الرئيسية / مقالات / الجزيرة السورية إلى أين؟

الجزيرة السورية إلى أين؟

الجزيرة السورية إلى أين؟الجزيرة السورية إلى أين؟

الاتحاد برس – سهف عبد الرحمن

يغدو من الصعب التكهن أو استشراف ماقد يؤول إليه الوضع السياسي في سورية وذلك ناتج طبيعي للاشتباك الدولي الحاصل والمتداخل في الملف السوري، حيث من الاستحالة الآن تمييز الحد الفاصل بين الداخل والخارج، حيث غدا الخارج أشد حضورا من الداخل وغدت مصالح القوى الخارجية هي الأقوى في حين تقلص الداخل تماما ليغدو متضمنا في الخارج وهامشيا في المعادلة السياسية، فمثلا من مصلحة الشعب السوري باعتباره داخلا إيقاف الحرب وإحلال السلام وعودة المنفيين والمهجرين وتفكيك الدولة الأمنية وإطلاق سراح المعتقلين وإحلال الأليات الديمقراطية لبناء دولته الجديدة وإعادة مؤسساتها، في حين تغدو هذه الاحتياجات الملحة غير مطروحة على طاولة الصراع بين القوى الأقليمية والدولية بوصفها خارجا وإذا ما تم طرحها على طاولة التفاوض تطرح كأوراق ضغط على الأطراف الأخرى لتحقيق مكاسب سياسية، في هذه المعادلة المعقدة تحول الداخل إلى قوة أداتية لاتملك القدرة على الفعل والمشاركة بل على التلقي والتنفيذ.

ونستطيع أن نلحظ في كل منطقة سورية داخلا مختلفا في استراتيجيته ومشروعه السياسي و في بنيته وأهدافه عن المناطق السورية الأخرى وذلك تبعا للنفوذ الدولي الخارجي والمحاصصة الواقعة، وفي خضم هذه المحاصصة والافتراق الحاصل تميزت القوى السياسية في منطقة الجزيرة السورية منذ بداية الثورة-الانتفاضة باستشراف الصراع السياسي والعسكري القادم واستعدت له، ولم يكن ذلك الاستشراف موقوفا على العامل الذاتي والنضج السياسي لتلك القوى بل على الإدارة البعيدة لها وممن أراد تحويلها إلى قوة وازنة وذات عمر أطول نسبيا من باقي القوى السياسية والعسكرية السورية التي أنتجتها الثورة -الانتفاضة.

سعت تلك القوى في الجزيرة السورية إلى مأسسة عملها السياسي والعسكري واستطاعت هذه المأسسة إيجاد حالة آمان نسبية وضبط الأمن بحد معقول كما حافظت على بعض مؤسسات الدولة وأبقت على المؤسسات الأمنية والعسكرية للنظام مجمدة في أماكنها مقابل الحصول على بعض الخدمات التي تعجزعن تحقيقها مما دفع ببعض قوى الثورة والمعارضة إلى إتهام القوى السياسية في الجزيرة السورية وخاصة القوى الكردية بالانفصالية وبأنها خانت الثورة وسعت ببراغماتية عالية لتنفيذ اجندتها وتحقيق مشروعها السياسي مستغلة انشغال النظام والقوى المعارضة بالمعركة العسكرية .

ولو عدنا إلى المكونات الإثنية والدينية في الجزيرة السورية وتخلقاتها السياسية لوجدنا بأن الأكراد وهم المجموعة الأثنية الأكثر تنظيما و ذات المشروع السياسي الأوضح والأكثر خبرة في العمل السياسي والتنظيمي حيث يوجد لديهم أحزاب قديمة وقيادات سياسية وخبرات عسكرية وكما يتوفر لديهم العامل الأهم للانخراط في العمل السياسي وهو الحلم والرغبة في تحويل هذا الحلم التاريخي إلى مشروع سياسي وعليه كان من المتوقع أن تسيطرتلك القوى على الجزيرة السورية سياسيا وعسكريا ولكن كان من المتوقع أيضا أن تسعى تلك القوى إلى تشكيل جسد سياسي يكون النواة لمشروع الدولة الكردية الحلم الذي يشكل الدافع والأساس والقاسم المشترك لكل المشاريع السياسية الكردية مهما اختلفت تلوناتها هذا فيما لو عملت تلك الأحزاب بدلالة الداخل فقط ولكن الارتباط الذي سرعان ما اتخذ أشكالا صريحة مع السياسات الأمريكية والأوروبية حيد هذا الحلم السياسي ليطرح بدلا عنه شكلا جديدا يشكل وعاء سياسيا لكل المكونات الأثنية والدينية في الجزيرة السورية وشكلت مراجعات عبدالله أوجلان في محبسه(الكونفدرالية الديمقراطية -أخوة الشعوب ) أساسا نظريا مهما استطاعت الإدارة الأمريكية الاعتماد عليه والاستثمار فيه باعتبار أن أنصار أوجلان في الجزيرة السورية يشكلون الكتلة الأكثر وزنا وتنظيما بالنسبة لباقي القوى السياسية الكردية.

لاتحبذ الإدارة الأمريكية اليوم خلق دول جديدة في المنطقة ولكنها ترغب بإنشاء كيانات سياسية ناقصة عاجزة عن الانفصال عن الخارج والحياة باستقلال نسبي كما وترغب في إدارة التناقضات واللعب عليها بين هذه الكيانات الوليدة مما يسهل تنفيذ الأهداف السياسية المرجوة عبر إدارة التناقض ويغدو سياق تطور العولمة السياسي والاقتصادي ماض أيضا في هذا الاتجاه، و باعتقادي يشكل هذا المشروع مشروعا استراتيجيا للولايات المتحدة وبعض من الدول الأوروبية والتي ترغب في الاستثمار السياسي في تلك المنطقة كونها تشكل معبرا سياسيا مهما للمشاريع الأقليمية والسيطرة عليها تعني إنشاء كونترول قوي يتحكم بامتدادات واستطالات تلك المشاريع بحسب الحاجة لها.

فهل تسعى الإدارة الأمريكية ومن خلفها بعض الدول الأوربية إلى النمذجة السياسية وهل ستسعى إلى تعميم النموذج أم الاحتفاظ به في الحدود الإدارية لمنطقة الجزيرة؟ وهل تستطيع القوى السياسية في الجزيرة السورية تمثيل الداخل وإعادته إلى المعادلة السياسية كلاعب وليس كأداة ؟

اعتقد بأن ذلك رهن لخروج القوى السياسية الكردية من مأزق الهوية القومية والمظلومية نحو هوية أكثر انفتاحا على الآخر المختلف باعتباره أس الديمقراطية وأساسها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *