الرئيسية / مقالات / إدلب المعادلة الصعبة

إدلب المعادلة الصعبة

بسام البنيإدلب المعادلة الصعبة

الاتحاد برس – بسام البني *

لم يأتي اتفاق بوتين و اردوغان حول إدلب من فراغ، وليس سرا” على أحد أن قرار الحرب والسلم تحكمه المصالح، وللوهلة الاولى نلاحظ تناقض في العلاقات الروسية مع تركيا وسوريا، فمن جهة نجد أن روسيا لعبت الدور الرئيس في إنقاذ النظام والدولة السورية من السقوط و ساعدت في إعادة معظم المناطق الخارجة عن سلطة الدولة والتي كانت تحت سيطرة الفصائل المسلحة إلى بيت الطاعة، ومن جهة اخرى نجد ان الرئيس اردوغان يشعر بالإمتنان لبوتين، بسبب المعلومات التي قدمتها روسيا له عن الانقلاب الفاشل على طبق من ذهب في الوقت المناسب، الأمر الذي أدى إلى إنقاذ رقبة أردوغان من حبل المشنقة، رغم توتر العلاقات التركية الروسية حينها بسبب إسقاط تركيا لطائرة روسية، ورغم دعم الأتراك للفصائل المعتدلة على طول فترة الأزمة وبعض الفصائل المصنفة ارهابيا” على قوائم الامم المتحدة.

ولكي نفهم المعادلة لا بد من وقفة نستعرض فيها المصالح المشتركة بين روسيا وتركيا، وبنظرة سريعة سنجد أن هناك عدة محاور تتلاقى فيها مصالح البلدين أذكر اهمها :

١- اتفاقية انبوب السيل الجنوبي للغاز الروسي عبر الأراضي التركية.

تستفيد منه روسيا بشكل مهم وهو عدم إعطاء أمريكا فرصة التحكم بالاقتصاد الروسي المتعلق بتصدير الغاز إلى اوربا، وذلك عن طريق التحكم الامريكي المطلق بالحكومة الأوكرانية المعادية لروسيا، ويعطي تركيا دخل دائم من أجرة الترانزيت للغاز عبر أراضيها.

٢- اتفاقية بناء محطة نووية في تركيا لتوليد الكهرباء مما يؤدي إلى حل مشكلة نقص الكهرباء في تركيا وتوفيرها بأسعار أقل للمواطن التركي مما يزيد من دخل ميزانية الدولة و توفير في مصروف مواطنيها، كما أن روسيا ستستفيد من قيمة العقد و زيادة فرص العمل لمواطنيها.

٣- اتفاقية زيادة التبادل التجاري بين البلدين في مجال الاستيراد والتصدير للمنتجات التركية و السياحة، الأمر الذي يساعد روسيا في مجال امنها الغذائي و يؤمن منتجات زراعية للسوق الروسية بأسعار معقولة و يزيد من الدخل في الميزانية التركية.

٤- اتفاقية تسليم روسيا لتركيا منظومة صواريخ دفاعية من طراز ( اس ٤٠٠ ) مما يعطي لروسيا زيادة في دخل ميزانيتها مما ستقبضه من ثمن الصفقة و الصيانة الدورية، ويعطي تركيا الشعور بالأمن بحال نشب خلاف حاد بينها وبين حلفاؤها في الناتو وعلى رأسهم امريكا والتي تعتقد تركيا انها كانت وراء تدبير محاولة الانقلاب الفاشل.

وهنا يخطر على بالنا سؤال بسيط / هل يكفي ما سبق لتتصرف روسيا بهذه الطريقة وتنقذ رئيسا دولتان متحاربتان (ولو كانت حربهما غير مباشرة ) في ذات الوقت؟؟

وللإجابة على هذا السؤال لا بد من فهم الإستراتيجية السياسية بعيدة المدى لروسيا، والتي حددها الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2007، اصداء خطاب بوتين لاتزال تخيم على قاعات المؤتمر و يستخدم مفرداته ومصطلحاته رجال الامن و السياسة العالمية اضافة الى الاعلام العالمي حتى اليوم.

وقد تغيرت الظروف كثيرا من ذاك المؤتمر الذي شن فيه بوتين هجوما” شديد اللهجة على الولايات المتحدة، بسبب سياسة الهيمنة التي تنتهجها، وانتقض الأحادية القطبية في ادارة العالم ودورها في اندلاع نزاعات مسلحة حصدت عددا” كبيرا” من الضحايا، ناهيك عن إعلان بوتين في خطابه عن ولادة روسيا جديدة لا تقبل بتجاهل مصالحها ولا بتجاهل مجلس الأمن وهيئة الامم كما تصرفت الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها مع العراق و صربيا ميلوشفيتش، وهنا بيت القصيد في السياسة الروسية.

روسيا ضد اي خرق لسيادة الدول و ضد اي تدخل خارجي في شؤون الدول كتغير الحكم هنا وهناك عن طريق التدخل عن طريق تحريض الشعوب ضد السلطة كما حدث في تشيكوسلوفاكيا واوكرانيا وجورجيا تارة و عن طريق التدخل العسكري بقرار أحادي كما حدث في العراق وصربيا والعراق وليبيا و أماكن أخرى تارة أخرى.

ولهذا نجد أن روسيا استخدمت حق الفيتو لمصلحة سوريا وغيرها لمرات عديدة دون تردد، وذلك حتى عندما كانت تشعر ان تلك القرارات المبطنة، المعنونة بكلمات براقة يراد منها تشريع التدخل في شؤون دول ذات سيادة لإحلال باطل (الفوضى الخلاقة) كما أسمتها أمريكا ومن خلفها بريطانيا كذبا” وبهتانا”.

ولنفس السبب نجد روسيا تتخذ موقف داعم لأردوغان أثناء وقبل محاولة الانقلاب المدبر امريكيا” وليس لسواد عيون اردوغان فروسيا ليست جمعية خيرية، وإنما لعدم موافقتها على سياسة البلطجة الامريكية ولأنها كانت امام خياران اما ان تساعد اردوغان ويبقى وطنيو تركيا في الحكم او يأتي الانقلابين الأتراك الموالين لأمريكا أكثر من تركيا إلى الحكم مما سيسبب بضعف شديد لخاصرة روسيا الجيوسياسية في منطقة الشرق الاوسط.

وعودة على عنوان هذا المقال فقد أصبحت ( إدلب المعادلة الصعبة ) لأنها آخر المعاقل التي لجأ إليها المقاتلون و اللاجئين الذين يرفضون المصالحة مع الدولة، ولأن كل الملفات المؤلمة للأطراف تم ترحيلها اثناء عمليات خفض التصعيد ومن ثم المصالحات عن طريقة المركز الروسي للمصالحات في سوريا بالتعاون مع تركيا وايران في محور استانا عاصمة كازخستان، وها قد وصلنا اليوم لعقدة النجار، وكل الاطراف تتمسك بحلفائها كي لا تخرج من المولد بلا حمص، والحمص كما يعتقد المحور الأمريكي يمكن جنيه اذا بقيت سوريا في حالة حرب وعدم استقرار مما يعطيها حق البقاء في سوريا بشكل غير شرعي بحجة محاربة الإرهاب، ويعتقد آخرون أن الحمص سيكتب في الدستور تمهيدا” للحل السياسي المرتقب والتي تسعى إليه سوريا وحلفاؤها وتعطله بكل ما تملك من قوة أمريكا وحلفاؤها لقناعتها بعدم إمكانية التحكم بقرار الشعب السوري بخيارته التي لن تكون يوما” لمصلحتها، واستطيع القول أن مصير جزء من إدلب قد تم ترحيله لأجل غير مسمى ، يذهب البعض إلى القول أنه لوقت قصير ويقول آخرون لوقت طويل، بل ذهب البعض لتشبيه إدلب بقطاع غزة، الخ التكهنات، لكني و ربما استطيع القول جازما” ان مصير إدلب محسوم ومتفق عليه بين تركيا وروسيا وسوريا وإيران فالجميع موقعون على وثائق محور استانا والتي تحوي بين وثائقها ضمانة وتعهد من تركيا بالحفاظ على سوريا بحدودها قبل 2011 واحترام سيادة سوريا، والتعهد في الإتفاق الاخير بين بوتين واردوغان على ان تركيا ستستخدم نفوذها على الفصائل المعتدلة للذهاب للحل السياسي والمشاركة في كتابة الدستور وعلى حتمية خروج كل القوات الأجنبية المتواجدة داخل سوريا بعد الوصول إلى حل سياسي.

تشير التحركات والمعلومات إلى أن معارك محدودة ستتم في المناطق التي لا تخضع للسيطرة التركية المؤقتة والتي ستلجئ إليها الفصائل الإرهابية كالنصرة و الفصائل التي ترفض الانصياع لتركيا بأمر من مموليها، وسيتم القضاء عليها، أما ما يخص المناطق التي تحت سيطرة الفصائل الكردية وغيرها والمدعومة امريكيا” ووجه العلاقة بين الأطراف و تشابك المصالح فتحتاج إلى مقال آخر.

* محلل سياسي وباحث خبير في الشؤون الروسية

تعليق واحد

  1. Мухаммед яссин

    توصيف رائع للوضع الراهن ، مع أنه مؤلم لسوريتنا الحبيبة ، مؤلم ولكنه واقع مفروض .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *