الرئيسية / مقالات / هل تكون إدلب غزة الجديدة؟

هل تكون إدلب غزة الجديدة؟

حسام ميروهل تكون إدلب غزة الجديدة؟

الاتحاد برس – حسام ميرو:

خرج الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان من قمة سوتشي، التي عقدت في 17 من الشهر الجاري، باتفاق مريح للطرفين، يتضمن صيغة رابح/ رابح، من وجهة نظر كل طرف، فموسكو أوجدت مخرجاً لهجوم عسكري جوي وبري، كانت تعدّ له، مع مخاوف من نتائجه، في ظل وجود ما يقارب أربعة مليون مدني، وأكثر من 10 آلاف مقاتل (معظمهم من الإسلاميين)، لديهم خبرات واسعة في القتال، كذلك الأمر، فإن الاتفاق يجنب تركيا مخاطر الهجوم العسكري الروسي، وفي مقدمتها فتح الحدود أمام تدفق هائل للاجئين، في ظل أوضاع اقتصادية داخلية غير مريحة، بالإضافة إلى مخاطر عديدة على أمنها القومي.

يقضي الاتفاق بإنشاء منطقة عازلة، منزوعة السلاح، بين القوات الحكومية وقوات المعارضة، بعمق يتراوح بين 15 و25 كيلومتر، بإشراف روسي تركي مشترك، مهمته مراقبة الخروقات، وضمان التعاون من أجل تنفيذ الاتفاق، وقد أزاح هذا الاتفاق عن كاهل المدنيين عبء التفكير بمصير مشابه لأهل الغوطة، وحوران، خصوصاً أنه لم يعد ثمة من مفر أمامهم ضمن الحدود السورية.

فعلياً، تحولت محافظة إدلب إلى عبء كبير في حسابات اللاعبين الإقليميين والدوليين، وأيضاً في نظر النظام السوري نفسه، فهو فعلياً يفضل عدم استرجاع المحافظة، لارتفاع التكلفة المالية والأمنية لإدارتها، كما أن الفصائل الموجودة فيها لن تجد مخرجاً لها سوى الدفاع عن نفسها، إذ ليس هناك من إدلب أخرى يمكن لهم الخروج إليها، كما جرى في غير مكان من سوريا، حيث خرج المقاتلون إلى إدلب، بعد تسليم السلاح الثقيل، وبالتالي فإن المواجهة ستكون بالغة التكاليف البشرية على قوات النظام، وهو الذي استنفد عديده، خلال السنوات السابقة.

أنقرة تفضل الهيمنة، بدلاً من الإدارة المباشرة، خصوصاً في ظل غياب تمويلات دولية لإعادة هيكلة البنى المدينية، أما أوروبا، فكل ما تريده هو عدم تدفق موجات لجوء جديدة إليها، وخنق المتطرفين في أماكن تواجدهم، عوضاً عن التسلل مع موجات اللاجئين، وبذلك، فقد أدت الترتيبات الإقليمية والدولية إلى اتفاق يبقي المدينة على أوضاعها الراهنة، والعمل على تأهيل بعض المؤسسات، من أجل الضبط الأمني للمحافظة، وهو ما ستتكفّل به قوى سورية قريبة من أنقرة، وخصوصاً القوى الإسلامية.

هل نحن أمام غزة جديدة في سوريا؟

في عام 2005، قررت الحكومة الإسرائيلية فك الارتباط عن قطاع غزة، في عملية، عرفت باسم “خطة فك الارتباط الأحادية”، والتي أفضت إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وانتشار الجيش الإسرائيلي على الحدود، ومن خلال تلك الخطة، أخلت إسرائيل كامل مسؤولياتها عن غزة، مع إبقاء قدرتها على ضبط أي تطور نوعي للمقاتلين في صفوف الحركات الإسلامية، “حماس”، و”الجهاد الإسلامي”، عبر القيام باغتيالات، أو اجتياح محدود، أو القصف.

تبلغ مساحة غزة 365 كم مربع، ويعيش فيها أكثر من مليون و800 ألف نسمة، ما يجعلها ثالث أعلى كثافة سكانية في العالم، وليس للقطاع سوى معبر وحيد مع العالم الخارجي هو معبر رفح، وخلال السنوات الماضية، تفاقمت الأوضاع الإنسانية في القطاع، في ظل غياب التنمية، وارتفاع نسبة البطالة، والتي وصلت إلى 46.6 عند الذكور في الربع الثالث من عام 2017، و71% عند الإناث، (بحسب الإحصاء الفلسطيني)، وكذلك وصل عدد الفقراء إلى حوالي 53% من عدد السكان.

عندما خرج الجيش الإسرائيلي من غزة، احتفل الغزاويون، واعتبروا خروج الإسرائيليين انتصاراً لهم، لكنهم لم يتوقعوا أبداً أن تتحول غزة إلى سجن كبير لأهلها، وإلى مستنقع للفقر، وسيطرة القوى الإسلامية التي هيمنت على الموارد المالية، مع تراجع التعليم، من حيث البنى والمناهج والجودة، وغياب فرص العمل، واستشراء حالة من الفساد، من خلال العلاقات العائلية والفصائلية.

اليوم، لا تمتلك إدلب أي اتصال مع العالم الخارجي سوى معبر باب الهوى، كما تضم ملايين السكان، وفصائل إسلامية، أبرزها “هيئة تحرير الشام”، مع وجود قوي للإخوان المسلمين، كما أن قسماً كبيراً من سكانها هم نازحون فقراء من مدن وبلدات سورية، لم يتمكنوا من مغادرتها لارتفاع تكاليف التهريب عبر الحدود، وتعتمد المحافظة اليوم في اقتصادها على التجارة مع تركيا، وتدار بشكل أساسي من مقربين من قادة الفصائل، وقد خلقت هذه الأوضاع هّوة كبيرة بين أثرياء الحرب في المحافظة وبين باقي السكان الأصليين والنازحين إليها.

لقد أشاع الاتفاق الروسي التركي الأخير حالة من الارتياح لدى سكان محافظة إدلب، لكن هل يكون هذا الاتفاق مقدمة لتحويل إدلب إلى غزة ثانية في سورية، حيث لا يريد أحد التورّط في إدارتها المباشرة، وتركها لقيادات الفصائل والقوى الإسلامية؟

من المبكر الجزم بهذا الطرح، لكن من الحماقة تجاهل هذه المقاربة، في ظل غياب قوى وطنية فاعلة، أو مؤثرة في تحديد مصير الوطن السوري.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *