظة حماة ،حيث كان لقوات النظام عملية عسكرية في وقت سابق تجلت بالسيطرة على أطراف واسعة من المناطق المتاخمة للسكك الحديدية، دون أن نغفل هنا المساحة الضئيلة التي ما زالت تحت سيطرة النظام رغم إجلاء السكان من بلدتي كفريا والفوعة .

المرحلة الثالثة: مرحلة انتشار القوات على الأرض والتي سيكون أغلبها من قوات الشرطة العسكرية الروسية التي سيتم انتداب معظم مقاتليها من الشيشان مع مراعاة الوجود المحدود لقوات النظام، وخاصة في الأطراف الجنوبية من المحافظة، وذلك بعد استكمال تطبيق المرحلة الثانية، بالتوافق مع نقاط المراقبة العسكرية التركية المحددة أعلاه، ومن دون الاصطدام معها بشكل مباشر لحين إعادة انتشارها وانسحابها إلى داخل الأراضي التركية بعد ضمان مسألة منع تدفق اللاجئين، والاستمرار في مراقبة الحدود، وضبطها بشكل صارم؛ للحيلولة دون تسلل المقاتلين الأجانب” الجهاديين” إلى داخل أراضيها، وفي الوقت عينه لدفع ما تبقى من المجموعات المسلحة التابعة لفصائل المعارضة للانخراط في أي جهد عسكري مشترك ضد قوات سوريا الديمقراطية المنتشرة في أجزاء متفرقة من ريف محافظة حلب .

أسرار الاهتمام التركي بإدلب:

منذ أعلنت تركيا نيتها في الدخول إلى عمق الأراضي السورية في صيف العام الفائت، وصولًا إلى مشاركة قواتها العسكرية في ضبط حدودها البرية مع محافظة إدلب ضمن نقاط المراقبة، التي كانت قد أحدثتها في مناطق مختلفة لتتولى بنفسها كل عمليات الضبط والمراقبة والسيطرة العسكرية على الأرض؛ على الرغم من أنها تملك أعدادً ا غفيرة من المقاتلين السوريين المنضويين تحت رايتها فيما يعرف “بدرع الفرات” أو الجيش الوطني وما إلى ذلك من هذه التسميات التي إن دلت على شيء، فإنما تدل على عدم ثقة الطرف التركي في هؤلاء المقاتلين الذين لا يرى فيهم سوى أداوت ينفذ من خلالهم أجندته العسكرية، ويحقق بواسطتهم متطلبات أمنه القومي. )28(

فتركيا تريد استغلال ورقة إدلب خير استغلال، وخاصة فيما يتعلق بموضوع المسألة الإنسانية ،فإدلب بالنسبة لتركيا ليست إلا ورقة تلوح بها في وجه قادة الاتحاد الأوروبي لتمارس عليهم فصلًا جديدً ا من فصول الابتزاز السياسي الذي برعت في استخدامه قبل بضع سنوات عندما تف ج رت أزمة اللاجئين نحو البلدان الأوروبية، فعندما يهدد بولنت يلدريم رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية )29( بأن بلاده مضطرة إلى فتح الطريق أمام اللاجئين للتوجه إلى أوروبا ما لم يتدخل القادة الأوربيين في منع استمرار القصف على إدلب، فهذا يؤكد على مدى أهمية إدلب بالنسبة للاعب التركي كورقة حاسمة للمساومة السياسية القادمة، بعيدً ا عن أوجاع الناس الذين ليسوا في هذا السياق سوى إحصاء بشري وأرقام ثابتة يتم التهديد بين الفينة والأخرى في

استخدامهم كلما اقتضت الحاجة، بل إن المسئولين الأتراك ذهبوا إلى أبعد من ذلك في خضم تهديداتهم للاتحاد الأوروبي التي وصلت إلى حد النأي عن النفس من أي موجة هجرة جديدة قد تنطلق بسبب هجوم القوات السورية على المسلحين في إدلب. )30(

فمنذ انهيار المفاوضات بين المخابرات التركية وهيئة تحرير الشام خلال الشهور الأربعة الأخيرة، وفشل المفاوض التركي في إقناع أزلام الجولاني في حل تنظيمهم الإسلامي لسحب الذريعة التي يتحجج بها الشريك الروسي وكذلك أيضً ا الصديق الإيراني )31( اضطر الأتراك لفرض سيطرتهم على الأرض بإحداث نقاط دائمة للمراقبة العسكرية المحاطة بعشرات الآليات المدرعة، فضلا عن الأرتال العسكرية الضخمة التي نفذت انتشارً ا واسعً ا في منطقة مورك بريف حماة الشمالي، وبلدة الصرمان الواقعة في ريف مدينة معرة النعمان. )32(

إن ما بدر للرأي العام من سجال سطحي بين الرئيسين الروسي والتركي حول صياغة البيان الختامي، ولا سميا عندما طالب أرودغان بوقف إطلاق النار، وحذر من حمام دم في حال شن أي هجمات عسكرية على محافظة إدلب؛ والتي من شأنها أن تقوض الجهود الراهنة لبلوغ الحل السياسي ضمن مسار استانة) 33( فكل هذا السجال لا يوحي بعمق الهوة بين الموقفين الروسي والتركي حول إدلب، فتركيا تدفع باتجاه إخلاء إدلب من المسلحين الذين لا يسيرون وفق أجندتها، ولم يكن مستغر بًا أن يعلن وزير خارجيتها أن هيئة تحرير الشام هي أحد تلك الجماعات المصنفة ضمن خانة التنظيمات الإرهابية. )34(

فالأهمية القصوى التي تبديها تركيا لمدينة إدلب كونها تقع على الجهة المقابلة لمدينة انطاكيا “إقليم هاتاي” وترتبط معها بحدود جغرافية معقدة، بخلاف حدودها المنبسطة مع محافظتي حلب والرقة والحسكة لجهة ولايتي غازي عنتاب وأورفا، فضبط الوضع الأمني والسيطرة على الحدود الجبلية مع سوريا تعتبر من أهم الأولويات التي يبديها الأتراك في ما يخص تعاملهم مع القضية السورية، سواء كان ذلك تحت الغطاء الإنساني أو بمقتضى التحذير من موجات النزوح الجديدة.

ولا يغفل الأتراك في هذا الصدد المطامح الكردية التي كانت قد أعلنت عنها بعض الشخصية الكردية المقربة من قوات سوريا الديمقراطية )35( قبل أن تفقد سيطرتها على مدينة عفرين الاستراتيجية، بالرغبة في الوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، فتركيا تريد أن تستكمل قطع الطريق بشكل كامل على تلك المنطقة الحيوية، ولتحقيق ذلك الأمر ،ليس أمامها من خيار آخر سوى إقامة ممر حيوي يمتد من إدلب -بعد الاتفاق مع الروس على إنهاء وضع الجماعات المسلحة ذات الصبغة الإسلامية- إلى بلدة إعزاز في ريف حلب الشمالي وصولًا إلى ناحية جنديرس التابعة لمدينة عفرين، أ م ا نقاط المراقبة التركية، فإن لم يتم سحبها من الأراضي السورية في الأشهر القادمة، فسيكون دورها المرتقب تكثيف المراقبة العسكرية على امتداد ذلك الممر بما يؤدي إلى تثبيت الوجود العسكري التركي في أنحاء واسعة من الشمال السوري، وربما لسنوات قادمة .

في ضوء هذا الانكباب التركي على مدينة إدلب الذي لم يضاهيه في الاهتمام على أي مدينة أخرى، يبقى السؤال الأكثر أهمية ،هل ستكون معركة إدلب نهاية المطاف لجولات التفاوض السياسي أم أنها بداية انطلاق جديدة لاستكمال العمل في ما تم الاتفاق عليه بين الشريكين الروسي والتركي؟ خاتمة:

لن يكون الوضع في محافظة إدلب مغايرًا لما كان عليه الحال في بقية المحافظات السورية الأخرى، التي جرى إخلاءها من الفصائل العسكرية المسلحة، مع فارق جوهري حاسم وهو أن السيطرة على هذه المحافظة ذات الحدود الجغرافية المتداخلة مع العديد من المحافظات السورية ،والمناطق الإدارية الكثيرة؛ سيكون بالتقاسم والتفاهم بين الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في شراكة سياسية مفتوحة، وإن جاءت أحيانًا على حساب مصالح أهل الأرض.

المصادر:

  1. رجب طيب أردوغان “الكلمة الختامية للاجتماع التشاوري الموسع لحزب العدالة والتنمية التركي في ولاية أفيون” )وكالة أنباء الأناضول(
  2. مهنا جبيل” بعض الدعم الخليجي العربي خذل الثورة السورية وبعضه غدر بها” )نور سوريا(
  3. مراد عبد الجليل” مئات الدولارات تدخل إلى تركيا وقد تكون كبش الفداء” )عنب بلدي(
  4. صهيب عنجريني” إدلب التحرير المتدرج بالنار أو بالتفاهمات” )جريدة الأخبار اللبنانية(
    حسن أبو هنية” معركة إدلب وأوهام حول هيئة تحرير الشام” )عربي 21(
  5. قسم المتابعة الإخبارية” هيئة تحرير الشام أحدث نسخ تنظيم القاعدة في سوريا) “BBC(
  6. غارات روسية على مواقع النصرة في إدلب) SKY NEWS(
    غارات روسية متواصلة على مناطق خفض التوتر بإدلب )الجزيرة(
  7. منى علمي” القاعدة تهاجم تحرير الشام وتتوعد بالرد” )الشرق الأوسط(
  8. اغتيالات وتفجيرات وخطف وفوضى وفلتان أمني في إدلب يثيران استياء السكان )السورية( 21 أغسطس 2018
  9. باتشيليت المفوضة السامية لحقوق الإنسان )رويترز(
  10. ستيفان ديمستورا المبعوث الأممي إلى سوريا )فرانس برس(
  11. حسين عبد العزيز” عن اتفاق المدن الأربع” )الحياة الدولية(
  12. استعدادات للهجوم على إدلب ومخاوف على مصير ثلاثة ملايين سوري) DW(
    زياد الأشقر “3 ملايين شخص في إدلب ينتظرون الموت )موقع 24(
  13. نذير رضا ” إدلب معركة فصل النصرة عن القاعدة )الشرق الأوسط(
  14. عبد الرزاق النبهان” تشكيل جديد لفصائل المعارضة في إدلب بدعم تركي )عربي 21(
    هل تتغير المعادل في إدلب بعد تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير )ترك برس(
  15. مهند الحاج علي ” تنظيم حراس الدين يستعيد القاعدة من يدي جبهة النصرة ) الحياة(
  16. سائر اسليم” إدلب جيش الفتح تضيق بفصائل ريف دمشق: ذل فهرب إلى تركيا ) الأخبار(
  17. أحمد العكلة ” ما أسباب الاقتتال الأخير بين تحرير الشام وتحرير سوريا في ريف إدلب الجنوبي )أورينت نت(
  18. نفس المصدر السابق .
  19. وحدات من الجيش السوري تدمر مقرات وتجمعات الإرهابيين في ريف إدلب ) قناة العالم(
  20. بشار الأسد” تحرير أدلب أولوية )قناة الميادين نقلا عن الإعلام الروسي(
  21. ويسي ميتشيل مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا وأورواسيا )وكالة سبوتنيك(
  22. سبيستان كورتس المستشار النمساوي) الصفحة الشخصية على موقع تويتر(
  23. دمشق: ربط أوروبا بين إعادة الاعمار والعملية السياسية يعرقل عودة اللاجئين) روسيا اليوم(
  24. دميتري بيسكوف المتحدث الصحفي باسم الرئيس الروسي )وكالة نوفستي(
  25. أوليغ سيرومولوتوف نائب وزير الخارجية الروسي )وكالة تاس(
  26. جيم جيفري الممثل الخاص لوزير الخارجية الأمريكي للحوار السوري )وكالة رويترز(
  27. ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية )تلفزيون روسيا اليوم(
  28. إدلب فوضى وترقب )المدن(
  29. بولنت يلدريم رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية )وكالة الأناضول(
  30. سليمان صويلو وزير الداخلية التركي )TRT(
  31. )المرصد السوري لحقوق الإنسان(
  32. نفس المصدر السابق
  33. رجب طيب أردوغان “قمة طهران” )وكالة الأناضول(
  34. تركيا تصنف هيئة تحرير الشام في سوريا منظمة إرهابية )روتيرز(
  35. مروان علي” حدود كردستان الكبرى وصلت البحر” )هنا صوتك(
    مارك تاونسند” الأكراد يشقون طريقهم إلى الرقة ومياه البحر المتوسط )الغارديان(

______________________________

لمطالعة الدراسة في المصدر يرجى زيارة الرابط التالي: مركز أسبار – احتمالات التدخل العسكري في إدلب بعد قمة طهران

للحصول على آخر منشورات مركز أسبار للدرساسات والبحوث بإمكانكم متابعة الصفحة الرسمية في فيسبوك عبر الرابط التالي: https://www.facebook.com/asbarme

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *