الرئيسية / مقالات / ما الرابط بين السوريين؟

ما الرابط بين السوريين؟

محمد حلّاق الجرفما الرابط بين السوريين؟

محمد حلاّق الجرف

لا شيء يعتمد على قوانين الفيزياء كالسياسة، فبعض القوانين الفيزيائية يصلح للاعتماد عليه في تحليل الظواهر السياسية، وخصوصاً قانون نيوتن الأول (الجسم الساكن يبقى ساكناً إلى أبد الآبدين ما لم تؤثر عليه قوة ما، أمّا إذا كان متحركاً وكانت محصلة القوى المؤثرة عليه معدومة فإنه يستمر في حركته المنتظمة)، وقانون نيوتن الثالث (لكل فعل ردّ فعلٍ يساويه في القيمة ويعاكسه في الاتجاه بحيث تكون محصلتهما صفرية). وطبعاً فإنّ الترابط بين علمي الفيزياء كامن في تعريفهما، وفي طبيعتهما، فكلا العلمان يعتمد على الاستقراء وتتبع ومقارنة سلوك العناصر وتفاعلها فيما بينها ومع بيئتها قبل استنباط الحكم واستنتاج النظرية.

قوانين الذرة هي مثال فيزيائي جيد يمكن تطبيقه على السياسة، فالذرات بحاجة لرابط بينها كي تنتج معنىً ما، وعلى هذا شبّه هيجل أفراد المجتمع بالذرات الباحثة عن رابط، هذا الرابط عقد اجتماعي، أو دولة، أو مجتمع مدني، أو حتّى نظام استبداد!.

يطابق كثير من السوريين بين الوطن،والنظام، والسلطة، والدولة قبل الـ 2011، ورغم اعتراضنا على هذا التطابق، إلاّ أنّه يبدو مفهوماً في ظلّ تغوّل نظام الاستبداد الأمني على كلّ ما عداه في سورية، بحيث لم يبقَ حقيقة أيّ معنى للوطن أو الدولة. وأصبح نقد النظام أو رأس النظام يندرج ضمن نطاق الخيانة عند مواطني الدولة، عداك عن أجهزتها الأمنية.

هذا تكتيك عمل عليه النظام طويلاً، وقد تفرّغ وزير الإعلام الأسبق محمد اسكندر أحمد لهذه المهمة طويلاً، فكانت صورة رئيس الدولة رمزاً لكلّ شيء في ماضي الدولة وحاضرها. وكلنّا يذكر أنّ صورة حافظ الأسد كانت تتصدّر شاشة التلفزيون السّوري عندما تصدح فيروز بمقطع “أمويون فإن ضقت بهم ألحقوا الدنيا بوادي هشام” في رائعة سعيد عقل “سائليني يا شآم”. وقد نجح هذا التكتيك للحدّ الذي آمن به السوريون بأنّ هذا الرمز قد أضحى خالداً عصياً على الموت. وهو ما هدّد المجتمع والدّولة بالانهيار عند وفاة حافظ الأسد مع بداية هذه الألفية.

لم يحظَ الرئيس الجديد بهيبة أبيه ووقاره، وتالياً الخوف منه أو احترامه، في ذهن السوريين. لم يملك المسكين ما يؤهله لأن يكون أخاً أكبر، فمنظره المتردّد، ولثغته، وصورته في الجاكيت الفضفاضة عليه منحوه شكلاً أقرب إلى ممثل كوميدي من شاكلة جيم كاري منه إلى رئيس جمهورية. هذا لا يُشكل مشكلة كبيرة بطبيعة الحال، المشكلة كانت أنّ فقدان هذه الهيبة كاد أن يودي بالجمهورية وقتها، فاندلعت أحداث السويداء في وقت مبكر جداً من ولايته، وتبعتها انتفاضة القامشلي، وما أنقذ البلاد وقتها هو تدخل الحرس القديم بشكل حاسم، فمنع المنتديات المدنية وزجّ نشطائها في السجون وأعاد البلاد إلى ما كانت عليه في عهد والده إنمّا مع فارق كبير: كان الجميع يدرك أنّ ما أعاد للبلاد لحمتها هو روح والده وطيفه ممثلين بحرسه القديم، أدرك الجميع أنّ الابن لا يحكم إلاّ بوصفه نائباً عن أبيه.

هناك قانون فيزيائي يدعى بقانون مالكوم ينصّ على أنّ طول الموجة يتناسب عكساً مع الزخم! أي أنّ زخم الموجة يقلّ مع طولها!

وهكذا،ومع تباعد الذكرى، ومع تشتت الحرس القديم، ومع حلول رأسمالية المحاسيب التي يتزعمها أولاد المسؤولين السابقين وأقاربهم غابت الصورة، وذهب الخوف واندلعت الثورة في كل أنحاء سورية. ومع طول المدة فقدت الثورة- التي نادت بالمواطنة والحرية والكرامة- زخمها وانهارت الدولة سريعاً، وانهار معها الوطن والمجتمع. ونحن نعتقد أنّه لو نجحت الثورة في أشهرها الأولى لربمّا حافظت البلد على ترابطها بفضل الأثر القيمي الذي كان يحمله شعار: المواطنة والحرية والكرامة. وأيضاً: لو نجح النظام سريعاً في إعادة فرض استبداده كما حصل في الثمانينات، لربّما أيضاً كان قد نجح في ربط السوريين من جديد في بوتقته. مع الفارق بين الحالتين بالطبع، ففي حالة انتصار الثورة كان ذلك سيضع المجتمع الدولة على طريق الحقوق والمواطنة. فيما انتصار النظام كان سيعيد البلاد إلى حظيرة الدول الرخوة.

نحن الآن في معادلة مهزوم/ مهزوم بين المجتمع والدولة. كلاهما منهكان وهذا ما أنتج مجتمعاً جديداً مفككاً، وأكثر شراسةً. بتنا نرى دعوات لإقصاء المُختلف، ليس عن الحياة السياسية، وعن وظائف الدولة والفعل في حيزها فحسب، بل عن الحياة بالمعنى الحرفي للكلمة.

نحن بحاجة للبحث عن رابط يعيد السّوريين لبعضهم، لمجتمعهم ودولتهم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *